الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قــراءة فــي العـــدوان

تم نشره في الخميس 4 أيلول / سبتمبر 2014. 03:00 مـساءً

 وليد أبو بكر
أول شيء أثبته العدوان الأخير على غزة هو أن المعركة لا تكون إلا على هذه الأرض نفسها، وبين أصحابها والمعتدين عليها، وأن كل ما يمكن أن يدور في الأروقة من كلام، لا يكون إلا تلخيصا لما يجري على الأرض، أو نتيجة لما يجري، بكل الآلام التي يولدها، والصبر والصمود، وإقناع المحتل بأن نظريته في «كيّ الوعي»، بصاحبها الذي قاد هذا العدوان عسكريا هذه المرة، تحوّلت إلى مجرّد نكتة على ألسنة معلقيه، لأن صاحب الحق لا يتنازل عن حقه، مهما تألم، ومهما فقد، وهو يعرف جيدا أن الولادة، من أي نوع، لا تكون دون ألم. لذلك لم يكن غريباً أن نرى «بأعيننا» شوارع «الشمال» وشواطئه مزدحمة بنازحي «الجنوب» الهاربين من جحيم وضعتهم قيادتهم فيه؛ وأن نتأكد من أن الطريق الذي يقطع «الغور الفلسطيني»، الذي يكون خاليا في الليل تماما، صار مزدحما إلى درجة الإزعاج، بسيارات تنزح بمن فيها؛ وأن نشعر، بوضوح هذه المرة، بأن من يعتدون لم يعودوا يملكون اليد العليا، المطلقة، بالرغم من كل ما يملكونه من آلات القتل والدمار؛ بل إن حظ العدوان في الهروب قد يكون أوسع، لأن من طبيعته أن يفعل ذلك، في حالة واحدة فقط: هي أن يقف أمامه من يواجهه. لم يكن غريبا إذن أن نسمع من يقول، على لسان «الجيش الذي لا يقهر»، والذي اعتبرته الإدارة الأميركية المنحازة كل الوقت، «صاحب حقّ في الدفاع عن النفس»، بقتل الأطفال، وهدم المنازل، وارتكاب كلّ هذا الدمار: «لا توجد تعليمات للمغادرة، لكن من يرغب في ذلك، سيساعده الجيش». ولم يكن غريبا أن نسمع أن العدوان يوفر لنازحيه، من أقصى الجنوب، إلى أقصى الشمال، (وحتى بعيدا عن الوسط!) فنادق كاملة الخدمات، مدفوعة الأجر، لأن منطق العدوان الذي لا يحقق من أهدافه إلا ارتفاعا في درجات جرائمه، تحوّل، هذه المرة، ولأول مرة، من المحافظة على جودة الحياة في إسرائيل، إلى المحافظة على الحياة نفسها، على حدّ تعبير أحد معلقي العدوان، وفي ذلك انقلاب كامل على «مفهوم» الحروب التي خاضتها إسرائيل ضد «العرب»، حتى حدوث هذه الحرب. وبالرغم من الموقف الذي ينحاز إلى العدوان، دون أن ينظر في حجم ما يرتكب من جرائم، لدرجة أنه لا يقترب حتى من التقييم الرسمي الإسرائيلي للحرب، وربما بسبب ذلك أيضا، نالت الإدارة الأميركية حظها من النقد، ومن الشتيمة في بعض الأوقات، وكأن الجيش الذي «تعرّض للقهر بالفعل» كان ينتظر منها أن تقود معركته، لا أن تخرج منها، رغم أنفها، لأن طبيعة هذه المواجهة لم تترك لها حيزا تلعب فيه. ولعلّ من أطرف ما قرأته عن ذلك، ومن أعمقه، ما قاله ستيفن والت: «كلّ مرة تلمس فيها الولايات المتحدة (أمرا في الشرق الأوسط) تزيد الأمر سوءا». وشرح: لا يوجد رئيس (أميركي) مستعد لتحدي مؤيدي إسرائيل في الولايات المتحدة، وحتى يحدث ذلك، فإن السلام المنشود (على الطريقة الأميركية) لن يتحقق، ويبقى كل ما تفعله (الإدارة الأميركية) هو أن «تثرثر وتترافع». أن تمنع الولايات المتحدة إسرائيل من مأساة التحول إلى «إسرائيل كبرى، وأبارتهايد، ومنبوذة» ليس من أولويات الاهتمام الأميركي، ولو كان الأمر كذلك، لكانت سياستها بعد أوسلو، مختلفة. ولأن المعركة ضد العدوان كانت هذه المرة مختلفة، فإن الدور الأميركي نفسه لم يكن موجودا، وقد كان الحسم قبل كل شيء للصمود الذي خلق وقائع جديدة لم تكن في حساب العدوان، ولا في حساب من يدعمونه، ما كشف الوضوح في كثير من أمور كان بعضها موضوع جدل، لا بين السياسيين الذين يرغبون في أن تحلّ الأمور بالطريقة التي ثبت أنها لا تحلّ بها، خوفا من الحرب التي ليس لديهم ما يواجهونها به، ولا نية لذلك، وإنما في الوسط الثقافي أيضا، الذي يظنّ «قليل منه» أن هناك من يمكن «الثقة به» بين «الكتاب»، على الأقل. في المستوى الأول، بات من الواضح أن «الجيش الذي لا يقهر» لم يعد يملك هذه «الهيبة»، كما لم تكن تملكها قيادته السياسية أيضا. ومن أطرف ما قيل ـ إسرائيليا ـ في هذا الشأن، على شكل سخرية مرّة أيضا، أن هذا العدوان، وما أسفر عنه من نتائج، لا إنجاز فيها إلا القتل والدمار، جعلت الإسرائيليّ يضحك: هل هذه هي القيادة التي أقنعتنا قبل عام، بأنها ستهاجم إيران؟ لذلك يوجد الآن حقاً من يتمنى بقاء هذه الحكومة نفسها على رأس قيادة الاحتلال، سنوات طويلة أخرى، لأنها ستعمل ـ في تفكيك الاحتلال ـ ما لم تعمله كل الحروب. في الناحية الأخرى، علينا أن نراجع الحساب: هل خرج صوت واحد بين من افترض «من افترضوا» أنهم يستحقون «الثقة»، أو الصداقة أو الدعوة إلى «الاستثناء من النمط»، ليقول شيئا في جرائم الحرب التي ارتكبها العدوان ضد أطفال غزة، وبيوتها، ومدارسها، وكل ما هو مدني فيها، وكل ما لا علاقة له بالحرب؟ هل ظهر واحد من هذه الأصوات التي اعتبرتها بعض «الأصوات عندنا» قريبة من دمنا، وشكك في عدالة العدوان، وفي أخلاقيات ما يفعل؟. غدعون ليفي، الذي أصبح أكثر الأقلام «المثقفة» تعرّضا للكراهية العامة في إسرائيل، كما اعترف بنفسه، لأنه الصوت المختلف، (وحده إلى جانب زميلته عميرة هاس)، خصوصا في كتابته عن العدوان الأخير، الذي وصفه بأنه «الحرب التي قلبت أحشائي»، قيّم موقف الثقافة الإسرائيلية العامة بقول مختصر، يشخص الحالة ببلاغة نهائية:
 «إن الفروق (بين اليمين واليسار) أصغر مما يبدو»!.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش