الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

على ورق أصفر

تم نشره في الخميس 22 كانون الأول / ديسمبر 2016. 08:11 مـساءً - آخر تعديل في الخميس 22 كانون الأول / ديسمبر 2016. 10:12 مـساءً
(نصوص)

ناصر الريماوي *

اليد الأخرى لجبرا
كنتُ لا أزال في قعر البئر، البئر الأولى.
استدرجني إلى حافتها «جبرا» ذات ميلاد عاصف
في بيت لحم، تركني أصغي لوقع أجراس الكنائس في العتمة، حتى سقطت. كنت أراه وهو يطل من فوق التلال الخضراء الكثيفة، ويرسل بصره متشفيا بنشوة البحث نحو البحيرات والسهول الشاسعة، المترامية فوق جنة الدنيا في ربوع الريف الانجليزي، مأخوذا بالتداعيات نحو قصائد «وليم وردرورث» ولا يأبه للبئر.
انتشلني، فوجدت نفسي تحت شجرة كاليبتوس ظليلة كانت تحدق بنا عند الطرف المقابل لشارع الأميرات في حي المنصور، ببغداد.
رأيت «جبرا» يومها يخف السير نحو مضمار الخيول الفسيح، يطل على بغداد الجديدة من هناك، ويفكر، ربما كان يفكر في قصة أو رواية، وكان يقف بغليونه المتأجج بالتبغ على بعد خطوات مني، ظل يرنو حتى أوشك أن يغفو، ناديته، لم يجب، كان لا يراني. صحت بأنني ما زلت في قعر البئر، بئر سيرته الأولى . انتشلتني يد أخرى لم تكن لجبرا، وكان كل شيء قد تضاءل أو تبدل، تغير كل شيء مع الوقت، بين قعر البئر الذي لم يعد بمقدار قعر غليون «جبرا»، ورحابة الدنيا.
حتى جبرا نفسه.. كان قد تغير.

جارة الوادي
سيرة اللوز، التي تحكي عن انتظارات موسمية، حزينة.
عن أيلول، وفصل البيات، عن مواسم الراحلين من كل عام.
عن كل الذين لا يرجعون رغم الوعود الكثيرة في حضرة الصيف والسهر، ونشيد القهوة الصباحي.
في الصباحات الغائمة بالرماد، فوق البرندات وأسطح البيوت الفارغة، يشرع اللوز بسرد حكاياه على مسامع الريح. يحكي للأثير عن أسطورة انتظار فينيقية، عتيقة ومماثلة، لجارة كان لها مقعدها الأثير، وسط مفترق يطلّ على واد سحيق، تسده المواسم بالجهات.
يحكي كيف كانت تزورها العصافير، وباكورة الرذاذ الندي في سحائب المطر الأول، من كل خريف.
لم يحدث وأن غادرته الجارة، أو التقت بغائب منتظر، لم يعرف أحد ولا حتى اللوز عن سر انتظاراتها الطويلة، رغم أنها علقتها على حبال الريح للعابرين.
هل كانت تنتظر  غيما، أو سماء أخرى غير التي يعرفها الناس، هل كان طيفا أو طيرا، ربما لا شيء، ربما لا أحد؟
فقط كانت تجلس وتنتظر كأرزة معمرة،
وكان حين يعتريها الشوق يصيبها الشجن ويعنّ على قلبها النشيد والغناء، تشير للتلال من حولها، كي تصغي لها.
ثم تشرع جارة الوادي تدندن بترويدة عتيقة، يقال بأنها هدية الريح، لكل العابرين، وفقا لسيرة اللوز في الأسطورة:
«ضحك اللوز وخلص اللوز وحبيبي ما لفي
ولع الصيف ودبل الصيف، وحبيبي ما لفي حبيبي.. حبيبي»

ثرثرات الحديقة العامة
هذا المساء..
لا أحد منا سوف يستدير بسيارته عن طيب خاطر ليلقى الطريق الدائري بمزاجها الملتف حول المخارج ويطالع اللافتات المعتمة في حذر. أو يقف ليلعن الاشارة المزدوجة قبل انعطافة الشارع الفرعي وهي تخترق الزجاج الأمامي وتنظر الينا بنصف عين. تتشفى بنا وهي تسند لونها الأحمر على كتف الشرطي العابس، وتشير نحو «كاميرات» المرور المروعة، المزروعة أمامنا، بتوعد علني.
هذا المساء..
سوف تغتابنا الحديقة في ثرثراتها، وهي تبوح للمساء بوَلَه النميمة في الكلام، وسوف تشرع على الفور في احتلال المساحات التي كانت لنا. ستحث الرصيف أيضا على التخلي عن فضيلة الحذر في انتقاء مرتاديه أمام تشتت أقدامنا العابثة،
هو لن يذكرنا بخير على أي حال، كعادته.

اشارة المرور الوحيدة
إشارة المرور الوحيدة، الملقاة على طرف الطريق، كسلعة منتهية الصلاحية.. أحب ألوانها وهي تشير  في حذر، إلى النفق، وتحث المشاة على الاسراع بالعبور فوق الرصيف المجاور. وحين تتعب من وقوفنا تبتسم للتلة، ولنا، بلا ضغينة.
أكره ذلك النفق، مثلما تكرهه الاشارة، تماما، فهو يغتصب الضوء في عز الظهيرة كل يوم ولا يأبه للمشاة، وكلنا يعلم بهذا.
الجبل الودود الذي يطل نحونا، ويرى كل شيء، تحبه الشمس.
يكنس عن قمته الضوء في سخاء، نحو أرصفة الطريق وعتمة النفق، ويحتفظ لنفسه بالغبار الخماسيني الأسود، والرماد.
تلك السمرة البادية عليه، عند السفح المطل، من صنع يديه. ولا شأن للإشارة اليتيمة عند مفترق الطريق، وهي تنتصب وحيدة، وتقف على بُعد مسافة واحدة، منّا نحن، وذلك والجبل وحتى نهاية النفق المعتم.

نافذة فرعية
فيض الظلال الذي ينبثق عن هالة الأفق،
يرتجل ألوانا غريبة، تصيب البرندات الصغيرة بالفزع.
يحتل عاكسات الشوارع أولا وهو يداهم المدينة عن عمد.
النافذة الفرعية، هذه، أعياها الرمد، رأيتها قبل هذا الوقت ترصد آخر خيط مزيف للضوء وهو يزحف نحوها،
كان مهزوما ويبحث عن مأوى..!

* قاص من الأردن مقيم بالسعودية
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش