الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الأسود الحائرة بين البحر والبحيرة

تم نشره في الأحد 20 نيسان / أبريل 2014. 03:00 مـساءً

  د . نسيم الخوري

من يمتّع ناظريه من العرب، في قيلولته اليومية أمام الشاشة، بمنظر الأسود كيف تتحلّق حول الغزلان لافتراسها أو كيف ترِد البحيرة بعد ذلك، يدرك تلك الهندسة الغرائزية في القتل التي قد تبلغ حدود اللياقة الرحيمة في الموت .  وقد يسرح به المشهد إلى الحديث الذي وصّف الناس والمسلمين وكأنهم شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار .
النار لمن يضرمها في الحطب اليابس المباح في الأرض وصولاً إلى الكلأ بمعنى العشب الطالع في بوار الأرض ومواتها، والماء الذي يجري في المواضع اللامعة تحت الشمس وكأنّها لا تختص بأحد .
قفزت عيون العالم في غفلة من سوريّا نحو أوكرانيا وتحديداً نحو مياه قزوين، حيث تحتشد حولها ومن فوقها الشركات والدول بحثاً عن حلول هندسية لاحتياطي النفط والغاز . هي مياه تعاني من عدم الاستقرار في تسميتها بين أن تسمّى بحراً أو بحيرة أو حوضاً . تعقيدات قانونية دولية وتشابكات لا تنتهي في تفسير التأرجح بين البحر والبحيرة . وقد يفتح العالم حدقتيه ويشدّ أعصابه أمام نزاعات قزوين المفتوحة أو البحر الأكبر المقفل بعدما تفكّكت سبحة الاتحاد السوفييتي من حوله من القوقاز إلى أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى التي تطمح موسكو إلى إعادة ترويضها كي لا نقول تركيبها . تلك مناطق مقفلة على خمس دول شرقي قزوين لا يألف سكّانها رائحة أيّ بحر هي تركمانستان وكازاخستان وقيرغستان وأوزباكستان وطاجاكستان شرقها الصين وشمالها روسيا وأفغانستان وإيران في جنوبها إضافة إلى مجاورتها لتركيّا التي فشلت أمريكا في تقديمها أنموذجاً معتدلاً نسفته سياسات الإخوان المسلمين، لكنها تحرص في تقديم نفسها ممراً لمصادر الطاقة بين قزوين وعطش أوروبا الدائم للطاقة .
لم تستقرّ تلك العيون العالمية بالكامل بعد فوق قزوين، لكن من يتمعّن في الأبعاد الحقيقية للصراع المتجدّد هناك بين روسيا وأمريكا أو بين من يقف في صفيّهما في شبه جزيرة القِرم وأوكرانيا، يدرك تماماً أنّ البشرية لن تخرج من جوعها لإطفاء حاجاتها البدائية التي تطوّرت فاستهلكت حضارة اليابسة ثمّ حضارة الماء التي تشغل ثلثي الكرة الأرضية، وهي بالرغم من خروجها اصطناعياً نحو الفضاء والكواكب والنجوم، فإنّه خروج يعني التحكّم بالكرة الأرضية لا بمشاهدها السطحية بل بكنوزها الأرضية التي تصل إلى لب اللب في ما نعيش عليه مع مختلف الكائنات التي تشاركنا الحياة والتنوّع البيئي أو نرقبه عالياً من حضارة الفضاء .
هذا التحول الدولي كان منتظراً مذ راح الغرب يتردّد أو يعلك المواقف في حسم مسائل الفوضى في بلدان المتوسط العربي والإسلامي . هل ما حصل في بلادنا حتّى الآن وما يحصل من فوضى واقتتال وتناحر وتشويه أديان هو مقدّمات لزمنٍ أصعب؟ على الأرجح . والسبب أنّ تعميم مشاعية الدم في رقعة الشرق العربي تجاوزت «الفوضى الخلاقة» الفجّة إلى درجة أنّها لا توحي أو ما شاؤوا لها أن توحي بأيّ مشهد آخر مقروء أو «مخلوق» مستقرّ من جديد، لا على مستوى الأنظمة ولا على مستوى «الثورات»، ولا على مستوى المصطلحات مثل الحرية والديمقراطية والاعتدال و»الحضارة» . تركوا الفوضى مشاعاً وطبقاً نتقاتل من حوله في أوهام تلك المصطلحات المتعثّرة حتّى في الغرب بلاد المصدر، وقفزوا وكأنهم يمارسون مشاهد أوهام الصراعات التوفيقية التي تجعل من «أوراسيا ملعب الشطرنج» على حدّ توصية بريجينسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق في ال،1997 لا بهدف إلهاء العالم بالعودة النرجسية إلى عواصف الحروب الباردة بحطب الآخرين، بل إلى القيادة العالمية الملتبسة في استراتيجياتها . إنّه نهم الطاقة الذي يمحو الحدود الفاصلة بين الدول، ويجعل سلطات النخب من مديري الشركات الكبرى العابرة للقارات مسيطرة على الملاعب . نعم النخب يلتقون في الأغلب على ترسيم الطاقة الراقدة في الدنيا نفطاً وغازاً التي يتنازع عليها أسود السياسة . والربح الأعظم لمن يسيطر أكثر على قادة هذه الشركات . كيف؟ يقود الأمريكيون 13 من بين 25 شركة في العالم تركع أمام مقدراتها أغنى الدول . هكذا تتركّز نصف السلطة العالمية في أيدي ممثلي دولة كبرى مثل أمريكا لا تحوي فوق أرضها أكثر من خمسة في المئة من سكاّن العالم . وتصبح المعادلة السائدة أن الدول الكبرى تتنافس على ملكيات كبريات شركات الطاقة في العالم المادة الأساسية لحياة هذه الدول لكنها تتلاقى جميعاً على إشاعة الفوضى أو الحروب أو عدم الاستقرار في دول الكنوز الذي يستجلب بدوره القلق والخوف والتخويف طريقاً إلى تراكم الأسلحة والقوّة العسكرية واستنزاف الموارد والميزانيات وجعل «الثورات» تحت ضغط السبابة الدولية .
إلى أين من هنا؟
لنقل، ببساطة، إنّ تفكك الاتحاد السوفييتي أفرز دولاً كثيرة تشاطئ بحر قزوين وحلّت مصيبة 11 سبتمبر/ أيلول الأمريكية وذرائع محاربة الإرهاب ملعباً واسعاً تقفز في أرجائه تلك الدول إضافة إلى إيران والصين والهند ودول آسيا الوسطى . وأظهر هذا التفكك مبالغة أمريكية مقصودة سياسية ودبلوماسية وإعلامية في تظهير غنى بحر قزوين بما يدعم الترويج الأمريكي السياسي لمقولة راجت هي الاستغناء النسبي عن نفط العرب ولمزيدٍ من الضغوط عليهم في تشظياتهم المرّة وإشاعة الفوضى في أرجاء أقاليمهم . تشعر روسيا بوتين بمنافسة مزعجة لها في عقر دارها يجعلها أرضاً محاصرة مسكونة بهمّين: الأسبقية في عمليات التنقيب ونقل مصادر الطاقة من قزوين واظهار موقعها الأكثر نفوذاً في ما زالت تعتبره مناطقها توقاً إلى استعادة هيبتها . تخوض روسيّا كباشاً مع أمريكا يحول دون بناء أنابيب يتجاوز بعضاً من إرادتها المستعادة عبر انخراطها في سوريا وصولاً إلى مصر وطموحاً إلى أي نقطة أخرى . والنتيجة في تراكم التعقيدات القانونية التي لن تحوّل بحر قزوين إلى سياسة الأبواب المفتوحة التي تكفل التدخل الغربي في المنطقة، ولكنها قد تؤول، على الأرجح، إلى حشد الأسلحة وعسكرة الدول المشاطئة لقزوين، خصوصاً روسيا المتحدية في بيتها، بل المنهمكة بتجديد أساطيلها بما لن يفضي إلى مواجهات عسكرية وتكهنات بحروب واسعة الآفاق . لماذا؟
لأنّ هوية الصراع على علاقة بتقاسم الطاقة لا تقاسم الأراضي، ولأنّ أثمان المواجهات العسكرية وتداعياتها تتجاوز بكثير قيمة المخزون والمردود المنتظر من مياه قزوين، ولأنّ تشبّث الأطراف الكثيرة بمواقفها ومصالحها المتناقضة هناك سيبقي قزوين النقطة المستحيلة التي تتجاوز التسويات بل تجعلها مستحيلة لكنها مستمرّة بحراً من الخلافات القانونية والدولية والأوعية المتّصلة التي يصعب الفصل في ما بينها ولو طغا زئير الأسود في صراعات إقليمية ودولية بلاد الشرق الأوسط وأوراسيا .

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش