الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

إليها.ذات شتاء بعيد

حلمي الأسمر

الجمعة 23 أيلول / سبتمبر 2016.
عدد المقالات: 2514



كتب إليها، رفيقة دربه، ذات شتاء بعيد، في عيد ميلادها، أو لنقل، نزف على هذا النحو، قائلا: إليها، إلى أم العيال وأمي، في عيد ميلادها، حيث لا أصلها في سفرها، فتصلها الكلمات...

لأعترف الآن أنني لا أكتبك بل تكتبينني، للمرة الأولى «أنكتب» بمحض إرادتي، وأترك لأصابعك الدافئة أن تعبث بـ «خصلات» كلماتي كيفما تشاء، تبعثرها تلملمها، تريقها على سفوح الورق أو الكي بورد، لا فرق، فقد طويت الشراع وتركت لقاربي الصغير حرية التحرك وفق مشيئة الموج،.

اكتبيني كما تشائين.. سهرت هذه الليلة أنتظر شقاواتك ، لم أحسب أن أتحول أنا نفسي إلى «شقاوة» من هذه الشقاوات ، أبحلق في بياض الانتظار ، ولا تأتين..

كأنني في امتحان الصف الأول ابتدائي ، وكأنني أمام درس في الإملاء ، أو جدول الضرب ، كنت فيما مضى ، أحسب أنني أحفظ جدول الضرب عن ظهر غيب ، لأكتشف أنني لم أتهجأ تعداد الأرقام من واحد إلى عشرة ، كنت أحسب أنني أمتلك الأبجدية ، بل ربما قادني غروري إلى اعتقاد أحمق ، حيث بت أظن أنني أصنع الأبجديات وأشكلها كما أشاء ، ولكن حين جلست في حضرتك ، وبدأت أتهجأ درس إملائي الأول ، تلعثمت الحروف على شفتي ، وانسربت بلاغاتي من بين أصابعي لتضيع في خصلات شعرك، كنت أحسب من قبل أن قلبي شاخ ، ولم يعد بوسعه أن يخفق برعونة ، ولكن حينما رأيت بريق عينيك الغريب ، ذات مساء خفت فيه على حياتنا المشتركة، ارتحلت فورا إلى كوخ بكر في غابة تغفو عند قدمي بحر لم تلوثه قدما إنسان ، ورأيتني اتشبث بهذا البريق ، كأنه حبل دخان يجرني إلى اللامكان ، حيث أكون أنا ، بكامل رعونتي ، بعيدا عن ربطة عنقي ، وبذلتي ، وتسريحة شعري المحافظة، وانتابتني رغبة حارقة في الغرق في فيك، ولتكتبيني كما تشائين ، بكل أخطائك الإملائية ، وصياغاتك الطفولية،.

عشت طيلة سنوات ، أكتب الآخرين ، أشكلهم كما أشاء ، وأرسمهم كما أشاء ، غير أن أصابعك الساحرة تعيد تشكيلي الآن على مقاس لحظة سرحانك ، أو سهوتك ، أو التفاتتك ، أو حتى صرخاتك أحيانا ، حينما يضج البيت بالفوضى، هل أعترف أكثر؟

حسنا ، لأقل إذن ، أنني في لحظة إراقة ، كما يراق الدم على جوانب الشرف الرفيع ، ولأعترف أنني في منطقة دخانية ، تمتلىء برائحتك ، هل أعترف أكثر؟ حينما رحلت عني بعيدا ، أمسكت بيدي ، وبدات أبحث فيها عن عبيرك الذي علق بكفي ، أستعيد تلك اللحظة المليئة بالنشوة ، وأنا اضم يدك الدافئة، مللت كثيرا وأنا في الانتظار ، ودعتك وحين عدت إلى البيت لألملمني ، وجدت بعضا مني فقط ، أما بقيتي فقد ظلت تحوم حول طيفك ، وأنت تسافرين إلى المدينة البعيدة ، كيف لي من بعد أن أستعيدني؟ كيف أعود إلى حالتي السابقة ، كيف أعيد توحيدي بعد كل هذا التبعثر؟.

انتظرت إطلالتك فور أن غادرت ، جاءني صوتك مضمخا بي ، كنتني وكنتك ، ولم أعد أميز ، بين صوتي وصوتك ، هل أنت تلك المرأة التي في البال؟ كم كنت بليغة حين قلت لي أنك حسمت امرك، وكم تضاءلت حين كنت أفلسف الأمر، وأتحدث عنك وكأنك المرأة الموعودة ، المرأة التي أحسب أنها أتت، فيما كنت أكبر من فلسفتي ، كنت في حقيقة الأمر تسافرين في شراييني، وتختلطين بخفقات قلبي، بل تعيدين «دوزنة» إيقاعاتها، وحبالي الصوتية ، هل أعترف أيضا، حين كنت تصمتين وتمنحينني لفتة سريعة كبرق ، كانت سمائي تنهمر بمطر استوائي ، وأغرق في دفء جديد ، لم أعرفه من قبل، هل أطلت عليك؟ لم لا، هذا هو السطر الأول في الأبجدية الأولى ، التي بدأت في فك حروفها الأولى ، كاتبا في الصف الأول الابتدائي يحاول أن يحفظ درس الإملاء الأول ، ويجتهد في ألا يخطىء في كتابة الهمزة ، التي تتحول بين شفتيك إلى تنهيدة متحفظة ، تكتبني في سفر التكوين الأول، إليك هديتي.. أنا ، أو ما بقي من هذا العمر، أغلى ما يمكن أن أقدم من هدايا!

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش