الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الصراع بين الحق والباطل

تم نشره في الجمعة 19 كانون الأول / ديسمبر 2014. 02:00 مـساءً

أ.د. محمد سعيد حوى

صورتان متقابلتان خطيرتان بالغتان يصورهما القرآن الكريم؛ صورة أولئك الثابتين الصادحين بالحق، وصورة أولئك المتلجلجين المترددين، أما أولئك المترددون الضعفاء في قوله تعالى: ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ ) [الحج: 11]
أما أولئك المؤمنون الصادقون فحسبك قوله تعالى: (مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً )[الأحزاب: 23]
(رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ ) [النور: 37]
( ... فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ ) [التوبة: 108]
وانظر إلى هذا الوصف رجال، هم الرجال حقاً.
في سياق الحديث عن الصراع بين الحق والباطل ، والسنن الحاكمة لذلك؛ في وقت تشتد الفتن والابتلاءات والخطوب، كنا وإياكم حول هذا التساؤل الخطير لماذا يُمكن طويلاً في نظرنا للطغاة والفاسدين؟
ووقفنا وإياكم مع ثلاثة قوانين وسنن وحقائق:
الأول: أن الزمن في حق الله لا شيء (... وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ )[الحج: 47]، ولكننا نستعجل فليس غريباً أن يُمكن لهم زمناً لحِكَمٍ كثيرة لكننا نستعجل.
الثاني: أن الدنيا في ميزان الله لا تعدل لذاتها جناح بعوضة، فلا عجب أن يُمكِّن للفاسد والقاتل ليُملي لهم ويستدرجهم، ويشدد العقاب لهم، وللحكم الكثيرة التي سنراها؛ فإذا كان هذا قيمة الدنيا وحقيقتها فهي لا شيء في ميزان الله ومن ثم قد ترى الظالم والفاسد مُمكناً ردحاً من الزمن لتمضي سنن الله في الابتلاء والتمحيص والتطهير والاستدراج واصطفاء الشهداء.
الثالث: الغاية، فغاية المؤمن رضوان الله، وما دام يعمل بإخلاص وصدق واجتهاد فهو محققٌ غايته، وما دام أنه محقق غايته فهو منتصرٌ دائماً ولأن غايته رضوان الله فهو لا يسلك إلا السبل الأخلاقية السامية للوصول إلى غايته السليمة، أما الطغاة والفاسدون فالدنيا كل غايتهم ونهاية أملهم؛ لذلك فهم في ضنك شديد وقلقٍ واضطراب ويستخدمون الأساليب القذرة لتحقيق أهدافهم للحفاظ على الدنيا.
قال بعضهم: “ما يفعل بي أعدائي فإن قتلي شهادة وسجني خلوة، ونفي سياحة، وإيماني في قلبي وقلبي بين يدي ربي” .
ولذلك يخوض المؤمن صراعه في الدنيا من أجل الحق بوسائل نظيفة وصحيحة وأخلاقية عالية.
وهذا كله إذن يندرج تحت مفهوم قوانين في الصراع بين الحق والباطل ليكون القانون الرابع: قانون سنة التطهير، فإن الله قادرٌ على نصرة المؤمنين في كل لحظة، لكن عندما تشوبهم الشوائب، وتخالطهم الذنوب والمعاصي، وتشغلهم الدنيا عن الآخرة، ويكثر المدّعون، ويختلط النفاق بالحق، وتلتبس الأمور، ويكثر الخبث؛ فلا بد أن يتطهر المجتمع ويظهر كلٌ على حقيقته ( لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ ) [الأنفال: 37]. ( وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ) [الأعراف: 58]
(قيل أنهلك وفينا الصالحون؟ قال صلى الله عليه وسلّم: نعم إذا كثر الخبث) صحيح البخاري
( كل أمتي معافى إلا المجاهرين) صحيح البخاري
فتأتي الأحداث ليُطهر هذا المجتمع من كل الادعياء والمتسلقين والمنافقين وليطهر المؤمنين من ذنوبهم ومعاصيهم، وواقعنا يحدثنا عن ذلك اليوم.
القانون الخامس: قانون سنة التمحيص، وذلك من خلال هذه الابتلاءات يُمحص الناس ليتبين المؤمن من الكافر، و المؤمن من المنافق، و الصادق من المدعي، والراضي عن الله ممن سواه، ومن يقبل بحكم الله ومن لا يقبل، ومن يثبت ومن لا يثبت، وهو أعلم سبحانه، لكن ليكشف لنا علمه: ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ ) [العنكبوت:2- 3]
وقوله تعالى: ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ العَالَمِينَ ، وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ المُنَافِقِينَ )[العنكبوت:10- 11] ، فانظر إلى قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ) أي يجعل ما يتعرض له من محن وابتلاء بسبب الإيمان معادلاً وموازياً للعذاب في الآخرة لو ترك الإيمان، ومن ثم يجعل ذلك ميرراً ومسوغاً أن يترك الإيمان، في الدنيا لسان حاله سنعذب هنا أو هناك فلنستمتع هنا. وشتان شتان. وهوكذلك متقلب(وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ) ومن هنا كان التمحيص سنة ربانية.
( وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ )[آل عمران: 141]
وهذا يقودنا إلى سنة سادسة: قانون فضح وتعرية المنافقين والمدعين أمام المؤمنين، هم في حق الله مكشوفون مفضوحون، لكن لتتم التعرية والفضح أمام الؤمنين في الدنيا قبل الآخرة:
(... وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) [الحديد: 25]

وقال تعالى: ( عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الكَاذِبِينَ ) [التوبة: 43]
( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ، وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ) [محمد:29- 30]
( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ )[البقرة: 72]
(يَحْذَرُ المُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِءُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ) [التوبة: 64]
( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ) [البقرة: 72]
ونكتفي بهذا القدر لنستكمل هذه القوانين بتأنٍ وتأمل شيئاً فشيئاً.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش