الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

وقفة مع آية :

تم نشره في الجمعة 26 أيلول / سبتمبر 2014. 03:00 مـساءً

( فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ )
د. محمد أحمين

صلاح المرأة أمر عظيم في الحياة، ففي صحيح مسلم:”الدُّنيا متاعٌ، وخيرُ متاعِ الدُّنيا المرأةُ الصَّالحةُ”، وهي أحد الأركان الأربعة للسعادة كما بينت السنة:” أربعٌ مِن السَّعادةِ: المرأةُ الصَّالحةُ والمسكَنُ الواسعُ والجارُ الصَّالحُ والمركَبُ الهنيءُ، وأربعٌ مِن الشَّقاوةِ: الجارُ السَّوءُ والمرأةُ السَّوءُ والمسكَنُ الضَّيِّقُ والمركَبُ السَّوءُ” صحيح ابن حبان.

وما دام صلاح المرأة ركن عظيم في سعادة الإنسان، لم يتركه الله تعالى لأذواق الناس وأهوائهم، وإنما حدد مفهومه ومقوماته في تلك الآية الكريمة، التي جعلت قوام صلاح المرأة في أمرين: القنوت وحفظ الغيب.

أي أن صلاح المرأة يكون بأمرين كسبيين: (القنوت) وهو طاعة من تجب طاعتهم وأولهم ربها ثم والديها ووزوجها بعد زواجها، والثاني (حفظ الغيب) أي أن تحفظ ما تغيب عليه وتختص به من أحوال وأعمال قبل وبعد زواجها، ولكن هذا الحفظ الذي هي مسؤولة عنه، هو (بما حفظ الله) أي بالوسائل الشرعية التي تحقق مقصد صلاحها كما تراه الشريعة، لا كما يهواه الناس أو يتوهمونه من وسائل ومقاصد لا أصل لها في الشرع.

وإلى تفصيل القول في ذلك مستعينا بالله تعالى وبتفاسير المفسرين.

(قانتات)
هذه أول أمارات النساء الصالحات، وأول واجباتهن نحو ربهن الذين خلقهن، ونحو والديهن الذين يربونهن، ونحو أزواجهن الذين يقمن عليهن. قال الواحدي رحمه الله: لفظ القنوت يفيد الطاعة، وهو عام في طاعة الله وطاعة الأزواج. وقال الرازي: وقدم قضاء حق الله ثم أتبع ذلك بقضاء حق الزوج اهـ.
وقد جاء في الحديث أن الطاعة لو جازت لأحد بالسجود لأُمرت بها المرأة لزوجها، لعظم حقه عليها، وهو حق أعظم من حق الوالدين بعد زواجها. ففي صحيح ابن حبان: “ لمَّا قدِمَ معاذٌ منَ الشَّامِ سجدَ للنَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ قالَ: ما هذا يا مُعاذُ؟ قالَ: أتيتُ الشَّامَ فوافقتُهُم يسجُدونَ لأساقفتِهِم وبطارقتِهِم فوَدِدْتُ في نَفسي أن نفعلَ ذلِكَ بِكَ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: فلا تفعَلوا، فإنِّي لو كُنتُ آمرًا أحدًا أن يسجُدَ لغيرِ اللَّهِ لأمَرتُ المرأةَ أن تسجُدَ لزوجِها، والَّذي نَفسُ محمَّدٍ بيدِهِ لا تؤدِّي المرأةُ حقَّ ربِّها حتَّى تؤدِّيَ حقَّ زوجِها، ولو سألَها نفسَها وَهيَ علَى قتَبٍ لم تمنعْهُ”.
وهذه الطاعة للزوج إنما هي في المعروف كما قرر النبي صلى الله عليه وسلم. والمقصود منها: أن يسود الوئام والسلام والدوام بينهما؛ لأن العصيان والنشوز يوجب النفرة، وقد يؤدي إلى الفرقة.
بل القنوت للزوج لا يمنعها أن تراجعه فيما تراه حقا؛ لأن هذا من باب النصح، وهو مطلوب محبوب بقدر الوسع كما في حديث الدين النصيحة، بل الزوج أولى بذلك من غيره. أما خصوصياتها، فيما لا حرج على الزوج فيه، فهذا لها لا لغيرها.
ومن النماذج القرآنية لذلك قصة المجادِلة– وهي خولة بنت ثعلبة– التي راجعت زوجها، وجاءت تشتكي إلى الله، وتحاور النبي صلى الله عليه وسلم، في حكم ظهار زوجها   أوس بن الصامت– لها إلى أن نزل الوحي بتخفيف حكم الظهار إلى الكفارة بدلا عن الفرقة الأبدية التي كانت يومئذ.
وهذا ما نجده أيضا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح، فهذا عمر بن الخطاب يقول:” وكنا مَعشرَ قريشٍ نغلِبُ النساءَ، فلما قدِمْنا على الأنصارِ إذا هم قومٌ تغلِبُهم نساؤُهم، فطفِق نساؤنا يأخُذنَ من أدبِ نساءِ الأنصارِ، فصِحتُ على امرأتي فراجعَتْني، فأنكَرتُ أن تراجِعَني، فقالتْ: ولم تُنكِرْ أن أُراجِعَك، فواللهِ إن أزواجَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليُراجِعْنَه، وإن إحداهُنَّ لتَهجُرُه اليومَ حتى الليلِ “ البخاري.

(حافظات للغيب)

قال الزمخشري: الغيب خلاف الشهادة، أي حافظات لمواجب الغيب إذا كان الأزواج غير شاهدين لهنّ حفظهن ما يجب عليهنّ حفظه في حال الغيبة من الفروج والبيوت والأموال اهـ. وإذا كان معظم المفسرين خص الحفظ بغيبة الأزواج، فلا شك أن ذلك أعظم ما يجب أن تحفظه المرأة، ولكن ليس كل ما يجب أن تحفظه غيبا، بل يجب أن تحفظ كل ما تغيب هي عليه، وتنفرد به، من أحوال وأعمال قبل زواجها وبعده.
وقد بينت السنة أمران يجب أن تحفظهما الزوجة الصالحة: نفسها وماله، وما يتعلق بذلك من أسرار لا يجوز أن تخرج خارج الأسوار، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: {مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ، إنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ}رواه ابن ماجه .
(بما حفظ الله)

هذا بيان لكيفية حفظ المرأة الغيب، وهو أن تحفظه بما شرع الله، لا بهواها أو هوى زوجها أو مجتمعها، فهي تحفظ الغيب بحجابها، وعدم خضوعها في القول، وغير ذلك من التشريعات للمرأة الصالحة زوجة كانت أو غير زوجة.
وبناء على ذلك، فما يُفرض على المرأة مما لم يشرعه الدين وسيلة لحفظ الغيب، فهي غير مطالبة به شرعا، بله إذا كانت تلك الوسيلة المزعومة تضاد ما شرع الله. ولهذا فليس منع المرأة من المساجد أو المدارس أو السياقة، لا يدخل ذلك وأمثاله في قوله (بما حفظ الله).
يقول ابن عاشور: الباء للملابسة، ومعنى الملابسة أنهنّ يحفظن أزواجهنّ حفظاً مطابقاً لأمر الله تعالى، وأمرُ الله يرجع إلى ما فيه حقّ للأزواج وحدهم أو مع حقّ الله، فشمل ما يكرهه الزوج إذا لم يكن فيه حرج على المرأة، ويخرج عن ذلك ما أذن الله للنساء فيه، كما أذن النبي صلى الله عليه وسلم هندا بنت عتبة: أن تأخذ من مال أبي سفيان ما يكفيها وولدَها بالمعروف. لذلك قال مالك: إنّ للمرأة أن تُدْخِل الشهود إلى بيت زوجها في غيبته وتشهدهم بما تريد، وكما أذن لهن النبي أن يخرجن إلى المساجد ودعوة المسلمين اهـ
ويحتمل أن يكون أيضا معنى {بِمَا حَفِظَ ?للَّهُ} بالذي حفظ الله لهن من حقوق على الزوج، فقوله: { بِمَا حَفِظَ ?للَّهُ } يجري مجرى ما يقال: هذا بذاك، أي هذا في مقابلة ذاك.
أو أنهن حافظات للغيب بما حفظ الله إياهن، أي: المحفوظ من حفظه الله، وهو في معنى (لا حول ولا قوة إلا بالله)، وفي معنى قوله تعالى (فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين)، وقوله صلى الله عليه وسلم (احفظ الله يحفظك).
ويحتمل أيضا أن المعنى بسبب حفظهن الله أي بسبب حفظهن حدود الله وأوامره.(التفسير الكبير للرازي، وتفسير ابن كثير، تفسير المنار)

ولا بد من التنويه إلى أن الآية بينت ركني صلاح المرأة الكسبيين، الذين تحاسب عليهما، في الدنيا والآخرة، ولكن هناك معايير أخرى للصلاح كالجمال والحسب والعلم، ولا مانع شرعا في أن يضعها كل راغب في الزواج؛ لأنه من العاديات لا التعبدات. ولكن يجب أن نميز بين الصلاح الشرعي للمرأة الذي تكفلت الآية الكريمة ببيان معياريه الأساسيين، وبين الصلاح النسبي الذي يضع معاييره الناس، ويختلف من شخص لآخر، ومن بيئة لأخرى، ومنه ما جاء في الحديث “فاذهبْ فانظُرْ إليها؛ فإنَّ في أعيُنِ الأنصارِ شيئًا” رواه مسلم.

{رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان:74]

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش