الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عن ثقافة التخويف

تم نشره في الجمعة 10 تشرين الأول / أكتوبر 2014. 03:00 مـساءً

*  د‏.‏ جلال أمين
ألاحظ منذ وقت ليس بالقصير، كثرة الأمثلة التى أصبح يصادفها جيلى، ثم زادت في جيل أولادى ثم أحفادي، لأخبار تبعث الخوف في النفوس. وتكرر ذلك حتى أصبحت أكثر الأخبار شيوعا، سواء تعلق الخوف بإرهاب خارجي أو داخلي، أو بجرائم الاعتداء على الحياة أو المال، أو بزيادة التلوث في البيئة، أو بخطر انقطاع تدفق مياه النيل إلى مصر، بعد أن كان يرد إليها بانتظام لآلاف السنين، أو بانقطاع مفاجئ ومتكرر للكهرباء، بعد أن اعتدنا استخدام اللمبة الكهربائية وحتى جهاز التكييف، أو بإلغاء دعم سلع أو خدمات ضرورية بعد أن اعتدنا على كونها في متناول اليد، أو بخطر ارتفاع شديد ومفاجئ في الأسعار في المستقبل.. إلخ.
إنني أعود بذاكرتي إلى أيام أبي وأمي، اللذين توفيا منذ ستين عاما، فأتذكر أياما أفضل بكثير (على الأقل في هذا الأمر بالذات). كان هذا قبل قدوم عصر التضخم الجامح (الذى لم يبدأ إلا في سبعينيات القرن الماضي). ومن ثم الخوف من مزيد من ارتفاع الأسعار، وقبل اشتداد الحرب الباردة، ومن ثم الخوف من اشتعال حرب عالمية، وقبل شيوع الاهتمام بأحوال البيئة، وتوقع المزيد من تدهورها، ناهيك بالطبع عن ظهور ما يسمى «الارهاب»، الذى كان لابد أن يجده أبي وأمي شيئا غير مفهوم بالمرة، وتهديد هذا الارهاب سلامتنا ولانتظام حياتنا اليومية (بما فى ذلك انقطاع الكهرباء أو المياه). نعم ربما كانت الحياة في أيام أبي وأمي رتيبة أكثر من اللازم (وإن لم يكونا يعتبرانها كذلك)، ولكن الناس في أيامهما، بكل تأكيد، لم يكونوا يتعرضون لهذا التخويف المستمر الذى نتعرض له الآن.
هذه الظاهرة لا تقتصر على دولة دون أخرى، سواء أكانت الدولة متقدمة أو متخلفة. إنى أسافر إلى خارج مصر مرة على الأقل في كل عام، وأشهد أن ظاهرة التخويف منتشرة هناك مثلما هي في بلادنا، وأن الأمر لم يكن كذلك بالمرة في سنوات بعثتي بانجلترا، منذ ما يقرب أيضا من ستين عاما، أذكر مثلا أن جريدة التايمز اليومية الشهيرة، خلال سنواتي الأولى في انجلترا، كانت تشعر بالخجل عند نشر العناوين المثيرة في الصفحة الأولى، فكانت تخصص هذه الصفحة للاعلانات المبوبة التي تنشر بخط صغير جدا، ولا تبدأ الجريدة في نشر الأخبار السياسية المهمة إلا في الصفحات الداخلية. لم يكن التليفزيون قد انتشر بعد في أوروبا مثل انتشاره الآن، والتليفزيون يعتبر وسيلة مهمة للتسلية، ولكنه أيضا مصدر مهم من مصادر التخويف، فهو يستخدم الصوت (بما في ذلك الموسيقى)، إلى جانب الصورة، لإلهاب المشاعر، والصحف والمجلات لم تكن تحتوي على هذه الكمية التى تحتويها الآن من أخبار تتعلق بالموت والقتل والاعتداءات الجنسية والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية،وتطورها اليومى، والتنبؤات المختلفة. سواء تعلقت بالأسعار أو الدخل أو حالة الجو، أو الآثار الجانبية التي تحدث (أو يظن البعض أنها تحدث) نتيجة لمختلف الأدوية.. الخ.
خلال العقود السبعة التي انقضت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، حدثت أشياء كثيرة مهمة، ولكن من أهمها نمو قوة الشركات الاحتكارية العملاقة، (والتي تسمى أحيانا المتعددة الجنسيات)، حتى أصبحت منافسا جديا لقوة الدولة، وعاملا من العوامل الحاسمة في تشكيل سياسة مختلف الحكومات، نحن نشهد بلا شك عصر أفول الدولة الوطنية وصعود نجم الشركات العملاقة، كان لابد أن يقترن هذا أيضا بزيادة نفوذ هذه الشركات فى وسائل الاعلام، حيث أخذت تتقلص سيطرة الدولة على الراديو والتليفزيون ووكالات الأنباء، لمصلحة الشركات الكبيرة التى زادت سيطرتها أيضا على المؤسسات الصحفية ودور النشر، ولكن هذه الشركات يحكمها فى الأساس الدافع إلى تحقيق أقصى ربح، أيا كانت السلعة أو الخدمة التى تقدمها، ولو كانت الأخبار، فاقترن نمو سيطرتها على وسائل الاعلام بزيادة أثر دافع الربح على الاعلام، سواء فى ذلك التليفزيون أو الراديو أو الصحف والمجلات، أو نشر الكتب، والربح يزيد مع اتساع السوق، ومن أشد الموضوعات أثرا فى توسيع السوق، بالاضافة إلى الجنس والفضائح، أخبار الموت والكوارث والجرائم، فلا عجب أن زادت المساحات المخصصة لهذه الموضوعات، بما فى ذلك أي خبر يثير الخوف، ويدفع إلى التلهف إلى معرفة المزيد من الأخبار.
من المهم أن نلاحظ أيضا أن ارتفاع درجة الخوف لايزيد فقط من التلهف على معرفة المزيد من الأخبار المتعلقة بالأحداث المثيرة للخوف، ومن ثم مزيد من الاقبال على وسائل الاعلام، ولكنه أيضا يقوى الرغبة فى استهلاك سلع قد لا تبدو ثمة علاقة بينها وبين الشعور بالخوف، إن الملاحظ أن الانسان قد يجد فى استهلاك المزيد من الطعام،أو حتى زيادة ما فى حوزته من أي سلعة، مصدرا من مصادر تهدئة الخاطر والشعور بالاطمئنان، مثلما نلاحظ لجوء الأم أو الأب إلى تهدئة الطفل الخائف بإعطائه ما يأكله أو يشربه، فإذا كان الأمر كذلك، فإن من مصلحة الشركات العملاقة المنتجة لمختلف سلع الاستهلاك تقوية شعور الناس بالخوف، سواء فيما تقدمه من اعلانات عما تنتجه من سلع أو فيما تنشره من موضوعات فيما تملكه من وسائل الاعلام. (بل لقد لاحظ البعض العلاقة بين تسويق السلع والخدمات وبين نمو ظاهرة الفردية، واستقلال الرجل أو المرأة، فى سن مبكرة، بسكن خاص، بل وبنمو الحركة النسوية التى كثيرا ما أضعفت روابط الأسرة، وأدت إلى زيادة الميل إلى استقلال الرجل أو المرأة بسكن خاص).
حدث أيضا خلال العقود الأربعة أو الخمسة الماضية، شيء آخر زاد من قوة هذا الاتجاه إلى التخويف، وأقصد به ما يسمى ثورة المعلومات والاتصالات، مما ضاعف من نهم الناس إلى معرفة المزيد من الأخبار، لم تعد نشرة إخبارية واحدة تكفى فى اليوم، بل لابد من نشرة فى كل ساعة، ولا تكفي معرفة الأخبار المهمة المتعلقة بقريب لنا أو صديق، عن طريق تلقي خطاب أو مكالمة تليفونية بين الحين والآخر، بل لابد من مكالمة أو رسالة كل بضع دقائق، إذا كان الأمر كذلك فالفرصة عظيمة لمن يربح من بيع الأخبار عن طريق تضمين الأخبار أشياء مما يتلهف المرء على معرفته، وفى مقدمتها ما يثير الخوف.
ولكن هذه الشركات العملاقة لا تبيع فقط الأخبار، ومختلف أنواع المأكولات والمشروبات والملابس، ولكنها تبيع أيضا شيئا آخر مهما للغاية، ومدرا للأرباح الوفيرة وهو الأسلحة. والأسلحة قد تباع للأفراد بكثرة (كما في الولايات المتحدة) من باب الرغبة فى الدفاع عن النفس، ولكنها تباع أساسا للحكومات، من باب الحفاظ على الأمن فى الداخل والخارج، والرغبة فى الدفاع عن النفس تشتد بالطبع مع اشتداد الشعور بالخوف، كما أن مهمة المحافظة على الأمن تحتاج دائما إلى مبررات، إما بوجود عدو خارجي ظاهر أو باختراع عدو موهوم، فى الخارج أو الداخل، مما يمكن تسميته «الارهاب». وهذا «الارهاب» له ميزة لايستهان بها تتمثل فى انه يتخذ ألف صورة، ويمكن أن يتحدث بأي لغة، مما يمكن أن يستخدم فى إشاعة الخوف فى أى مكان.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش