الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أنقذوا سوريا .. تنقذوا أنفسكم

تم نشره في الأربعاء 12 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 02:00 مـساءً

 د. حسن أبو طالب
لم يعد خيار إنقاذ سوريا شعبا وأرضا وتاريخا ودورا مسألة قابلة للنقاش، ولكن سيظل السؤال هو كيف يحدث ذلك،
 ومن يتصدى لهذه المهمة المعقدة وما هو الثمن؟ وبداية حين نتحدث عن ضرورة إنقاذ سوريا فنحن نتحدث أيضا عن ضرورة إنقاذ أنفسنا من مشهد بدت بعض ملامحه فى الظهور، وهو مشهد امتداد الإرهاب على مساحة أوسع من العالم وليس فقط الشرق الاوسط، وعودة إرهابيين إلى بلادهم الأم وهم محملون بخبرات عسكرية عالية سوف يوظفونها ضد أهلهم وأوطانهم، وتشكل جماعة إرهابية ممتدة ومتنوعة الجنسيات واللغات والمهارات سوف تشكل صداعا مزمنا للعالم لسنوات طويلة مقبلة.
النتائج الثلاث السابقة مُستقاة من ثلاثة تطورات أعُلن عنها فى الأيام الثلاثة الماضية، ففى مصر تم اكتشاف ثلاث خلايا تدرب أعضاؤها فى سوريا وعودتهم مجرد مقدمة للقيام بأنشطة إرهابية أكثر شراسة ضد المصريين جميعا، ولعل هناك من لم يتم القبض عليهم بعد ويجرى البحث عنهم. وفى الأمم المتحدة أعلن تقرير رسمى أن عدد المقاتلين الأجانب فى سوريا وصل إلى 15 ألف مسلح من 80 بلدا، منها بلدان أوروبية عريقة، وبما يشكل أكبر جماعة مرتزقة مؤدلجة ومتنوعة الجنسيات فى التاريخ المعاصر. واخيرا ذكر تقرير أمريكى استخبارى أن معدلات تدفق المسلحين إلى سوريا قد ارتفعت رغم ضربات التحالف على مدى الشهر الماضى، ووصلت إلى 12 ألف مقاتل الشهر الماضى، فى حين كانت 7 آلاف مسلح فى الشهر السابق له، وألفى مسلح فقط فى الشهر الأسبق. وهو ما يعنى زيادة المسلحين بنسبة ستة أضعاف على مدى شهرين وحسب، مما يطرح قضية مهمة للغاية تتعلق بعوامل الجذب التى باتت تتفوق فيها داعش على غيرها من التنظيمات المناظرة، وفى المقابل تدل على أن أساليب مواجهة داعش لم ترق بعد إلى مستوى التحدى الذى تمثله.
وإذا ربطنا هذه المعلومات بالطريقة التى تُطبق بها الاستراتيجية الامريكية لمواجهة تنظيم داعش فى سوريا والعراق، فليس أمامنا سوى خلاصة واحدة وهى أننا أمام أفشل استراتيجية لمواجهة تنظيم إرهابى يستمر فى التمدد الجغرافى والبشرى رغم كل الضغوط. ومن جانب آخر فنحن أمام تحالفين فى الواقع؛ أحدهما تحالف أمريكى رسمى استخبارى عسكرى، فى مقابل تحالف أممى غير رسمى تقوده «داعش» ومازال يحتفظ بقدر من الجاذبية الفكرية والعملية لكى يستقطب كل هذه الأعداد من المسلحين وبمعدلات تزداد ارتفاعا ومن جنسيات متنوعة. وبالرغم من صعوبة قبول احتمال انتصار داعش وما يمثله من رؤية قاصرة للعالم يرفضها الحس الانسانى السليم، فهناك صعوبة مقابلة وهى أن استمرار عملية المواجهة الدولية على النمط الراهن سوف تجلب كوارث كبرى قبل أن تحقق أى نتيجة ملموسة فى احتواء خطر داعش، وأمثالها. وبالتالى لا مفر من التفكير بطريقة مختلفة، طريقة تراعى الخريطة الفعلية على الأرض وتنوع القوى العاملة والمتصارعة فيها، وتراعى أيضا أن تجنب المنطقة ويلات عودة جماعات متطرفة فكريا ودينيا ولديها خبرات عسكرية عالية، وسيكون همها الوحيد هو إسقاط النظم القائمة أو توجيه ضربات كبرى لمؤسساتها ونخبها السياسية وإغراق المجتمعات فى فوضى غير مسبوقة.
إن تجنب مثل هذا المشهد المتوقع إن ظل الوضع الراهن على ما هو عليه، يتطلب منا تغيير هذا الواقع بفعل اكثر ايجابية، بفعل يقوم على فكرة وحيدة وهى انقاذ سوريا وشعبها، وإبعادها عن لعبة المحاور الإقليمية والدولية الراهنة. وسوف يتطلب الأمر نوعا من المراجعة المتأنية لما جرى بالفعل، ومن قام بماذا وما هى الحصيلة الفعلية، وما هو السبيل لتغيير تلك الحصيلة غير المبشرة حتى اللحظة. وربما هناك الآن بعض الدوائر فى مصر وفى دول عربية وإقليمية كبرى ولها تأثير على جزء مهم من المشهد السورى الراهن تقوم بمثل هذه المراجعة، وعلى كل السوريين أيضا أن يكونوا جزءا فاعلا من هذه المراجعة، وفى المقدمة منهم النظام السورى والائتلاف السورى المعارض وجيشه الحر. فبدون هذه المراجعة الشاملة سيظل مصير سوريا أسير الحسابات الأمريكية والايرانية بالدرجة الأولى، ولن يجنى منه السوريون ووراءهم كثير من العرب إلا المزيد من الندم والخيبة والإرهاب والفوضى.
المراجعة المطلوبة لابد أن تتميز بقدر من المرونة وإعادة تقدير الأوزان النسبية للمخاطر الحالية والمخاطر المرجحة فى المستقبل القريب، وكذلك البُعد عن المواقف الشخصية لهذا الزعيم أو ذاك، وتغليب المصالح الكبرى لشعوب المنطقة، وفى المقدمة الشعب السورى نفسه. وهناك بالفعل ثلاثة عناصر مهمة تحتاج الكثير من المراجعة، الأول وهو الموقف من النظام السورى سواء فى حال استمرار رمزه الاكبر بشار الاسد، أو فى حالة انزواء الاسد وفق ترتيبات معينة، والثانى الموقف من الجيش السورى الرسمى وكيف سيتم إعادة هيكلته ليتوافق مع متطلبات مرحلة إعادة بناء سوريا جديدة لا تقصى أحدا من أبنائها، ولا تتورط فى أن تكون بلدا يسوده التطرف ومصدرا لعدم الاستقرار لمن حوله. والثالث كيف سيتم أيضا إعادة هيكلة الجيش السورى الحر ليكون عامل بناء للمرحلة الجديدة وليس قوة لتصفية الحسابات.
لقد أثبت النظام السورى أنه ما زال يشكل رقما أساسيا فى معادلة سوريا، ورغم كل الانتقادات والاتهامات والحقائق المزرية المحيطة بهذا النظام، فهو موجود ومن الخطأ التعامل مع الحالة السورية، وكأن هذا النظام مجرد شبح، أو أنه مجرد وهم فى عقول بعض السوريين. ولذلك فإن التواصل المباشر معه لم يعد ترفا بل ضرورة. وفى المقابل هناك الجيش السورى الحر والذى يشكل أساس المعارضة المسلحة، وهو من يبلى بلاء حسنا فى مواجهة داعش، ولكنه سيظل محدود القدرات، وغير قادر على أن يعبر عن كل السوريين فى الداخل أو فى الخارج. وفى المحصلة فإذا تعاون هذان الطرفان وفق ضوابط وتفاهمات عربية وإقليمية خاصة مع إيران، فالمرجح بقوة أن تصبح مهمة القضاء على خطر داعش أكثر فعالية مما هى عليه الآن.
ورغم أن التعامل مع النظام السورى قد يشكل مرارة لبعض القوى العربية، فهى بالتأكيد مرارة أقل جدا من مرارة، وخطر عودة آلاف المسلحين الداعشيين الراغبين فى تدمير الوطن واسقاط النظام.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش