الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

رذاذ الياسمين!

حلمي الأسمر

الجمعة 25 نيسان / أبريل 2014.
عدد المقالات: 2514

عبارة صغيرة قرأتها على الفيسبوك فتحت أفقا غير متناه من رؤى، كتبتها Jwan AR  ولعله اسم مستعار، ولكن هذا ليس مهما، فنحن في الشرق نداري وجهنا، ونغطي أفواهنا حينما نضحك، فكيف لا نداري أسماءنا؟
تقول جوان: ليست السّنين .. شَعرُهُ صار أبيض ..  من رذاذ الياسَمين !!
وفرق كبير بين أن يُنظر للشيب باعتباره من «رذاذ» الياسمين، وبين من يراه علامة على اقتراب الموت، والهرم، ويا الله حُسن الختام!
صحيح إننا نتطلع جميعا إلى حسن الخاتمة، لكننا نتطلع أيضا للعيش من أجل قضية، لا الموت من أجلها فقط، وبين المعنيين مساحة باتساع المسافة بين فن اجتراح الحياة، وبين المشاعر التي تنتاب من ينتظر الموت!
رذاذ الياسمين أصابني منذ نحو عقد ونصف العقد على الأقل، وقد قيل لي: لم لا «تصبغه» أسوة بمن يجيدون فن التخفي، نساء ورجالا، ولم أكن ألقي بالا لهذه النصائح، بل كنت أرقب «اشتعال» الرذاذ في رأسي، وكيف يتمدد ويمتد، حتى أنني صرت آنس به، ويأنس بي، بل لم أشعر في يوم قط أنه غريب عني، فقد أصبح جزءا مني، ولم يكن إخفاؤه في مجال اهتمامي!
حين يتحول الشيب إلى رذاذ الياسمين، فهو ينحو في رمزية الوصف إلى عالميْن حالِميْن، فالرذاذ ينقلك إلى دنيا جميلة تذكرك برذاذ أول شتوة، والرذاذ الذي يتجمع حول كأس ماء بارد في يوم قائظ شديد الحرارة، والرذاذ عموما هو رشة العطر التي تهبط على بدنك كما يهبط الندى في الهزيع الأخير من الليل، أما الياسمين، فتلك حكاية أخرى تطول، فهو ينقلك إلى عبق الياسمين الدمشقي، وياسمين نابلس، وكلا المدينتين أرخى الياسمين كثيرا من روحه ولونه وعبقه على جمالهما، حجرا وشجرا وبشرا، وحينما تقول «ياسمين» ترحل بروحك إلى تلك الأسواق المسقوفة التي تعد من معالم المدينتين، تلك الأسواق المضمخة بالتاريخ والحب والتوابل، وسيمفونية الباعة، ورائحة الشاي بالنعناع، والقهوة التي يفوح منها عبق الثورة أيضا، فأنت في نابلس في «جبل» النار، ويحتضنها جبلا عيبال وجرزيم، أما دمشق فيحرسها جبل قاسيون بشموخه وأنفته..


تلك إذاً حكاية الرذاذ، وبعض من حكاية الياسمين، أما بقية الحكاية فتطول روايتها حتى شجيرة الياسمين لها خصوصية بين النبات، اسمها يعود – كما يقول أهل علم الزراعة - إلى اللغتين العربية و الفارسية، و تعني «هبة من الله» كما الشيب، بل إنه كشجيرة نبتة «قنوعة» فلا يحتاج الياسمين إلى الكثير من العناية، سوى الماء والشمس، و»رشة» من سماد كل ربيع، فقط هذا ما تحتاجه، وتعطيك مقابل هذا رائحة عطر فواحة، تتمدد على أكثر من مئتيْ نوع من الياسمين، حتى أنها أصبحت جزءا مهما من صناعة العطر لقوة عبيرها!
هذه هي قصة الياسمين، بعبارات قليلة جدا وموجزة، أما قصة الشيب، فثمة ما يقال فيها، فهو لا يأتي على الأغلب إلا بعد الأربعين، حيث النضج واكتمال الرجولة، وكلما ازدادت مساحته، ازداد إحساس البعض بمشاعر متناقضة، ففئة تراه علامة من علامات دنو الأجل، فتشيع في النفس مشاعر الإحباط والخوف من المستقبل، والزهد في كل شيء، حتى في أداء «الواجب» على مختلف معانيه وأنواعه، أما البعض الآخر فيراه مفتتحا لفصل جديد من فصول الحياة، حيث يأتي في مرحلة نضج التجربة واستقرار المفاهيم، فيكون سببا للتبحر في فن الحياة، لا الجلوس على قارعة انتظار الموت، وبين النظرتين ما بينهما من فرق!
رذاذ الياسمين...
لله دره من بيان ساحر، وتعبير مُلهم موحٍ، وليت أصحاب الشيب قاطبة يشعرون أنه كذلك، لا غبارا يخنق الأنفاس، ويكتم الحياة!

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش