الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لنعترف بالنكبة لنعد الى أنفسنا

تم نشره في الثلاثاء 20 أيار / مايو 2014. 03:00 مـساءً

] ديمتري تشومسكي
يدعي البروفيسور شلومو أفنري بان الدعوة التي وردت في افتتاحية «هآرتس 5-5» للاعتراف بالنكبة كالمصيبة الوطنية للشعب الفلسطيني تتجاهل حقائق لا جدال فيها، وهي بالتالي عليلة من الجانب الاخلاقي. الحقائق التاريخية التي تم تجاهلها وأثارت حفيظة البروفيسور أفنري هي رفض القيادة الفلسطينية والدول العربية قرار الامم المتحدة في 29 تشرين الثاني 1947 بتقسيم بلاد اسرائيل الى دولة يهودية ودولة عربية، والمقاومة المسلحة لتنفيذ هذا القرار، والهزيمة التي تكبدوها في الحرب التي شنوها ضد الحاضرة الصهيونية ودولة اسرائيل. كل هذا ادى، حسب أفنري الى «ما يسمى النكبة»، والذي ليس بالتالي باي حال مثابة «مصيبة»، بل كانت نتيجة مأساوية للحسم السياسي الفلسطيني في المنع بعدوانية اقامة دولة يهودية في قسم من «اسرائيل الانتدابية».
المشكلة هي أن أفنري اختار عرضها من خارج سياقها التاريخي الكامل، مما يجعل من الصعب الفهم الحقيقي لخلفية وأسباب حدوثها، ويمنع الاستيضاح العميق لـ «الجانب الاخلاقي» خلفها.
ان الحقائق التاريخية الجوهرية التي يفضل البروفيسور أفنري ونافيا تجاهل المصيبة الوطنية الفلسطينية ، تتعلق بتاريخ وملابسات نشوء بلاد اسرائيل الانتدابية التي على تقسيمها قررت الامم المتحدة في 1947. فبلاد اسرائيل الانتدابية لم تكن موجودة قبل انهيار الامبراطورية العثمانية، وتصريح بلفور والمصادقة عليه في كتاب الانتداب البريطاني، وذلك رغم أن اليهود كانوا في حينه أقلية صغيرة في بلاد اسرائيل، ودون ان تُسأل أغلبية سكانها الذين وصفتهم القوة العظمى ذات الانتداب كمجموعة من الطوائف عديمة الارادة السياسية الجماعية، والتي حكم عليها بان تتحول من اغلبية الى أقلية في وطنها.
ليس هناك شعب يحب الحياة وكان مكان الفلسطينيين سيسلم بمثل هذا القضاء دون مقاومة عنيدة، وما كان ليرى في قرار تقسيم وطنه سوى سطو في وضح النهار. بذات القدر، ليس هناك شعب محب للحياة وكان في مكان اليهود الصهاينة ليفرح برعاية القوة العظمى وما كان ليستغل حتى نهايتها الفرصة لان يبنى له الوطن القومي المنشود. بمعنى أن المقاومة الفلسطينية للنوايا الصهيونية العلنية في تحويل اليهود الى أغلبية في البلاد كانت مبررة على نحو ظاهر من الجانب الاخلاقي، مثلما كان مبررا من الجانب الاخلاقي تطلع اليهود الذين رأوا في بلاد اسرائيل وطنهم المجيء للاستقرار فيها.
بالمقابل، فان طرد أجزاء من الفلسطينيين من وطنهم، وكذا قرار دولة اسرائيل منع عودة اولئك الذين طردوا أو هربوا من بيوتهم كانا خطوة شريرة، لم توازي في شدتها رفض الفلسطينيين التحول الى اقلية في وطنهم أو في قسم منه. وبالنسبة للسيطرة الاسرائيلية على أملاك جموع النازحين الفلسطينيين والتي ساهمت مساهمة غير قليلة في استيعاب جماهير المهاجرين اليهود وتعزيز الاساس المادي للدولة الشابة، فان هذا كان سطوا وسلبا ونهبا على مستوى وطني فيه ما يلقي بوصمة عار اخلاقية على تاريخ الشعب اليهودي.
كيف يمكن لدولة جاءت لتكون ملجأ للاجئين من لظى النازية الساطين على الاملاك الخاصة والكرامة الوطنية ان تبيض اخلاقيا السطو على الاملاك الخاصة والكرامة الوطنية لشعب آخر؟ أحد السبل الناجعة لذلك هو تخيل ضحايا النكبة على صورة منفذي الكارثة. وهكذا تنشأ إذن عندنا المرة تلو الاخرى المقارنات المشكوك فيها بين عدوان المانيا النازية على جيرانها وبين المقاومة الفلسطينية للصهيونية وكأن السيطرة على الدول الاجنبية لغرض الحصول على «مجال معيشة» حكمها كحكم الرفض لاقتسام البلاد مع شعب نال الاذن (من ايدي المحتلين الاجانب) لان يبني فيها وطنه القومي.
ان رفض اسرائيل العنيد الاعتراف بدورها الجوهري في المسؤولية عن احداث النكبة وآثارها يساهم مساهمة مشكوك فيها في صد ميل المصالحة مع الشعب الفلسطيني والدول العربية، ويمنع الاصلاح الاخلاقي – التاريخي الداخلي للصهيونية. وخلافا للاستنتاجات المتسرعة لبعض من المؤرخين ما بعد الصهاينة، فان ميول الترحيل كانت غريبة عن قلب الايديولوجية الصهيونية قبل نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي. فالاغلبية اليهودية في البلاد تطلع الصهاينة لان يحققوها من خلال هجرة اليهود، وليس في ظل اقتلاع الفلسطينيين. وذلك، بالتعليل الاخلاقي العميق، الذي تكرر المرة تلو الاخرى لدى معظم التيارات الصهيونية، من «تحالف السلام» في اليسار وحتى جابوتنسكي في اليمين، وبموجبه حذار على الحركة الوطنية للمضطهد بين الشعوب أن يتبنى، لدى عودته الى وطنه القديم – الجديد، أساليب مضطهديه.
هذا التعليل، الذي كان مركزيا في وعي الصهيوني الاولي، أُهمل في ضوء صدمة الكارثة، التي دفعت الصهيونية الى فقدان يقظتها الاخلاقية مما أتاح لها أن تحدث النكبة. وبالاعتراف بالنكبة وبحق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة الى وطنهم، ستعيد الصهيونية هويتها الاخلاقية الاصلية، التي فقدتها في لظى القرن العشرين اللعين.
] هآرتس

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش