الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

من حكايات النكبة أنت ويافا وسَلَمِة ونزوح سمِعتُهُ منكَ لأوّل مرّة

تم نشره في الثلاثاء 6 كانون الثاني / يناير 2015. 02:00 مـساءً

 رجاء بكرية
(2 - 2)
بعد تلك الحادثة، وإصراري على الفهم حكت لي عمّتي آخر اللّيل حكاية ميعار والزّعتر، لكنّها كشفت لي سرا خطيرا يفيد بأنّها ليست ميعار واحدة، بل مُعر ضاعت بين الجبال. أذكر أنّني ضعتُ بين المعر ولم أفهم راسي من أساسي، وغفوتُ أمام مدفأة الكاز. ظلّت عمّتي تحكي وأنا أفتّش بين المُعُر عن مفتاح حليمة النّداهة. حين سألتُ أمّي عن ميعار صبيحة اليوم التّالي جنّ جنونها، «هاي عمتك زي الرّاديو، ما بتسكت عن إشي، وإنت يا مقصوفة لليش بتسألي؟» وأنا لا يهمّني أنّي مقصوفة أردت أن أفهم. لكنّ تنبيهات أمّي موجعة كانت حدّ أنّي انقطعت عن زيارة عمّتي ليومين طويلين. حين التقيتُهَا أواخرَ ليلٍ ذهبَتْ فيهِ أمّي لزيارة، قفزتُ من شبّاكها العريض وهمستُ لها، «عمتي إمّي بتقول عنّك راديو، ليش؟» وهكذا تسببتُ بخلاف عائلي طويل انتهى بحرماني من زيارة عمّتي لأسابيع.
مبدئيّاً كنتُ قد اقتنعت أنّ عمتي مثل الرّاديو، وبضرورة أن تعلّمني الكثير حتّى كبرتُ والتقيتُكَ. صدفة لم تحسب لها الأقدار حساب، أنت ويافا وسَلَمِة ونزوح سمِعتُهُ منكَ لأوّل مرّة، ساحر التّفاصيل، كأنّه مشروع سياحة قصيرة ويعود فيها كلّ شيء لمكانه، مثل قصّة حليمة الميعاريّة تماما، الّتي اعتقدت أنّ زيارتها لقريتنا ليست إلا زيارة مؤقّتة وانتهت للجوء طويل انتهى بموتها على فراش البحث عن مفتاح ضيّعَهُ اليَهود، وهي تحزم ملابسها داخل بقجة القش!
كبرتُ مع حكايا ميعار، سَلَمِة والبِروِة والغابسِيّة، لوبية وسُحماتا، وسواها من القرى الّتي ملَّهَا أهلها وذهبوا، على حدّ ما روى اليهود عن البلاد الّتي دخلوها بلا شعب، فصاروا شعبها وسادتها.
كأنّهُ الحلمُ.. لا يكفّ عن الطيرانِ أسراب سنونو تدمّرُ رأسك، حلم يعشّش كبيوتها تلك السّنونو الشقيّة في بدنك. تبعده فيزداد التصاقا بك. ولا يتوقّف عن هذيان التّفاصيل، «قدماك انحشرتا داخل حذاء ضيّق، ولم يتنبه لوجع نواجدك أحد. حضنوك كي يخفّفوا غزارة دمعك، أمّك ووالدك وإخوتك. كنت تصوّب إصبعا متّهِمة لقدمك، وهم على اعتقادهم أنّك تتمسّك بحقّك في عشب القرية الّتي شهدت دعساتك الأولى. بقيتَ تشدّ قدميك إلى فمك حتّى سقطت ذخائرهم من سماء اللّيل على بعد تنهيدة من رأسك، وفرّقتكم جميعا شظايا، بقايا رعب. وأطلّ النّاس على ليل بحذاء ممزّق كان حذاؤك أنت. قبضتَ عليه بيديك وبدأت تجري كمجانين المصحّات، وتلتفتُ إلى الخلف جريا ضدّ مشيئتك.وأنت لا تعرف إذا فهم النّاسُ أنّ سلمه بدأت تنتفخ بشدة في قدَميك وتضغط على جلد الحذاء.الحذاء الّذي يضيق، ويقتلُ قدميك. تستحثَّهُ على الإسراعِ في مشيتهِ لتلحقَ بهم، كلّ الّذين أغلقوا أبواب بيوتهم، وحثّوا الخطى للنّجاة بأعراضهم.
كأنّ المدينة ركوة قهوة!
لم يكن للّيل شمعٌ تمشي على هديه، يومَها ركضتَ إلى الخلفِ ركضا ضدّ مشيئتكَ، ولمْ يسمعك غيرَ جلدِ الحذاءِ الّذي يضيقُ، ويختنقُ بهِ وبكَ صوتُكَ. لم تمشِ معك سوى ضباعِ اللّيل وجوعُ حنينِكَ إلى الوراء، وأنت تسجّلُ في باطنِ قدميك المتألّمة تاريخَ اليوم الأوّل للنّكبة.
إذن كنّا شريكانِ في الغربة أنا وأنت، وفي وطنٍ أنتَ خارِجَهُ. تُرى من سيصدِّقُ إلّانا، نحن، رعيل النّزوح واللّجوءِ والهزائم أنَ يافا لك، وأنّ سلمِه تكبرُ في قدميك. تَجِنُّ أحيانا وأنتَ تقلِّمُ أظافرها. تتضوّع حنين مذاق، كأنّ المدينة ركوة قهوة تستفيق على غير انتظار وتفوِّرُ في ماضيكَ حاضراً. بقيت سَلَمِه حاضر الماضي، ففيها حبوتَ وزحفتَ ونقّلتَ عينيكَ وقدميك، ثمّ سقطتَ أرضاً في ذاكرتها بعد أن مسحَ الزّمن حشائشها وقدميك من تاريخها. بقيتَ تسأل، ترى لماذا لم يفهم رغاءك أحد؟ كرغاء الأغنام كانت كلماتك الأولى اعتقادا منك أنّها بقيت بانتظارك في ذاتِ المكان والزّمان.
أضربتَ سنة كاملةً عن المشي، خيّل للجميع حينها أنّها ضريبةُ إرغامك على الخروج بحذاء ضيّق، أكان الوطنُ يضيقُ في قلبك، أم أنّه الحنينُ كرسحَ ذكرياته في قدميك، وما لم يعرفه أحد أنَك كنتَ تَرعى قرية صغيرة بمساحةِ قطيعِ خِراف في قدميك. أعجزتَ الحكمة والحكماء. بمرورِ عامين على خرسِكِ ذاك اقتنعا والديك أنَّكَ ستعيشُ أخرساً وكسيحاً، مشطوبُ الفمِ ممحوِّ القدمين. صدى الرّغاء البعيد فوق عشب سلمه وحده استدرج حذاءك. وذات فجر لم يتوقّعه أحد استفاق المخيّم، مخيّم عين الحلوة، على غيابك. اقتنعوا أنّ غولة الحكايا وضعت حجابا على فمك واختطفتك، فقد شاع نبأ خطفها لأطفال في جيلك. لطمت أمّك وجهها، ونكّس والدك رأسه، والتاع الجيران بين تصديق أو تكذيب الرّواية. لكنّك كعادتِكَ فاجَأتَهَا! على بُعدِ فراسخَ من الموضع الّذي وقفت فيه أُمّك تنوحُ وتتمخّط، لوّحتْ يدُكَ الصّغيرة كَبُشرى انبعاث. ركضتْ إليكَ لا تصدّق نَقلاتِ ساقيك العوجاء، لقد أعاد الحشيشُ الأخضر ذاكرة سلمة لقدميك. ألهذه الدّرجة كان المكان يمشي فيهما؟ وحين ضمّتكَ، همستْ خلف أذنك، أعّادت يافا يا ولَدي؟ تلك اللّحظة انسحرَ عُمقٌ في نظراتِكَ الحُلوة، وردّدتَ يافا لأَوَّلِ مرّة، وضحكتْ!
لا ينسى عُشبُ المخيّم ضحكتك البعيدة تلك، وحُلُمُ اليافا الّذي استيقظ كالمعجزة في قدميك. لم تتوقّف لحظة عن الحُلُم، وكلّما أغمضتَ عينيكَ توهّمتَ بين حشائش العين الحلوة سَلَمَتُكَ، ترتفعُ ككيانٍ وهميٍّ في عُمْقِك، وتعربِشُ سياجَ ياسَمينَ أعلى كتفيك.وآخر المسافة الّتي يخلُصُ إليهَا قاعُ البئر يتردّد صدى الّذين غَرِقوا بالماء والدّم، وأغلقت عليهم الرّواية، «إنّا لراجعون لأوّل الحكاية» تَذَكّرْ، وأنت تشتعل ببلّوط سيجاركَ ألا تحرق ذاكرة العشب الأخضر في قدميك المضروبتين باليأس. فالحكاية تؤجَّلُ، لكن لا يأتيها الأجل قبل أن تكتمل!
حيفا - (أديبة، ناقدة فنيّة،تشكيليّة)

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش