الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة في كتاب: «الأردن في الوثائق السرية البريطانية من (1953 – 1957)»

تم نشره في الخميس 22 كانون الأول / ديسمبر 2016. 10:04 مـساءً
نضال القاسم *

عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر صدر كتاب «الأردن في الوثائق السرية البريطاينة: 1953 – 1957/ السنوات الخمس الأولى من عهد الملك حسين»، يقع الكتاب في ثلاثة وعشرين فصلاً؛ الفصل الأول يتناول: تتويج الحسين واعتداءات إسرائيل، والفصل الثاني: خطة بريطانية لغزو إسرائيل.

ويناقش الفصل الثالث خوف بريطانيا من التيار الوطني، في حين يسلط الفصل الرابع الضوء على الضغوط للصلح وحل مشكلة اللاجئين، والفصل الخامس: أبو الهدى  يهندس ، الانتخابات، والفصل السادس: أبو الهدى يطلب تعديل المعاهدة، والفصل السابع: خوف من عدوان كبير على الأردن. والفصل الثامن: مدٌ ضد الانضمام إلى حلف بغداد، والفصل التاسع: الملك الحسين يضعف مركز غلوب، والفصل العاشر: غلوب والحلف والدعاية المصرية. وفي الفصل الحادي عشر: المفتي يتروى وتمبلر يضغط ويستعجل، الفصل الثاني عشر: المجالي بعد المفتي، الفصل الثالث عشر: حكومات قصيرة العمر. الفصل الرابع عشر: الملك يأمر بترحيل غلوب. الفصل الخامس عشر: بريطانيا تعيد تقييم مركزها في الأردن. الفصل السادس عشر:  نمو القومية العربية يهدد مصالحنا. الفصل السابع عشر: تشكيل حكومة النابلسي...والعدوان الثلاثي. الفصل الثامن عشر: نفوذ بريطانيٌ آفل وأميركيٌ مقبل. الفصل التاسع عشر: بدء المفاوضات على إنهاء المعاهدة. الفصل العشرون: الملك يطلب استقالة النابلسي. الفصل الواحد والعشرون: الملك الحسين يحسم الموقف. الفصل الثاني والعشرون: اشتداد الدعاية ومخاوف من اغتيالات. الفصل الثالث والعشرون: من حكومة النابلسي إلى الأحكام العرفية. ويختتم المؤلف كتابه بملحق الصور والوثائق والذي يقع في أحد عشر صفحة بالإضافة إلى هوامش الكتاب والتي تقع في تسعة وعشرين صفحة.
أما مؤلف الكتاب فهو الأستاذ ماهر عثمان،الكاتب والصحفي والإذاعي والتلفزيوني والمحلل السياسي والباحث والمترجم الذي بدأ حياته الإعلامية في إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية محرراً للأخبار (1962- 1964)، ومن ثم التحق في عام 1966 للعمل بالقسم العربي في (هيئة الاذاعة البريطانية) متفرغاً ثم مشاركاً منتظماً في تقديم وإخراج برامج عديدة خصوصاً برامج شؤون الساعة، وهو يقيم في لندن منذ عام 1966.
وقد عمل  المؤلف في الصحافة الاليكترونية والصحافة المكتوبة في كل من (الشرق الأوسط) و(الحياة)، وكتب لـ (الحوادث) و(القبس) و(الغارديان)، وكان رئيساً لتحرير الموقع الإليكتروني لـ(القدس) المقدسية من بداية 2008 إلى 2014) وغطى عدداً كبيراً من المؤتمرات السياسية الدولية والعربية، وعمل مدرباً للصحافيين والإذاعيين الناشئين).
ويمثل كتاب  الأردن في الوثائق السرية البريطاينة: 1953– 1957/ السنوات الخمس الأولى من عهد الملك حسين ، إصداراً سياسياً جديداً عن موضوع مهم، إذ يتطرق فيه الكاتب إلى أبرز الأحداث السياسية في الأردن والمنطقة خلال هذه الفترة الممتدة منذ تولي الراحل الملك حسين عرش الأردن وهو في الثامنة عشرة من عمره، حتى نهاية عام 1957، طبقاً للوثائق البريطانية، ويقول عثمان، إنه عندما عاد إلى مقر الأرشيف القومي البريطاني، وجد أن وثائق مهمة جديدة كثيرة لم تكن متاحة في أوائل ثمانينيات القرن العشرين قد صارت مكشوفة متاحة للباحثين، بعد إزالة ستار السرية عنها، مشيراً إلى أن حجم المقالات القديمة لن يشكل سوى نحو ثلث الكتاب عن فترة السنوات الخمس الأولى من عهد الملك حسين، وأن الوثائق الجديدة ستشكل حوالي الثلثين الجديدين.
وتحت عنوان  كيف يقرأ هذا الكتاب ، يقول عثمان إن هناك فقرات أو سطوراً مطموسة في صور الوثائق الأصلية:  عثرت في 2015- 2016، في ملفات الأرشيف القومي البريطاني المتعلقة بالأردن، على وثائق كشف عنها غطاء السرية بعد خمسين عاماً، وليس ثلاثين عاماً من تاريخ الأحداث التي يتضمنها هذا الكتاب، لأن القيمين على أسرار الدولة البريطانية رأوا أنها تتضمن معلومات حساسة أو ماسة بنواح أمنية أو قد تعد مسيئة لشخصيات كانت ما تزال على قيد الحياة أو لأسباب هم أدرى بها، ورغم تأجيل الكشف عنها لمدة أكثر من  الـثلاثين عاماً المعتادة، فإن نسخ هذه الوثائق فيها فقرات وسطور مطموسة بالحبر الأسود .
ويقدم هذا الكتاب مساهمة كبيرة في تسجيل تاريخ الأردن السياسي لفترة كانت حافلة بالتحديات والأحداث الساخنة والنضال القومي والآمال والتطلعات نحو غد عربي أفضل. ويبدأ هذا الكتاب من سنة 1953 التي تولى فيها جلالة الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه عرش الأردن، وينتهي مع نهاية سنة 1957، وهي فترة سنوات خمس حافلة بالأحداث الخطيرة، وهي كما يصفها المؤلف (كلقطات في فيلم سريع الحركة).
لقد كانت تلك الفترة، عصيبة مضطربة في تاريخ المنطقة، وكان الأردن بقيادة الملك الشاب الحسين  بن طلال يعمل جاهداً على الاستقرار، مجابهاً جميع التحديات المختلفة والأحداث المتلاحقة، من أجل الحفاظ على كيانه في أحلك وأصعب الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتي كادت تودي بهذا البلد، لولا الحكمة والحنكة السياسية المبكرة، التي اتصف بها جلالة الملك الحسين، القائد الفذ الشجاع الواثق من نفسه، المؤمن بوطنه وشعبه وعقيدته، والذي أدرك ببعد نظره كيف يدفع الأخطار عن بلده، وكيف يجنبه الزلل والسقوط في الهاوية.
ولعل أهم مزايا الوثائق المعروضة في هذا الكتاب، كما يرى المؤلف، عدا عمّا فيها من معلومات وتحليلات، أنها تبث دفء الحياة في (شخصيات الرواية)، أي أولئك القياديين الذين وجهوا دفة الحكم في الأردن في تلك الفترة وتستنطقهم وترينا صفاتهم، وتصف لنا مواقفهم، وتقتبس أقولهم، وتكاد أن تسمعنا أصواتهم، علماً أنهم فارقوا الحياة منذ سنوات ولم يبق منهم إلا النَفَرُ القليل. ومنهم على سبيل المثال لا الحصر (توفيق أبو الهدى وإبراهيم باشا هاشم والدكتور فوزي الملقي وسمير باشا الرفاعي وسعيد باشا المفتي وهزاع المجالي وسليمان باشا النابلسي والدكتور مصطفى خليفة وشفيق ارشيدات وسليمان عبد الرزاق طوقان والدكتور حسين فخري الخالدي واللواء الركن علي أبو نوار واللواء علي الحياري وعبد الله التل ورئيس هيئة أركان القوات البريطانية الجنرال جيرالد تمبلر والجنرال غلوب باشا
ويتضمن الكتاب اقتباسات عن مئات الوثائق الحكومية والدبلوماسية البريطانية المتعلقة بشؤون الأردن والتي كتبها سفراء ودبلوماسيون ووزراء بريطانيون على مدى خمسة أعوام هي 1953، 1954، 1955، 1956 و1957، وهي الأعوام الخمسة الأولى من عهد جلالة الملك حسين بن طلال، ملك المملكة الأردنية الهاشمية، طيب الله ثراه. ويشتمل الكتاب بالإضافة إلى الوثائق على المقدمات والتحليلات والتوضيحات التي وضعها المؤلف لهذه الوثائق ولظروفها التاريخية التي كُتبت بها.
ويوضح عثمان أن الوثائق التي تشكل المصدر الأساسي للمعلومات والآراء الواردة في هذا الكتاب كانت  مراسلات سرية لثلاثين سنة بعد كتابتها، وهي المدة المعتادة لإبقائها طي الكتمان ، وهناك وثائق أخرى بقيت مكتومة لخمسين سنة؛ لأن المسؤولين البريطانيين رأوا أنها تتضمن أسرارا ينبغي إرجاء الكشف عنها لمدة أطول وتشكل الفئة الأخيرة من الوثائق نحو ثلثي صفحات هذا الكتاب الذي سردت فيه الأحداث حسب تسلسلها الزمني.
وقصة السنوات الخمس تلك، والتي كانت حافلة بالأحداث المثيرة، قد روِيت في هذا الكتاب بكفاءة علمية حصيفة، مقرونة بقدرة عالية على وصف الأحداث، وتتضمن التقارير والبرقيات التي أرسلها السفراء البريطانيون المتعاقبون لدى الأردن في تلك السنوات إلى حكومتهم، نقلاً أميناً للمعلومات والآراء التي كانوا يستمدونها من لقاءاتهم ونقاشاتهم وحواراتهم مع كبار المسؤولين الأردنيين، بدءاً من الملك حسين مروراً برؤساء الحكومات المتعاقبة، وكذلك من أحاديثهم مع وزراء وشخصيات أخرى بارزة في البلاد.
أما السفراء البريطانيون الثلاثة لدى الأردن في فترة هذا الكتاب فهم: جيفري فيرلونغ الذي نُقل من عمان في نهاية نيسان (إبريل) 1954، ثم تشارلز ديوك الذي وصل إلى العاصمة الأردنية في 13 أيار (مايو) 1954 وبعده السير تشارلز جونستون (1956– 1960). وقد لعب هؤلاء السفراء أدواراً هامة كأدوات ذات فعالية، لكي يتحقق من خلال ذلك النفوذ البريطاني في شرق الأردن.
وقد اعتبرت بريطانيا، في خمسينيات القرن الماضي، ظاهرتي النفوذ السوفييتي ونمو القومية العربية، تهديداً لنفوذها في المنطقة. ومن هذا المنطلق فقد كان الأردن بلداً مهماً جداً لبريطانيا، كونه الوحيد المرتبط معها بمعاهدة تحالف ولها فيه نفوذ كبير، من خلال المعونة التي كانت تقدمها للجيش العربي، وعن طريق الضباط  البريطانيين الذين كانوا قادة الجيش الفعليين، بالإضافة إلى قاعدتين جويتين لسلاح الجو الملكي البريطاني في عمّان والمفرق وقوة دبابات في العقبة. وهكذا أصبح الأردن في تلك الفترة بؤرة تنافس شديد بين الشرق والغرب وبين الدول العربية المتحررة والغرب.
وقد واجه جلالة الملك الحسين بن طلال، عليه رحمه الله تعالى، في السنوات الخمس الأولى من حكمه ظروفاً عصيبة ومواقف تطلبت قرارات مدروسة وحاسمة وشجاعة في تنفيذها، وقد كانت مواجهة تلك الأمور كلها عبئاً ثقيلاً، لكن جلالته قد نجح في مواجهة تلك الظروف، وقد أثبت حنكته ونضجه وسداد رأيه وحزمه وشجاعته في معالجتها وهو دون الثالثة والعشرين من عمره، وفي هذه الظروف الصعبة تعين على جلالة الملك الحسين رحمه الله تعالى أن يبذل في السنوات المبكرة من عهده، وسط تلك الظروف الشائكة الحافلة بالأخطار والتوتر، جهوداً مضاعفة ساعدته في إتقان أساليب إدارة دفة الحكم، والإمساك بزمام السلطة وتوطيد أركان الدولة، وتوجيه السياسات الداخلية والخارجية بما يخدم مصالح شعبه وبلده من دون تفريط باستقلال القرار.
وتبين الوثائق السريّة التي يتضمنها هذا الكتاب أن الملك حسين كان يتمتع بثقافة عصرية واسعة، وإدراك عميق لمشاكل بلده وأمته، وبأنه كان ذكياً فطناً ولمّاحاً، سريع الحركة، قوي الإرادة، جسورٌ، مبتكرٌ، يقظٌ في المجالين التكتيكي والاستراتيجي، كان يعرف هدفه ويحدده ويحافظ عليه، وكان يدرك بعمق قيمة الحرب النفسية وأثرها في الميدان، وهذه الصفات وغيرها هي التي جعلت منه قائداً بارزاً، ومن هنا كانت خططه وآراؤه لعلاج المشاكل التي واجهها ترتكز على قاعدة ذلك التفكير الصافي والإدراك العميق، وقد نجح جلالته في أن يكون منذ بدايات حكمه ممثلاً لصوت التعقل والاعتدال بين العرب،  وكان واحداً من أولئك الرجال القلائل، الذين يتميزون بحدة النظر، ووضوح الرؤية، وصفاء التفكير، وكان مقتنعاً منذ ارتقائه العرش بضرورة ترسيخ النظام الديموقراطي، وعلى هذ الأساس تفاهم مع الدكتور فوزي الملقي، أول رئيس وزراء تسلم الحكم بتكليف منه، على إطلاق الحريات وإطلاق السجناء السياسيين، والسماح بتشكيل أحزاب سياسية وتعزيز الحياة البرلمانية، وقد بذل جلالته في السنوات الخمس الأولى من حكمه جهوداً لتحقيق إصلاحات دستورية، وكان مؤمناً بضرورة التشاور والاستئناس بمشورات من يثق بحكمتهم وخبراتهم، ولكنه كان صاحب القرار في نهاية الأمر، وكان يتخذ قراراته بناءً على رؤيته للصورة الكبيرة لمصالح الأردن وشعبه، وبحذرٍ شديد، ومهارة فائقة، نجح جلالته في أن يحافظ في تلك الفترة الحرجة الملتهبة على بقاء بلده آمناً، مستقلاً ومتماسكاً، تحت قيادته، وكانت طموحاته أعلى بكثير من إمكانات الأردن وموارده.
لقد كان جلالة الملك الحسين على وعي وإدراك عميق لحجم التحديّات والصعاب التي سيواجهها في جهات متعاكسة، ولا شك أن جلالته قد خلّف وراءه تركةً كبيرةً من الأفكار، والآراء، إلى جانب ما غذّى به رجال السياسة في زمانه من هذه الآراء والأفكار، ومن الملفت حقاً أن الملك حسين قد سبق رؤساء حكوماته في تلك الفترة في قراءة تغير موازين القوى العالمية والإقليمية، وعمل على تكييف سياسات الأردن وفقاً لها بما يضمن مصالح بلاده، ولعل أسطع مثال على ذلك أنه سعى إلى إنهاء المعاهدة الأردنية – البريطانية، في الوقت الذي بدأ فيه ظهور انحسار نفوذ الامبراطورية البريطانية وتراجع الاستعمار الأوروبي القديم، وبدء امتداد نفوذ الولايات المتحدة الأميركية في أنحاء كثيرة من العالم، بما في ذلك الشرق الأوسط. وكما يقول المؤلف (فقد كان من الممكن أن ينوء أيّ قائد متمرّس في الحكم لسنوات طويلة بحمل أعباء التحدّيات الّتي وادجهت الأردنّ في تلك الفترة التي استطاع فيها الملك حسين إنهاء المعاهدة مع بريطانيا، وتعريب الجيش الأردنيّ، وطرد الجنرال غلوب من منصب قائد الجيش، والتصدّي لمؤامرات داخليّة وخارجيّة، واللعب بمهارة في ساحات سياسيّة إقليمية ودوليّة أشبه بحقول ألغام).
رحم  الله الحسين الباني، الذي ترك لنا هذا الإرث العظيم الذي نعتز به ونفخر، وغفر له وجزاه الجزاء الأوفى بما قدمّ لأمته ووطنه، فقد كان قائداً ممتازاً، ذو أعصاب فولاذية، لا يبطره الفوز، ولا يهزه تحرج الموقف، شديد الثقة بربه ونفسه وعمله وكفاءة معاونيه وجنده، مقداماً، فإذا تولى مسؤولية منح نفسه أوسع الصفات لإنفاذها، وإذا ولاَّها أحداً من معاونيه، منحه أيضاً أوسع السلطات للتنفيذ.
وأود في الختام أن أشكر الأستاذ ماهر عثمان، على هذا الجهد الموسوعي الذي أغنى به المكتبة العربية، وإني لأرجو  أن يتقبل قراء العربية هذا الكتاب قبولاً علمياً وواقعياً، ويفيدوا من تجاربنا الماضية مع الغرب ومع الشرق على السواء، آملاً أن يجدوا في هذا الجهد التوثيقي الكبير صورةً مشرقةً لمرحلة مصيرية وهامة من مراحل تاريخ الأردن الحديث تحت القيادة الهاشمية الشجاعة والمحنكة.

* ناقد وشاعر من الأردن
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش