الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

السياسة والخلافة.. والخروج على التقليد

تم نشره في الأحد 3 آب / أغسطس 2014. 03:00 مـساءً

 د. رضوان السيد
 ما كانت الخلافة بين مشروعات السلفية الحديثة لاستعادة الشرعية. فالإحياء السلفي الأول في الأزمنة الحديثة ظهر لدى سلفية محمد بن عبد الوهاب بنجد، ووقع في مواجهة الخلافة العثمانية التي قاتلت الإحياء الوهّابي على مدى أكثر من قرن. فالسلفيون المُحدَثون كانوا يعتبرون الخلافة جزءاً من التقليد الذي خرجوا عليه باعتباره تحوَّل بعد عهد الراشدين إلى بدع وضلالات ومُلْك عضوض. لذلك دعا السلفيون منذ القرن الثامن عشر إلى دولة الكتاب والسنة، وما سعوا إلى إنشاء خلافة بديلة في أزمنة المواجهة مع العثمانيين، ولا في أزمنة الاستضعاف والمُهادنة. وعندما امتدَّت السلفية إلى الهند في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، دخلت من جانب بعض نُخَبها الجديدة في مسألة  فقد الشرعية  إلى جانب بعض فقهاء الأحناف، لأن الدار لم تُعُدْ دار إسلام بسبب الاحتلال البريطاني. إنما حتى في تلك الحالة، ما أُثيرت قصة استعادة الخلافة الراشدة لدى السلفيين، لأن فقهاء المذاهب الأخرى بشبه القارة الهندية وأواسط آسيا أعلنوا ولاءهم للخلافة العثمانية العدو الأول للسلفيين. والمعروف أن علماء الأحناف التقليديين والإصلاحيين، أنشأوا بالهند في الربع الأول من القرن العشرين  جمعية الخلافة  لنُصرة السلطان العثماني. فلمّا أزال البريطانيون ومصطفى كمال الخلافة (1922-1924) تنادت مجموعاتٌ من الفقهاء والسياسيين بالهند ومصر والشام والحجاز وآسيا الوسطى لاستعادة  الخلافة الجامعة  كما سمَّوها، لكن سلفيي الحجاز ونجد ما شاركوهم حماسهم، ولا رأوا في ذلك فائدة، وسخر دُعاتُهم من خلافة ينتجها البريطانيون لصالح الهاشميين أو ملك مصر أو حتى مصطفى كمال! وفي آخِر مؤتمرات النواح على الخلافة بالقدس عام 1931، انتقل النقاش إلى كيفية تكوين سلطة إسلامية جامعة مُفيدة في مكافحة الاستعمار وجمع كلمة المسلمين. وكان هناك مَنْ دعا إلى  جمعية أُمم إسلامية  على الطريقة التي اقترحها عبد الرزاق السنهوري عام 1927!
تشعب النقاش إذن بعد زوال السلطنة العثمانية في الأوساط الدينية غير السلفية إلى شعبتين: شعبة تقليدية ترى أن الخلافة وإن لم تكن من الدين؛ فإنها الصيغة التي أجمعت عليها الأمة عبر العصور. وشعبة إصلاحية ترى أنه ما دامت الخلافة ليست جزءاً من الدين، فلا ينبغي الالتزامُ بها لسببين: الأول الانحطاط الذي شهدتْه عبر التاريخ، إذ كانت مُلكاً عَضوضاً في حالات القوة، وتغطية للاستبداد في أزمنة الضعف والسلطنات. والسبب الثاني أن المسلمين الذين أنتجوا نظام الخلافة عندما كان ملائماً، قادرون اليومَ على إنتاج أنظمة سياسية ملائمة لزمانهم الحاضر، وإلا كانوا يكررون الفشل الذي عانته الدولة البابوية الكهنوتية (علي عبدالرازق).
ومع أنّ التقليديين والسلفيين ما وافقوا عبدالرازق ومشايعيه في تصويره لتاريخ الخلافة وتجربتها؛ فإنهم جميعاً انضووا في التجارب الجديدة: السلفيون في تجربة الملك عبد العزيز، والتقليديون كالإصلاحيين في تجارب الحكم الدستوري الملكي والجمهوري الذي اعتبروه قائماً على الشورى التي تُناظرُ تجربة الخلافة الراشدة. وبقي فريقان صغيران مع تجربة الخلافة: الإحيائيون الإسلاميون الجدد؛  الإخوان المسلمون  الذين اعتبروا استعادة الخلافة هدفاً ضرورياً لاستكمال استعادة الشرعية التي عهدها المسلمون الأوائل، و حزب التحرير الإسلامي  الذي اعتبر الشكل والمضمون معاً ضروريين لاستعادة الشرعية. لذلك تناسى  الإخوان  بعد حسن البنا، وأهل  الجماعة الإسلامية  التي أسسها المودودي بالهند (1941) مسألة الخلافة، ورفعوا شعار  تطبيق الشريعة  إلى حين القيام والتمكين. ولذا فإنه حتى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي؛ وباستثناء  حزب التحرير ، ما عاد أحدٌ من الإحيائيين المسلمين إلى ذكر الخلافة!
وتبقى ثلاثة استشكالات. الأول: كيف تكون دولة  تطبيق الشريعة  دولة مدنية؟ ولماذا عاد السلفيون الجُدد إلى فكرة الخلافة؟ وما علاقة ذلك كله بالتقليد وإدراكاته؟
الخلافة في الأصل نظامٌ سياسي، وقد اختار الصحابة الأوائل هذه التسمية له لورودها في القرآن، ولمفارقته وتمايزه عن الأنظمة المعاصرة لهم لدى الفرس والروم. وعندما بدأ الجدال على إدارة الشأن العام، ذهب فقهاء أهل السنة إلى أن الإمامة أو السلطة ليست لها مهام دينية، بل هي مصلحية وتدبيرية، ويختار لها الناس الأصلَح لإدارة الشأن العام (الكفاية)، والأقدر على مكافحة الفتن الداخلية والأعداء (الشوكة). وقال الماوردي في تعريفه الشهير للإمامة إنها  موضوعة  لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا. وفسّر حراسه الدين بأنها صَونُهُ على أعرافه المستقرة، وهذا أقرب لأن يكون بالمعنى الحديث صوناً للحريات الدينية. فما قال أحد في الإسلام الكلاسيكي إن النظامَ السياسي مكلَّف بتطبيق الشريعة. لأن الشريعة هي الدين (الطبري)، وما دامت كذلك، فالشرعية قائمة في المجتمع الذي يحتضن الدين والقرآن، والتكليف متحقق والدين مكتمل. فالقول بالحاجة إلى قيام نظام سياسي مهمته تطبيق الشريعة، هو قول بأنّ الدين غير موجود الآن، ولذلك فالشرعية التأسيسية غير موجودة، والناس جميعاً كفار أو غافلون حتى تقوم دولة التمكين الإخوانية! أما الشيعة الإمامية والذين يعتبرون الإمامة من أصول الدين؛ فلا يعطون الدول القائمة قبل ظهور الإمام الغائب مهمة دينية، بل يطلبون الدولة العادلة. ولذا فإن دولتي تطبيق الشريعة، وولاية الفقيه، هما انشقاقان دينيان حديثان مفارقان للتجربة الدينية والسياسية الوسيطة.
ولنصل إلى الاستشكال الثاني: كيف عاد السلفيون الجدد إلى مقولة الخلافة بعد أن تركوها على مدى القرنين الأخيرين؟ عادوا إليها متأثرين بإخوان الظواهري وحزب التحرير. وإذا كان الشيعة قد استحضروا الإمامة فلماذا لا يستحضرون هم الخلافة؟ وأذكر أن أول مرة سمعتُ فيها سلفيين يقولون بخلافةٍ اليوم كان في عام 1999 في كلام لبن لادن يذكر فيه أنه بايع الملاّ عمر زعيم  طالبان  بأفغانستان بالخلافة وإمارة المؤمنين! وتذكرتُ يومَها سخرية شاعر من الأمير الأموي سليمان بن هشام بن عبد الملك عندما بايع عام 131هـ أحد أمراء الخوارج بالخلافة:  وصلّتْ قريشٌ خلف بكر بن وائل؟ . فإذا كان أبو بكر البغدادي من بهاليل أجهزة المخابرات ولذا يجيز لنفسه اتخاذ اللقب؛ فلا أدري كيف يحتج عليه القرضاوي وأبو محمد المقدسي (السلفي الجهادي وتلميذ الألباني)، بأنه لا تتوافر فيه شروط الخلافة والبيعة، لكأنما المطلوب أمير للمؤمنين تتوافر فيه الشروط، وليس أن نظام الحكم هذا مفوَّت وانشقاقي وضد الدين قبل أن يكون ضد الدولة!
ونصل إلى الاستشكال الثالث: ما علاقةُ ذلك كلّه بالتقليد أو التجربة التاريخية؟ إن تجربة مستمرة وناجحة لتقليد متجدد ومنفتح على وحدة الشعب والدولة تتمثل في الدولة المغربية الملكية الدستورية. أمّا تجربة الملاّ عمر وخطّاب الشيشاني والبغدادي، فهي ليست خلافة راشدة، ولا هي تقليد قديم أو حديث، وإنما ينطبق عليها قول ماركس: إن التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه إن فعل؛ فإنه يكون في المرة الأولى مأساة وفي المرة الثانية ملهاة أو كوميديا! ومحنة العرب اليوم تفوق حدْس ماركس بمراحل شاسعة، وتجاور الكوميديا فيها المأساة الكارثية، لأنها أدت خلال أقلّ من خمس سنوات إلى نصف مليون قتيل واثني عشر مليون مهجَّر، وخراب العمران والبلدان!

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش