الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أكاديـميــة الأراضـي الجـافــة

عمر كلاب

الثلاثاء 19 آب / أغسطس 2014.
عدد المقالات: 1583

«في مطلع ستينيات القرن الماضي كنا نتحدث عن البياض شرق السكة والسواد غربها، هذا الأمر أيام معرفتي بالمرحوم وصفي التل (رئيس الوزراء الأسبق) وذلك العام 1962 اليوم لا بياض ولا سواد الجراد منتشر بكافة أنواعه».
بهذه الكلمات أعلن الأمير الحسن أو استهل إطلاقه لمشروع أكاديمية الأراضي الجافة , وإذا كانت العبارات تسير في منحى الزراعة فإن دلالاتها عميقة عُمق مُطلقها الذي رأى الجراد منتشرا في الاقليم برمته , والجراد آكل لكل الخضار وعلامة على التصحر والتجريف في الوعي والارض .
ثمة مجازفة ان نتحدث عن قضية الزراعة وهمومها أو الالتفات الى البيئة وقضاياها وسط عواصف الإقليم ورياحه , فالوعي العام الذي جرى تجريفه عبر عقود مسكون باللحظة وتداعياتها ومفتون بالمشهد المرسوم انطباعيا رغم مخالفته لكل الانطباعات الذهنية التي تشي بالقلق والتوتر فلا أحد يضمن عدم وصول النار الى ثوبه أو تناثر شرارة من النيران المحيطة به رغم كل الاستعدادات وكل عوامل النجاح المتوافرة في بلدنا .
الجفاف الزراعي سينسحب على السياسة واصفرار الأرض يعني ببساطة اصفرار العقول وفقدانها للسوائل اللازمة لإنتاج الأفكار الخلاقة واجتراح الحلول المناسبة , والمناخ العام هو الذي يشكل البيئة الحاضنة لكل الأشياء , وانعكاس البيئة والمناخ على العقل لا ينكره إلا فاقد للوعي والبصيرة , والبيئة المناخية تتحالف الآن مع الإقليم واحداثه فتتقلب البيئة المناخية كما يتقلب الاقليم على جمر السياسة , وننام على اصوات الكونديشن ونصحو متجمدين من البرد والعكس صحيح وكل يوم المناخ في حال .
التفاتة الحسن الى البيئة المناخية وضرورة استعادة الخضرة في أراضينا هي اول الطريق لاسترداد ذاكرة وصفي التل ومنجزاته السياسية على الأرض , وجميعنا يعرف أن وصفي كان حرّاثا ومزارعا قبل ان يكون قوميا وسياسيا لامعا , فأول العلاقات تكون مع الأرض وأول الروائح رائحة الارض وكل من يخالف اول الأمر يقع في نهايته اسير الاستيراد فكرا ومذاقا وذائقة , فالارض ليست ترابا فقط .
علاقة الاجيال الجديدة مع الأرض علاقة مثقوبة , فلم يدغدغ احدهما المحراث ولم يعرف التجوير ولم يمسك الفأس والمنكاش والمنجل , فصارت الأرض متساوية بالنسبة له , ارض الأردن تشبه في التركيبة الجيولوجية ارض الدنمارك ولكن ذائقتها مختلفة الا لمن عرف التجوير والقطاف والحصيدة , ومارس فعلا زراعيا لو بوردة أو شجرة , ويبدأ بالحرص من الجراد والمَنّ وكل الآفات الزراعية , التي سرعان ما تتحول مع التصحر والجفاف الى آفات بشرية , فجراد التطرف يجتاح الافكار والبلدات ويقتل كل يانع واخضر من شبابنا وبناتنا , والمَنّ يعشعش في العقول فيأخذها الى التطرف والإرهاب .
الاجيال الجديدة تحمل ذاكرة جيولوجية للارض ولا يحملون ذاكرة مكانية وزراعية تجعل الالتصاق بالأرض والدفاع عنها اقدس المقدسات , ولذلك نجد ان الثورات والمقاومة تكون بين الفلاحين الذين يملكون ذاكرة مع الارض ويعرفون معناها ويدفع البسطاء ثمن راحة مدن الاسمنت وابناء الغنى , الذين يُسارعون الى الرحيل مع اول طلقة او طلعة جوية للاعداء .
اكاديمية الاراضي الجافة ليست اكاديمية بيئية وزراعية فقط وليست معنية بالتدريب والتمكين في الاراضي القاحلة بل اكاديمية سياسية بامتياز وستعيد التوازن الضائع بين اجيال وارضها , بعد ان استسهلنا البيوعات للأرض وبات الطموح ليس استصلاحها بل مرور شارع عليها حتى يرتفع ثمنها , ونركض نحو بيعها بدل تسويرها بالسناسل ولولا مهابة لقلت بالسلاسل , فالكلمات على خط ايقاعي واحد .
وسط حرائق الإقليم علينا الالتفات الى الداخل والداخل يعني الأرض ومن عليها , وأول الأمر انشاء علاقة او تصويب العلاقة مع التراب الذي منه خلقنا واليه نعود , وخضرة الارض تعني خُضرة العقول بانتظار قطافها من افكار وحلول وقوة اقتصادية ووطنية وهذا الأمل في اكاديمية الاراضي الجافة ولا أقل من ذلك .
[email protected]

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش