الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مبادرة مُساءلة أسستها عائلات الشهداء لمحاكمة جنود الإحتلال

تم نشره في الأحد 18 أيلول / سبتمبر 2016. 08:00 صباحاً

 رام الله - الدستور - محمـد الرنتيسي

تمعن سلطات الإحتلال الإسرائيلي في إرهاب أبناء الشعب الفلسطيني، وقتل أطفالهم بدم بارد، ودون حسيب أو رقيب، الأمر الذي دفع ببعض عائلات الشهداء، للمبادرة إلى تأسيس جمعية «مساءلة» لمناهضة العنف ضد الأطفال الفلسطينيين، فكانت هذه الجمعية، جيشاً بأكمله،  بل إنها (مجازاً) أخرجت الحي من الميت، والميت من الحي.. فلاحقت قتلة أبنائها في كل مكان، فلم يستكن أهالي الشهداء للحزن والرثاء والقدر، ووداع أبنائهم بزغرودة.. فدخلوا إلى عين الكاميرا، ورأوا من أطلق الرصاصات القاتلة على أبنائهم.. ومن هنا جاءت «مساءلة»، التي يؤكد القائمون عليها، أنها ستضع جنود الاحتلال في موضع الاتهام والمحاسبة على جرائمهم، وباتت اليوم تنتصر للضحايا، الذين أعدموا تعسفياً وميدانياً، ولا زالوا يسقطون أمام أعين العالم في جرائم حرب، وعمليات قتل متعمد، ودون رادع.

«إصرارنا على أن جرائم المحلين لن تمر دون مساءلة، هو الرادع الذي سيسهم في حماية أبناءنا في المستقبل»، قال صيام نوارة، المدير العام لجمعية «مساءلة»، مفاخراً بأن ما حققته الجمعية، منذ تأسيسها قبل أقل من عام، بجهود مقلّين من أهالي الشهداء، جعلها موضع ثقة، ومحط اهتمام العديد من المسؤولين، وأهالي ضحايا الإعدامات الميدانية الأخيرة، التي نفذتها قوات الاحتلال ضد الأطفال الفلسطينيين بدم بارد، ويقين هؤلاء، بأنه لن يعمل أحد بجد واجتهاد، ودون كلل أو ملل، أكثر ممن اكتوى بنار تلك الجرائم والإعدامات، وعلى قاعدة «ما حك جلدك مثل ظفرك».

يقول نوارة، لـ»الدستور» وهو والد شهيد النكبة «نديم نوارة» الذي أعدمه جنود الاحتلال، بدم بارد، قرب حاجز «عوفر» العسكري، خلال مشاركته بمسيرة سلمية إحياء لذكرى النكبة قبل عامين: «جرت العادة أن نشيّع شهداءنا ونودعهم بزغرودة مجروحة، ونكتفي بالقول: (رحمه الله، إنه شهيد.. وسنلقتي به في الجنة).. ولم يخطر ببال أحد، أن ملاحقة القتلة في إطار القانون، هو حق لكل عائلة شهيد، ومن هنا بادرت بشكل شخصي، وبمساعدة عدد من ذوي الضحايا وأهالي الشهداء، لتأسيس جمعية «مساءلة» وتمكنت بجهودي الشخصية ودون مساعدة من أحد، أن أحاكم ذلك الجندي الذي أعدم ابني نديم، وأدخلته السجن، ومنعته من السفر إلى دول أوروبا وأميركا، ورغم قناعتي بأن إسرائيل مبدعة دوماً في الإلتفاف على القانون، إلا أن مساءلة القتلة وملاحقتهم قانونياً، تجعل الجندي الإسرائيلي يفكر ألف مرة، قبل أن يقتل طفلاً فلسطينياً، أو أن يطلق عليه النار، وهذا من شأنه أن يحد من حالات القتل بحق أطفالنا، وكما يقولون: (العيار الذي لا يُصيب.. يُدوش».. ومن هنا عملنا كذلك على توعية أهالي الشهداء، بعدم الاستسلام للقدر، والأمر الواقع، والتوجه لرفع القضايا الجنائية، ضد القتلة وفي محاكمهم، طبقاً للقانون الدولي».

الكف يُناطح المخرز

لقد تمكن «أبو نديم» من اعتقال القاتل، وانتصر بجهده وحبه وانتمائه، لكل الشهداء وعائلاتهم، وقال لكل الفلسطينيين: «نعم نستطيع أن نحمي أرواح أولادنا، ونستطيع أن نكشف الوجه القبيح للمجرمين، مهما كانت حصانتهم السياسية والقانونية، ونلاحقهم في القضاء الدولي، ونفضح مؤسستهم الرسمية الإسرائيلية.. مؤسسة الإعدامات والقتل لمجرد الإشتباه، نعم نستطيع أن لا يتحول الموت لدينا إلى مجرد ذكرى، بل إلى فعل وطني ومؤسسي، لحياة جديدة لنا في الدنيا، وللشهداء في الآخرة».

لم يُفكر صيام نوارة باستشهاد إبنه فقط، بل فكّر بأن لا يلحق به أبناءه الآخرين، وزملاءه من أبناء فلسطين.. فكّر بالمدرسة والحياة والكتاب والحديقة، أكثر مما فكّر بالموت، بل إنه أراد أن يمنع هذا الموت، ومنذ استشهاد ابنه نديم، بات يحرص على زيارة عائلات الشهداء في شتى أرجاء الوطن، ويقدم له النصائح والإرشادات، وكيفية التصرف، حيال جرائم قتل أبنائهم، وشعاره الدائم: «نريد أن يدفننا أبناءنا، لا أن ندفنهم»!!.

لم يهداً «أبو نديم» بعد دفن ابنه شهيداً، فتزامناً مع تقبل العزاء باستشهاده، توجه إلى مكان استشهاده، فأرشده القدر إلى «كاميرات مراقبة» كانت مثبة على واجهة محل تجاري في محيط معسكر «عوفر»، ومن عين الكاميرا، ورصاصة استقرت في حقيبة «نديم» المدرسية، كانت البداية، لمحاكمة الجندي قاتل ابنه، ولم يكتفِ بذلك، إذ توجه إلى مجلس الأمن الدولي، وهيئة الأمم المتحدة، وألقى كلمات هناك، فضح من خلالها ممارسات الاحتلال وجرائمهم بحق أطفال فلسطين، داعياً لمحاكمة القتلة.

عين الحقيقة

في أواخر شباط الماضي، أعدمت قوات الاحتلال الشهيد محمود شعلان (16) عاماً، من بلدة دير دبوان شرق رام الله، بدم بارد، على حاجز «بيت إيل» العسكري، وزعمت محاولته طعن أحد جنود الحاجز، وكان أن تفاجأت عائلة الشهيد، لدرجة أنها بدأت تُقنع نفسها، بأن ابنها كان ذاهباً بالفعل لتنفيذ عملية طعن، لولا الأدلة التي جمعتها «مساءلة» من شهود عيان تواجدوا على الحاجز لحظة وقوع الجريمة، وسائق الإسعاف الذي حاول تقديم العلاج لشعلان لحظة إصابته، ومن خلال مكالمة هاتفية رصدتها الجمعية، تبين أن الشهيد كان في طريقه لزيارة بيت عمّته القريب من الحاجز، حيث أخبرها قبل استشهاده بدقائق بأنه في الطريق إليها، وأنه سيصل إلى بيتها سيراً على الأقدام، بناء على نصيحة الطبيب، الذي أشار عليه بالمشي قدر الإمكان، حيث عانى الشهيد من «الروماتيزم» في الأشهر الأخيرة.

وطبقاً للشهود، فقد منع جنود الحاجز الشهيد شعلان، من اجتيازه، ولدى محاولته إظهار جواز سفره «الأميركي» للجنود، عاجله جنود الاحتلال بعدة عيارات نارية، كانت كفيلة باستشهاده، وهكذا كادت سلطات الاحتلال أن تضلل عائلة الشهيد، وتعزز لديها القناعة، بأن ابنها كان في طريقه لتنفيذ عملية طعن!!.

الموقف الرسمي

الدكتور صائب عريقات، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، أكد أن الفكرة التي قامت عليها جمعية «مساءلة»، فكرة هائلة، لمساءلة قتلة الأطفال، والقول بصوت مرتفع: «إننا سنلاحق عبر هذه المؤسسة وغيرها، كل من حاول المس بأطفالنا، لأن جرائم الحرب لا ولن تسقط بالتقادم، مؤكداً أن سلطات الاحتلال مارست منذ النكبة، أبشع أنواع التطهير العرقي، والتهجير القصري، على الشعب الفلسطيني، في أحد أكبر المآسي السياسية، التي شهدها التاريخ المعاصر.. وأيماناً بعدالة قضيتهم، وانتصاراً لحقوق أبنائهم، لم يستكن أهالي الشهداء، لحكم القضاء الإسرائيلي المشوّه، ومنظومته الفاسدة، التي اعتبرت فيه جريمة إعدام الطفل نديم نوارة، قتلاً غير متعمد، عكس جميع الأدلة والإثبات التي وثقتها مؤسسات حقوقية بالكاميرات، بل أصرّ أهالي الشهداء، على ملاحقة الإحتلال ومطاردته قانونياً، في المحاكم الدولية، فقضية قتل الشهداء نديم نوارة، محمـد أبو ظاهر، محمود شعلان، عبد الفتاح الشريف، والشقيقان مرام وإبراهيم طه، وغيرهم كثيرون، هي حالات مثبتة بالأدلة القطعية، على الإعدام الميداني، مع سابق الإصرار والترصد».

وأضاف عريقات: «لقد وثقنا تلك الحوادث، وقدمناها لمحكمة الجنايات الدولية، ونذكّر بأن هناك أكثر من (50) طفلاً، أعدموا ميدانياً على يد قوات الاحتلال، من أصل أكثر من (215) شهيداً، سقطوا منذ اندلاع الهبة الجماهيرية الأخيرة، ونذكّر المجتمع الدولي، بأن الاحتلال يمارس هذا الإجرام، بحق أطفال فلسطين بقرار سياسي ممنهج ومدروس، حيث استهدف جنود الإحتلال الأجزاء العلوية من أجسام الأطفال، خلال الهبة، ونذكّر أيضاً بـ(400) طفل، منهم (16) طفلة، لا زالوا يقبعون في ظلام سجون الاحتلال، وجميعنا شهد ما حدث في محكمة الطفل أحمد مناصرة، ولذلك كله، توجهت دولة فلسطين إلى الشريحة الدولية، وحصانة القانون الدولي، وانضمت إلى المواثيق والمعاهدات الدولية، وخاصة ميثاق روما، المؤسس لمحكمة الجنايات الدولية، من أجل تأمين الحماية لأبناء شعبنا، وإنصاف ضحايانا، على الظلم التاريخي الذي لحق بنا عبر السنيين».

ولفت عريقات، إلى أن البحث عن العدالة الإنسانية وتحقيقها، وضمان عدم إفلات مجرمي الحرب الإسرائيليين من العقاب ومحاسبتهم على جرائمهم، وخروقاتهم، ضد الشعب الفلسطيني، هو واجب مقدس على كل واحد منا، مضيفاً: «لقد سلّمت دولة فلسطيين ثلاثة ملفات إلى المحكمة الجنائية الدولية، حول منظومة الاستيطان الاستعماري الإسرائيلي، والعدوان على فلسطين بما فيها العدوان الآثم على قطاع غزة في صيف العام (2014)، وملف الأسرى، وألحقتهما بمذكريتن حول حرق عالة دوابشة وإرهاب المستوطنين، والإعدامات الميدانية ونظام العقوبات الجماعية، ضد المدنيين الفلسطينيين، وستواصل القيادة الفلسطينية بكافة الفصائل المنضوية تحت منظمة التحرير الفلسطينية، كل المساعي الحثيثة، لملاحقة الاحتلال في المحافل الدولية، حتى إنهاء هذا الاحتلال، وتجسيد دولتنا الفلسطينية المستقلة، وعاصمتها القدس، وإيجاد حل لقضية اللاجئين الذين شُرّدوا قسراً من ديارهم، طبقاً للقرار الدولي الأممي (149) والإفراج عن جميع الأسرى».

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش