الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

احتلال الأرض أم احتلال العقل ..؟

د. هند أبو الشعر

الأربعاء 16 تموز / يوليو 2014.
عدد المقالات: 156


ما  يحدث في غزة الآن  لا ينتهي بقرارات أممية أو عربية ،  ولن نصدق أن  إسرائيل سترتدع وتتوقف عن العدوان على غزة بقرارات أمريكية أو غير أمريكية ،  فنحن نتعامل مع شعب تشرب الفكر الإقصائى في مناهجه المدرسية ، وتدرب على تطبيق حالة الإقصاء في المؤسسة العسكرية التي تدخل حياة كل  إسرائيلي  وإسرائيلية ، لن تتوقف هذه الدولة عن قضم الأرض وسرقة المياه ومحو ذاكرتنا العربية ، ما دام في مناهجها المدرسية  عرق ينبض .. وأقسى ما نواجهه ليس احتلال الأرض ، بل ما يمكن أن نطلق عليه احتلال العقل ، وتذويب الذاكرة ، وإحلال جغرافيا جديدة وفرض تاريخ  يخلو من العرب ويحل واقعا  يفرضه الفكر الصهيوني  ،ويهود القدس ويجعلها العاصمة الأبدية .
أقرأ الآن سجلات محاكم القدس الشرعية في القرن السادس عشر الميلادي ، وأغرق في عالم القدس المدهش ، مدينة تأسرك بكل تفاصيلها ،  وأكاد أحس برائحة القدس بأسواقها وبيوتها وصهاريج المياه ومرافقها اليومية ، وأستحضر الناس . .كل الناس الذين حملوا قضاياهم إلى المحكمة .. كانوا عربا وغير عرب ( الرومي والتركماني والكردى والفرنجي  والكرجي والآمدي ، وكان الشامي والمصري والبغدادي والسلطي والكركي والعجلوني والحسباني ، كلهم كانوا هنا ، وكان اليهود أيضا هنا ، كانوا من مكونات مجتمع القدس تماما مثل غيرهم ، ولم يكونوا صهاينة بعد ، كانوا من رعايا الدولة العثمانية ، وقد وجدت أن عدد اليهود في القدس عام 1042 للهجرة / 1632 م ( 60 نفرا ) وهم يشكلون طائفة اليهود في القدس الذين سجلت  دفاتر الجزية في دمشق أسماءهم وحاسبتهم عليها وتسلمها الموظف الرسمي من يد شيخ طائفة اليهود ..
هكذا نقرأ الحقائق التاريخية  من خلال سجلات الدولة آنذاك ، ودفع الضرائب وإحصاء الفئات أمر لا تتساهل فيه الدولة .. لذا فإن المعلومات دقيقة  ، بالأسماء والأعداد .. وهو ما يجب أن  نتعامل معه بموضوعية ، وبالمقابل ، فإن بشاعة الفكر الإقصائي الذي تلاحقنا فيه إسرائيل  يجعل المعركة الحقيقية إنسانية وحضارية ، فصورة العربي التي تقدمها مناهج إسرائيل مشوهة جدا ، وهو ما يتم غرسه في عقول الأجيال  في فلسطين المحتلة ، وهذه هي معركتنا الحقيقية معهم ، صحيح أن احتلال الأرض كارثة ، لكن ما يتبعها أبشع ، ويتمثل بمحو جغرافية وتاريخ الأرض ، ومحو ذاكرة المكان والناس جريمة  ، والأبشع من كل هذا أن يدرس العربي الفلسطيني الذي يعيش على أرض إسرائيل مناهج موضوعة بدهاء تقلب الحقائق التاريخية وتزور الجغرافيا .. فهل يوجد أكثر ظلما وقهرا من أن يدرس العربي في فلسطين تاريخه بمناهج  يضعها سارق  احتل الأرض واحتل العقل أيضا ..!
 ونقول يمكن استعادة الأرض بأساليب كثيرة عسكرية أو قانونية وسلمية ، لكن كيف يمكن استعادة الذاكرة ومحو ما  تزرعه مناهجهم في عقول الأجيال التي تربت عندهم سواء أكانت من أبناء اليهود أو العرب ..؟  فكيف نفك أسر العقل وأسر الأرض ..؟  لقد اقتنعنا دائما أن أخطر ما نواجهه هو كيفية التعامل مع التاريخ ، إنهم في إسرائيل يعرفون أنه أخطر من كل الأسلحة ،  فاستغلوا المناهج ليحتلوا عقول أجيال اليهود والعرب أيضا ،  إن صراعنا مع إسرائيل أعمق من غارات وطائرات ، إنه صراع عقول ومناهج دراسية أيضا ، وأي عقول ونحت في زمن زلزال العرب ..؟

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش