الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ثنائية قومية مضاعفة

تم نشره في السبت 27 أيلول / سبتمبر 2014. 03:00 مـساءً

 أ.ب يهوشع
من يعرف الوضع في يهودا والسامرة –من انتشار للطرق، والبلدات، والبؤر الاستيطانية والمناطق الصناعية والزراعية سواء في الوسط الاسرائيلي أم في الوسط الفلسطيني – يفهم بوضوح ان الدولة الثنائية القومية محتمة. ولكن لا يزال رجال السلام ذوو النوايا الطيبة، الذين هم بهرائهم مستعدون لان يقتلعوا 300 الف مستوطن يهودي، يرفضون رؤية الواقع المادي والانساني الذي يتبلور ويتعمق في المناطق.
في اسكتلندا طلب الكثيرون الانفصال عن انجلترا، تشيكوسلوفاكيا تنقسم الى دولتين، الاتحاد السوفييتي تفكك. يوغسلافيا تفككت. جماعات عرقية كانت على مدى اجيال طويلة آمنة وبتعاون كامل داخل اطر قومية كبيرة، تسعى الان الى تحقيق استقلال وطني ولغوي منفصل. وبالذات في هذه الفترة فان اليهود – مرة اخرى خلافا للتاريخ – يربطون انفسهم بالفلسطينيين. فهم يعقدون شخصيتهم وهويتهم في داخل أنسجة شعب غريب، دار ضده ويدور منذ أكثر من مئة سنة صراع مضرج بالدماء؛ شعب دينه مختلف، ثقافته مختلفة، تاريخه مختلف، مستواه الاقتصادي مختلف واضافة الى ذلك فهو مرتبط بالامة العربية الكبرى وبالعالم الاسلامي الضخم، اللذين لم يمنحا بعد الشرعية لدولة اسرائيل.
كيف يحصل ذلك؟ نعود ونتساءل عن ذلك في معسكر السلام، لم تعودوا تدركون ما تفعلوه لانفسكم؟.
فضلا عن كل الاتهامات بشأن ضعف معسكر السلام واليسار الاسرائيلي، ووهن الضغط الامريكي والاوروبي لتحقيق فكرة الدولتين، علينا ان نعترف بحقيقة أن فعلة «الربط» للشعبين الواحد بالاخر مستمرة في ظل عمى مصيري ومأساوي، ليس فقط بسبب اسرائيل بل وايضا بسبب الفلسطينيين، الذين رغم تصريحاتهم الرسمية هم ايضا يحلمون ويعملون من أجل دولة واحدة – ثنائية القومية – وان كان حسب تفسير خاص بهم.
فهل غمضت عيون الفلسطينيين عن ان يروا بان كل يوم تؤكل ارضهم، الارض التي هي ايضا الاساس الاولي للهوية الوطنية؟ أوليس الاحتلال يضيرهم؟ افلا يفهمون بان السياقات الاسرائيلية الواقعة في الضفة الغربية لا مرد لها؟ برأيي هم يفهمون جيدا كل ما يجري في مناطقهم، ولكن حلم الدولة ثنائية القومية، حلم الدولة الواحدة، هو الذي يواسيهم في آلامهم واحباطاتهم. ولا يدور الحديث فقط عن الفلسطينيين في الضفة، بل وايضا عن أغلبية الفلسطينيين الاسرائيليين. ظاهرا تجدهم يتفقون مع فكرة الدولتين، والتي تكون فيها اراضي الدولة الفلسطينية اقل من ربع فلسطين الاصلية. ولكن في أعماق قلوبهم، يحلمون ويتمنون، مثل موشيه آرنس ورفاقه، بدولة واحدة، ثنائية القومية؛ بداية بصيغة أبرتهايد معتدل، وبعد ذلك، حسب تقاليد كفاح نلسون مانديلا ورفاقه، بصيغة دولة واحدة، ديمقراطية، تكون مع الايام وحسب نهجهم، في واقع الامر احادية القومية، إذ انهم حتى الان يشككون بالقومية اليهودية، ويرون في اليهودية دينا فقط.
فلو كان الفلسطينيون حقا يريدون، على حد قولهم، التحرر من الاحتلال، اقامة دولة فلسطينية قبل أن يكون فات الاوان، كان يتعين عليهم ان يسعوا بسرعة الى الانفصال، والتقسيم ونصب الحدود. كان يتعين عليهم ان يوافقوا على حدود 67، وان يثبتوا دولة موجودة ومعترفا بها في الاسرة الدولية. كان يتعين عليهم ان يوافقوا على طلب بنيامين نتنياهو الاعتراف بدولة اسرائيل كالدولة القومية اليهودية – اعتراف ليس له أي أثر عملي – والكف عن المطالبة المرة تلو الاخرى بحق العودة، والذي لن يكون ممكنا أن يتحقق ابدا. كان يتعين عليهم ان يوافقوا على تبادل الاراضي، ولا سيما في منطقة غوش عصيون، والموافقة حتى على ان تتوطن اقلية يهودية صغيرة في الدولة الفلسطينية. الزمن ضيق، وكل يوم يبعدهم أكثر عن دولتهم.
ولكنهم في هذه الاثناء لا يسارعون، بل يؤخرون ويعاندون، لان حلما أو هذيانا آخر يغذيهم، ربما ايضا يواسيهم – هذيان الدولة الواحدة المشتركة. هذيان يولد ايمانا بريئا بان يتمكنوا من أن يحظوا في اطار الدولة ثنائية القومية بحقوق المواطن حتى بالصيغة المعتدلة التي تمنح لاخوانهم في اسرائيل. وهم لا يقدرون بانه مع حلول الدولة ثنائية القومية فان الاسرائيليين سيتمنون باحابيلهم من اخضاع الديمقراطية المهدَدة في صالحهم، والى ان يتمكن الفلسطينيون من اعطاء تعبير ما في الكنيست لوزنهم الديمغرافي، فان عشرات الاف اليهود في الخارج، ممن سيحصلون على جنسية اسرائيلية وهمية، سيعطلون كل تهديد ديمغرافي بالتصويت الالكتروني المباشر من الجاليات اليهودية المنتشرة في العالم.
أقول كل هذا في ضوء الاتهامات التي يميل معسكر السلام الى أن يوجهها لنفسه، بشأن ضعفه السياسي، انقطاعه عن الشعب ونزاعاته الداخلية. حساب النفس بالفعل صحيح وضروري دوما، ولا سيما في الايام الفظيعة، ولكن جدير ومناسب لطالبي السلام النشطاء والمخلصين في اسرائيل وفي الاسرة الدولية ان يستوعبوا حقيقة بان السلام يتأخر ليس فقط بسبب الهذيان الثنائي القومية الاسرائيلية، بل وايضا بسبب الهذيان الثنائي القومية الفلسطيني. ومواجهة مثل هذا الهذيان المزدوج هو مهامة معقدة ومحبطة، ولكن لا يزال، ورغم كل شيء، محظور اليأس.

 

هآرتس

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش