الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

تجريم الأنثى بأنوثتها قراءة في رواية «القُمحية» لنوال قصّار

تم نشره في الخميس 22 كانون الأول / ديسمبر 2016. 10:05 مـساءً
د. ديانا رحيّل *

« القُمحيّة» رواية للكاتبة نوال قصّار، صادرة عن دار فضاءات، والقمحية بلدة تمثل نموذجا لما تعيشه المجتمعات العربية كافة، وجاءت الرواية أنموذجا حيًّا عن معاناة الفتاة، إذ تتناول قضية الشرف السائدة في بلدة (القمحية) ومحيط أسرها، والأنثى هي الضحية والجاني يفلت من العقاب في عالم الذكورة المسيطر.
إنّ معالجة قضية المرأة روائيًّا تتجه الى طرح المسألة من زاوية اجتماعية تتعلق بحرية الاختيار والتصرف في شؤونها الخاصة، وامتلاكها لقرارها في التعلم والحب والزواج والعمل، وان يُعترف لها بهويتها الخاصة وكينونتها التي تجعلها إنسانًا حرًّا قادرًا على الاختيار، ولا تظل دمية يتصرف فيها الرجل كيفما يشاء، وقد أخذت المعالجة هذه شكل الاحتجاج على واقع سيطرة الرجل المطلقة، وإدانة بعض أوجه التصرف التي يتصرفها حيال المرأة التي تطمس هويتها وتغفل مشاعرها الإنسانية.

أما نوال قصّار في «القمحية» وفي معالجتها لمشكلة الاغتصاب وتزويج البطلة (عليا) من مغتصبها (سلمان)، سعت الى التمرد على المؤسسة الاجتماعية، وخرق المحظورات كافة، من خلال المطالبة بإلغاء المادة (308) من قانون العقوبات الأردني التي جعلتها الكاتبة كلمة الغلاف للرواية، «يعفى مغتصب الأنثى من العقوبة في حال زواجه من ضحيته».
وكأن المجتمع  يجرّم الأنثى لمجرد أنها أنثى، ويمارس عليها كل أنواع الظلم والكبت، ولم يأخذ بعين الاعتبار أن الجاني اعتدى على الانسانية فيها، بل يقف الى جانبه ليخرجه من أزمته، وكأنه يكافئه، على حسابها أيضا، فالمشرّع يحمي الجاني، ولم يلجأ لحماية الفتاة كتعويض بسيط عما تعرّضت له، والذي سيبقى محفورا في ذاكرتها وجسدها الى آخر عمرها.
فالمجتمع مدان بفرض الزواج على الضحية من مغتصبها، دون أن يحق لها الرفض، بصفته الحل الوحيد لخروج الجاني من السجن بعد اعترافه بجرمه، ولأنه ينتزع آدمية المرأة باسم هذا الزواج، ويبيح للجاني اغتصابها كل يوم نفسيا وجسديا.
الموت والاستلاب الانثوي
تواجه (عليا) مصيرا سوداويا بعد أن قتل (سلمان) فيها الأحلام والطموحات، وقتل حقها في الاختيار، وقتل طفولتها، وجدت نفسها تخضع له مجبرة، والقبول بالقوانين التي تمنح السيطرة له، بكل ما ترتب على هذا الزواج من كبت للمشاعر، وإجهاض للحياة الهانئة. فهي تمثل نموذجا للمرأة المحرومة من أبسط حقوقها، فلا أحد من عائلتها يعبأ بما تعانيه من حرمان.
«... تحول هجوم أهل سلمان على عليا ووالدتها الى محاولة لاستدراك الموقف حين اقرّ سلمان بما فعل حتى لا يبقى ابنهم في السجن. قام الوجهاء من الحارة ومن كبار السن في العائلة بالتوجه الى بيت والدة عليا فور خروج الجميع من المحكمة لطلب يد الفتاة وتزويجها لسلمان، قالت لهم الام ان سن الفتاة لا يسمح لها بالزواج الا بعد شهرين، ال حين ان تتم سن الخامسة عشرة من عمرها.
وهكذا دخلت عليا الى دار الرعاية تحت الحماية الى ان تتم السن القانونية للزواج فيما قام أهل سلمان بالاجراءات الاخرى لوقف تنفيذ العقوبة بسجنه او ربما بإعدامه».
بقيت البطلة حتى وفاة زوجها خاضعة مستكينة، لم تحاول التمرد أو الثورة، رغم الضغوط وقساوة الناس، وقد لمست الكاتبة برهافة حسّها الروائي وقدرتها على استجلاء نفسية المرأة معاناة البطلة بتقوقعها حول نفسها مستلبة الحقوق والأحلام، وتوقها لانعتاق الجسد من أسر السلطة الذكورية.
«كانت عليا تود لو أنها تعبر عن رأيها في هكذا حل بتزويجها من الرجل الذي كانت ضحيته ليتم وقف العقوبة التي يمكن ان تكون حكما بالأشغال الشاقة المؤقتة او الاعدام: كيف يمكنها ان تتزوج من مجرم حقيقي في واقع الامر؟ انها تكرهه كرها شديدا، ألا يمكنها ان تعترض على هذا الزواج؟».
الجسد الانثوي والانسلاخ عن ذاته
الجسد كما يراه المجتمع يرتبط بالفتنة وبالشرف، فالاستلاب الجنسي الذي تعرضت له البطلة، هو بمثابة نتيجة منطقية لوضعية القهر المسلّط على المرأة والمجسّد في النظرة الذكورية تجاهها، « وقفت هناك في الزاوية خائفة متردة لا تجرؤ على على الصراخ وهم يكمم فمها قائلا: انه سوف يقتلها في الحال بأي ذريعة تتعلق بالحفاظ على شرف العائلة «.
فهناك اختزال للمرأة الى حدود جسدها، واختزال لهذا الجسد الى بعده الجنسي، وكأنها وعاء للمتعة، « آثر الانعزال واقصاء عليا من حياته بأقصى ما يستطيع، فيما عدا حق فراش الزوجية الذي لم يستطع ان يمنع نفسه من أخذه بالقوة أحيانا وهو يرى جمال زوجته يتفتح يوما بعد يوم».
الانعتاق واسترداد الذات
لامست الكاتبة تاريخ المرأة الذاتي الفردي، والموضوعي الجمعي، إذ تتوق البطلة للتخلص منه والتحرر، لذا لجأت الى التعليم، في إشارة دالة على أهميته ومركزيته في حياتها لصناعة هويتها.
نجدها تهرب من أناها الاجتماعية لكي تطلق حرية أناها الداخلية المكبوتة والمقموعة، « أما عليا في انتظار ما يمكن انتظاره وملل الجلوس دون تفاعل مع المجتمع المحيط بها بدأت تتسلح بكل ما يمكن أن يقع بين يديها من قراءة الكتب، ومشاهدة برامج تلفزيونية متنوعة او الاستماع الى الراديو، كانت تفعل ذلك دون قصد في واقع الامر، وكأنه جاء هكذا بالفطرة ودون تصميم، كانت تحفظ كل شيء تقرأه او تشاهده او تسمعه».
الزمن وتراكمات الاستلاب
المرأة في القمحية كيان مستلب تنعكس فيه إمارات الاستلاب والانسلاخ عن المكان والزمان اللذين وقفا ضدها، فالزمان عدوها الأول الذي يحكم قبضته عليها فيداهمها مساء بثقله، وصباحا بسوداويته.
والمكان ممثل بالقرية «القمحية» هامد بلا حياة عدا العمل، والناس تمثلت فيهم سمات المصادرة والتهميش، وهذا ما أشعرها باستلاب نفسها واضمحلال آمالها وأحلامها، بإجبارها على العيش مع مغتصبها، الذي انتهك كياناها الأنثوي عبر الجسد، مما تسبب بإحساسها بالضياع والتيه، فكثرت تساؤلاتها إزاء الواقع، وتمادت في رؤاها السوداوية تجاهه.
فالزمن في الرواية غير خطي، حيث يتداخل الماضي والحاضر والمستقبل لتكوين رؤية مشوشة لدى الشخصيات بما يمرّون به، كل شيء متصل، تراكمات من الأحداث تتداخل مع بعضها كاشفة عن عقلية الشخصيات، فأصوات الماضي والحاضر ترسم الحدث (الآن) والحدث (هناك) لتكثّفه، فتنسل العبارات متلاحقة لتربط الواقع بالمتخيل الظاهري الانطولوجي، الواقع مختلف عما تراه الشخصيات، (عليا) وأولادها (فاروق) و(عادل)، لكل منهم واقعه المتفرد، ذو اللغة التي تميزه، تداخل الخطابات يقدم الحدث بوجهات نظر مختلفة تحمل اتجاهات اصحابها.
في الرواية يتناسل الحدث تحت مناخات سردية متنامية متوترة، تستدير في نهايتها لتضي سطورها الأخيرة التراجيديا، تعمّق الشروخ في راهن مكتظ بالاغتراب.
ويبرز الموت كثيمة رئيسية في القمحية بمستويين: الاول موت جسدي للزوج والابن، والثاني موت معنوي الذي لفح البطلة التي وقعت ضحية الاغتصاب ثم الزواج من مغتصبها، ثم مجتمع اذعن في الظلم.
مثلت البطلة نموذجا للمراة المنكوبة بجسدها الأنثوي، وليس لها الحق أن ترسم لنفسها دورها في هذه الحياة، لأن الآخر صادر هذا الحق، وأخضعها الى سيطرته ذليلة تابعة، محكوم عليها بالموت معنويا، ووأد فيها الحياة بقصدية التهميش.
فهذا المقت والتهميش ما هو الا انعكاس لثقافة فحولية تاريخية اتخذ منها المجتمع الذكوري حكمه القسري التعسفي بمقت الأنثى وازدرائها وتكتيم صوتها ووأدها حية في مكانها، وهذا ما عطل فاعلية جسدها لتكون له كيانا تابعا وموضوعا مستلبا وذاتا مقهورة، وقد تبلورت الثقافة الذكورية الآن بإعفاء مغتصب الأنثى من العقاب إذا تزوجها، في تعدٍّ صارخ على قيم الإنسانية.
فالرواية متأثرة بوهج المطالبات بإلغاء المادة (308) من قانون العقوبات بتزويج الضحية من مغتصبها، ومتأثرة بالمناداة بالحد من جرائم الشرف عبر ادانة الجريمة، والمطالبة باتخاذ موقف حازم تجاه الجاني.

* ناقدة من الأردن
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش