الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«الطبقة الوسطى »..جدلية الانكماش والاختفاء

تم نشره في الثلاثاء 17 حزيران / يونيو 2014. 03:00 مـساءً

كتب : فارس الحباشنة
السؤال عن أزمة «الطبقة الوسطى « ليس بالجديد، ولا يحتاج لاستدلال واسع للبرهنة على معاناتها وتضخم أزمتها، ولربما أن البعض صار يستخف حينما تطرح إشكالية أزمة « الطبقة الوسطى « للبحث والحوار الإعلامي والأكاديمي « التنظيري «، فالشواهد حاضرة وحيَّة تدلل على تقلص حجمها واتساعها وفاعلية حضورها.
والسؤال اليوم عن ذلك يبدو كأنك تغرد خارج «السرب «، وكأنك تجرؤ على تذكير الناس بألم مستفحل في حياتهم، حسرة على أيام، كان للطبقة الوسطى فيها وجود يترجم بالعيش الكريم واليسير والحضور العضوي الفاعل سياسيا واجتماعيا، عكس ما يجري اليوم، فضحايا هذه الطبقة التي تقلَّص وجودها، تكبر يوما بعد يوم مصائب عسر عيشهم، تعمي أبصارهم حقيقة ما أصاب حياتهم ومعيشتهم من ويلات اقتصادية، نقلتهم الى حيز الفقر والعوز.
في الدراسة الأخيرة التي أعدَّتها وزارة التخطيط والتعاون الدولي، فإن مؤشرات الأرقام الواردة بها على هذا النحو : انخفاض حجم الطبقة الوسطى في الأردن بنحو 11% من 41.1في 2008 ليصبح 29.31 في العام 2010، ما ينبئ بوضوح أن الطبقة الوسطى ذاهبة الى الزوال والاختفاء، والسؤال عنها يبدو كأنه واجب متجدد لتقييم معدل التقلص وانعدام الدور الوظيفي الاجتماعي والسياسي لهذه الطبقة.
البعض في ظل أكثر من مُعطى معيشي « اجتماعي واقتصادي « يسارع الى نعي الطبقة الوسطى، ويتساءل بمرارة المنطق: أين هي ؟ الناس بالكاد يلبون توفير أبسط حاجات ومتطلبات عيشهم « البيولوجي « اليومي، إلا أن ذلك لا يخفي وجود «طفرات» اقتصادية في المجتمع الأردني كشفت عن مظاهر عيش « مترفة وناعمة « لشرائح اجتماعية انتقلت معيشيا بحكم أكثر من عامل الى حيز الطبقة الوسطى استهلاكيا لا غير .
يعني ذلك، أنه قليل من البحث والتعقب يبدو مبشِّرا، فالطبقة الوسطى ما تزال موجودة لحد ما، يختلف في مجال قياسها اجتماعيا واقتصاديا ، ولكن يُجمع المعنيون على أن الروح تدب بها، وتضمحل وتتلاشى نسبيا، ولكنها تعود الى الحياة، ولها قدرة «طبقية « حركية على تغيير عامودها الفقري، واستبدال شرائح بأخرى داخل مكونها الاجتماعي «العددي «، فاليوم هناك شرائح اجتماعية واكبت التحول العالمي وانزرعت في أنماط علاقته الاقتصادية الجديدة « صناعة التكنولوجيا والانترنت والتجارة الالكترونية وشركات التأمين والبنوك «، وحافظت على التموضع في حيز « الطبقة الوسطى «.
لم تندثر أو تتلاشى الطبقة الوسطى، ولكن كثرة النعي قتلتها، ومع كل ذلك فإن ثمة مبررا للشعور بزوالها، وهو انطباع نابع من إحساس عام بتراجع مستوى المعيشة لنوعيتها، وكما أشارت اليه دراسة وزارة التخطيط، وكما يبدو أكثر فإن التفاوت الاجتماعي آخذ في الازدياد، صحيح أن الإحصاءات لا ترصد ذلك بشكل علمي وموضوعي دقيق، ولكن المؤشرات جميعا تؤدي الى ذلك الاعتقاد والجزم بصحة برهانه، فالتفاوت المناطقي والقطاعي والمهني خير دليل.
في الأدبيات السياسية لا تقيس نعمة الطبقى الوسطى على أساس الدخل، لأنه غير مقنع كثيرا، وبدا ذلك واضحا خلال ثورات الربيع العربي ومع تاريخية الحراك الاصلاحي في العالم العربي على سبيل المثال، حيث أن الطبقة الوسطى هي اللاعب والشريك بصناعة التحولات والتغييرات الكبرى، ويقصد بها هنا فئة المعلِّمين والمحامين والصحافيين والمهندسين والأطباء وأساتذة الجامعات.
هؤلاء، هم عماد الطبقة الوسطى التي تحمل طابع الاصلاح السياسي والاجتماعي والنضال لتحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، لذا فإن نعمة الطبقة الوسطى في فقه أهل السياسة والرأي يقاس بمستواها الثقافي.ربما، أنه يصعب تحديد تعريف موحد وجامع للطبقة الوسطى، إلا أن كل المختصين يتقاطعون في مبدأ رفاهية العيش، وتنعى ببساطة القدرة على توفير نفقات التعليم والصحة والسكن ولو سفرة واحدة خلال العام على سبيل المثال نظريا.ضحايا الطبقة الوسطى ينعنون أنفسهم دون وسطاء،الحنين الى أيام زمان حديث كاف للبكاء على الأطلال، تعزية على ما وصلت اليه الأمور المعيشية اليوم، من حالفهم الحظ في زمن الانتماء للطبقة الوسطى ثقافيا ومعيشيا وماليا، يندبون اليوم حسرة على تغيير شرور الأحوال وتغييرها، تسألهم اليوم عن الطبقة الوسطى فيقولون» أين هي ؟! ألم يعلنوا وفاتها ؟!

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش