الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الجمال في النقد الإسلامي الأصول الجمالية / 1

تم نشره في الجمعة 2 أيلول / سبتمبر 2016. 08:00 صباحاً

عباس المناصرة



1. عتبة الجمال مدخل عام :

الجمال صبغة الله في خلقه وهو الجميل المتعال , الذي جلت حكمته وعمت رحمته , فجعل الجمال المظهر المسيطر على الحياة والمخلوقات , ومن علامات رحمته أن جعل الجمال يسري ويتغلغل في حياة المخلوقات , حتى تعيش حياة الأنس  والطمأنينة بهذا الجمال الذي يمتد في نسيج الوجود ,كما يمتد الماء الذي يسري في خلايا الغصن الأخضر فيعطيه الخضرة والينع والثمر .

هذا الجمال الذي يعمر أرجاء الكون , في الأرض والسماء في الحيوان والنبات , والطيور والنجوم , والكواكب والجبال والبيئة  والهواء والماء , وهو جمال عامل فاعل لا ينفك عن الوظيفة التي برأه الله من أجلها , فهو جمال مؤنس للمخلوقات مؤنس للبشر , ويشير إلى خالقه ومبدعه وهو كذلك نعمة ممنوحة لهذا الإنسان الذي قال الله سبحانه وتعالى عنه ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) جمال في شكله وقوامه المعتدل وبتفاصيل أخرى كثيرة  منها قولة تعالى : (ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين ) , نعم خلقه في هيئة متكاملة في جمالها , وزرع الجمال في طبعه وفطرته , وجعله محبا للجمال باحثا عنه صانعا له , متذوقا له , متعلما منه .

وعندما  رأى هذا الإنسان الجمال في طبعه , ويحيط به من كل جانب , وأن فطرته تلح عليه بتتبع هذا الجمال وملاحقته والانجذاب له , اصطنع لنفسه الجمال في حياته فيما صنعه لنفسه وأبدعه في الفن والأدب والبيوت والحدائق والشوارع والمدن ، والفراش والملابس والسجاد والصناعة ، والبناء والتجارة والزخارف والدعاية والإعلام والإعلان والعلوم والثقافة والتعليم ,حتى أدخل ذوقه الجمالي في صناعة طعامه , فالمثل يقول :( العين هي التي تأكل ) لأن التذاذ العين بمنظر الطعام وطريقة عرضه الجميلة في الإناء , هي التي تحرك شهوة النفس للإقبال عليه , وانظر إلى قوله تعالى : ( فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ) , وتصديق ذلك , أن أي نوع من الطعام عندما يعرض بشكله الطبيعي ، وإخراجه المحبب تقبل النفس عليه برغبة وشدة , ولكننا لو وضعنا هذا الطعام في الخلاط وقام بخفقه وقدمناه للاّكل , فإن النفس تعافه وتنفر منه ولا تقبل عليه , لأنها تراه بعد خفقه أشبه بكومة من العجين , فما الذي حدث أو تغير ؟ مع أن القيمة الغذائية  لهذا الطعام المخفوق لم تتغير .

الذي حدث هو أن الخلاط حطم العنصر الجمالي لعرض هذا الطعام فحصل النفور , ولم تعد كومة الطعام المطحونة تلذ للأعين ولا تشتهيه الأنفس .

أما في الأدب الذي يعبر عن موقف الإنسان من جدوى الحياة وقيمته في النفس , فالجمال يشكل العمود الفقري للأدب والفن, بل وبه يتميز الأدب عن أنشطة العقل الإنساني الأخرى كالعلم والفكر, لأن الأدب يقوم على البناء الفني والبلاغي والنوعي الذي يتميز به النوع الأدبي .

2. لا جمال بدون وظيفة:

الجمال سلاح خطير ،  يمكن أن يوظف في خدمة الخير , ويمكن أن يوظف في خدمة الشر ، حين يزينه في قلوب الناس , وقد استعمل الشيطان هذا السلاح في إغواء اّدم عليه السلام وزوجه وإخراجهما من الجنة , وذلك حين  زين لهما الأكل من الشجرة الممنوعه.

الحق جميل بذاته , والجمال ظله الذي لا ينبت عنه ولا يفارقه , بالجمال يزداد الحق وضوحا وتألقا , بل إن الحق هو الذي يمنح الجمال قيمته ، ويجعل له مقاما, وذلك حين يضعه في وظيفته الشرعية التي أرادها الله له , لينفي عنه الخبث والعبث , ويحميه من الاستغلال أو التوظيف في خدمة الشر وتزيين قيمه الفاسدة , فيظهر الباطل وينكشف قبحه , وبذلك يحمي الناس من الوقوع في حبائله .

الجمال في الحق طبع وأصل، وخلق لا يفارقه ولا ينفصل ولا ينغسل ، والجمال في الباطل صبغة خارجية قابلة للذوبان , وهي أشبه بطبقة الزينة أو بطبقة المكياج الذي يخبئ الوجه القبيح الزائف .

وإذا أردنا أن نتقن أمر الله في الأدب فعلينا أن نجوده ونحسنه ونعطيه حقه من الإتقان الجمالي ،  لقوله صلى الله عليه وسلم :(إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه) وفي الحديث الآخر قوله صلى الله عليه وسلم :( إن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة هو صلاته)  لماذا؟ لأنها عمود الدين , وكذلك الأدب يمكن أن نقيسه على هذا الحديث , فكما أن الصلاة عمود الدين , فكذلك الجمال عمود الأدب , فإذا صلح العمل الأدبي جماليا وفنيا وحقق المستوى المطلوب الذي يثبت أدبية الأدب , ينظر فيما تبقى من العمل الأدبي (النص) من المضامين والموقف والصدق الفني والشعوري وغيره , وإذا هزل الجانب الجمالي الفني أهمل , لم يكترث له , لأن الإتقان للعمل الأدبي مطلب شرعي وأدبي ونقدي لا تهاون فيه .

ومن دواعي هذا الأمر أن الأدب لا يمكن أن يحقق القدرة العالية على التأثير ،  والفائده التي تصنع وظيفة للأدب إلا بهذا الإتقان , وذلك بسبب الترابط الشديد بين طبيعة الأدب ووظيفته و حيث يتناسب تأثيره تناسباً طرديا مع حركته قوة أو ضعفا , لأن الناس لا يتفاعلون مع الأدب الضعيف , ولكن الذي يشدهم هو جمال الأدب القوي الجاذب , وهو الذي يؤثر في أذواقهم ومزاجهم وسلوكهم وتوجيه اختيارهم .

والأدب سلاح جمالي يسوق المواقف والأفكار ويزينها من خلال فنونه المختلفة , وذلك حين تصنع هذه الفنون تنمية للمشاعر والمواقف في اتجاهات معينة , تحرض السلوك وتنشط الهمم من خلال التقنيات الفنية المتعددة  مستفيدا من أساليب البلاغة في التحبيب والتزيين والتكريه والتنفير الذي يجر النفس للتاثر نحو الأهداف .

وأكبر دليل على ما نقول ما فعلته التيارات اليسارية  والقومية والليبرالية في الستينات من القرن الماضي في منتجها الأدبي , حيث نشرت أفكارها  عن طريق (الرواية والمسرحية والشعر والمقالة والخطبة وغيرها) وقد سربت أفكارها عن طريق هذه الفنون , وحيث قام الناس بامتصاص هذه الأفكار عن طريق المتعة الأدبية الجاذبة وسحر البيان , وهذا هو خطر (المنطق الأدبي) الذي يختلف عن المنطق (الفلسفي أو العلمي ) لأنه يوصل أفكاره بطريقة غير مباشرة تقوم على الجمال الأخاذ وسحر البيان , ذلك الجمال الذي يأخذ بالقلوب دون البحث عن القناعة أو البرهان أو الحوار بل بالخضوع لتأثير الإيحاء الفني الذي يشعه النوع الأدبي.

3. الجمال وما أدراك ما الجمال ؟

أ. التقارب والتداخل بين الأدب والفنون في الجانب الجمالي وأدواته , غير أن الجمال في الأدب يعتمد على اللغة وتوظيفها في بناء الشكل الجمالي البلاغي الموحي ، الذي يحرك في النفس حالة التفاعل التي يصنعها الأدب محدثا حالة من السرور والاستمتاع , يخرج مكنونات النفس ومواقفها حين تكتشف ذاتها , أو ما يوافق هواها وطبعها وألفتها , أو ما يخالف  هواها وطبعها أو يؤلمها .

ونقصد بالشكل الأدبي الموحي , أنه مصطلح ووعاء جامع حامل وحافظ وناقل ، يحتوي المضمون الذي يحمله ويوصله إلى الاّخرين.

لا يوجد شكل بدون مضمون أو معنى  ، ولا مضمون بدون شكل يحمله ويحفظه ويحميه من الضياع .

والمضمون أو المحتوى الذي تصنعه الأبنية الفنية البلاغية وما يشعه إيحاء هذه الأبنية, يختفي وراء الشكل ، أما الغلاف  الذي ينقله ويحفظه ويخلده في الزمان والمكان ، فهو الشكل الفني الذي أشرنا إليه .

وهذا الشكل الفني المصمم بخطاب وطرائق وأبعاد وتقنيات فنية معينة , تصنع التأثيرات الموحية للنص من خلال أحد الأنواع الأدبية , يتلاحم فيه الشكل والمضمون ولا ينفصل أحدهما عن الاّخر , وهذه صفة الأدب الجميل حيث يتماسك شكله ومضمونه , لأن المضمون هو إشعاع الشكل سواء كان أدبيا لغويا , أو فنيا يعتمد على الريشة أو اللون أو الصوت والتنوع أو الحركات كما في الفنون الأخرى .

ب. تعريف الجمال : (هل هو من الأمور الممكنة ؟ )

يمكننا أن نتحدث عن مواضيع جميله معينة ومحددة , وهو أمر ممكن بحكم التحديد الذي يساعد على حصر الكلام في الجمال , من خلال عنوان محدد يحمينا من الوقوع في التشتت الذي تصنعه العموميات .

وبالطبع لا يمكن تعريف الجمال بعمومه لتغلغله وانتشاره في نسيج الوجود والحياة والمخلوقات , مما يجعله موضوعا صعبا على التناول , لأنه يصعب حصره والإلمام به أو تعريفه .

فالجمال كشعاع الشمس والضوء والنور تشعر به ولا تكاد تمسكه , لأنه يجلل وجه الكون , ويدخل في كيان المخلوقات والأشياء ونظامها , هذا الجمال الذي لا تتفق فيه أذواقنا , بسبب اختلاف قدراتنا في استقباله واستيعابه , لأنه يقوم على المقاربة من خلال الزاوية التي نطل بها على الحياة.

ونحن نرغب في حصر كلامنا عن الجمال في موضوع محدد , هو الجمال الأدبي (علوم البلاغة والفنيات) لأننا بذلك  نحمي أنفسنا من الوقوع لجج وبحار الجمال الذي يغمر وجه الحياة , ويأخذ كل مخلوق منه بنصيب , حتى نتمكن من الكلام في جمال الأدب .

والجمال الذي هو العمود الفقري للأدب , هو من صميم الدعوة النبوية الشريفة إلى إتقان العمل بأفضل صورة ضمن مواصفات أي فن او أي مهنة من المهن إلى حد الاحتراف , كما أن التنازل عن مواصفات الإتقان لأي فن أو مهنة تخدم الأمة , هو نوع من التدليس والغش لها وعدم النصح .

وقد ورد الموضوع الجمالي في القران الكريم مذكرا به من خلال اّيات كثيرة , بمسميات كثيرة , ومن هذه المسميات التي تدل على الجمال  مفردات مثل ( الجمال , الزينة , تلذ , حبب , أحسن تقويم ) وكلها تشير إلى عظمة الخالق وإبداعه الذي جعله في خلقه , وكله جمال مرتبط بالوظيفة ، وليس جمالا عابثا منفصلا عنها , فوجود الكواكب والنجوم في السماء مثلا يعطيها وظيفة الروعة والجمال , وهي أيضاً رجوم للشياطين حين يسترقون السمع للملأ الأعلى, وبها يهتدي الناس في سفرهم لأنهم يجعلون منها علامات لتحديد الجهات الأربع, ومن هذه الآيات الكريمة التي تتكلم عن الجمال , نختار بعضها على سبيل المثال ، ومنها قول الله تعالى في الآيات التالية :

        ( ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون  )

        ( ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح )

        ( يا بني أدم خذوا زينتكم عند كل مسجد )

        ( ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم )

        (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب ,وحفظا من كل شيطان مارد)

        (ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين )

        (وعلامات وبالنجم هم يهتدون )

        ( ولقد خلقنا الإنسان  في احسن تقويم )

        (ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين)

ونلاحظ أن هذه الاّيات الكريمة ، تذكرنا بالجمال الذي يغطي وجه الكون والمخلوقات , جمال الهيئة , وجمال القوام وجمال الوجه وجمال اللغة والخطاب , وجمال السموات والأرض والمخلوقات والنبات والجماد , وكل ذلك مع كمال الوظيفة التي تنفي العبث وتشير إلى عظمة خالقها العظيم المتعال .

 ج.الأدب والمعادلة الجمالية المركبة :

هذه المعادلة التي تتكون من  :

*( حقائق الواقع  + القيمة الشعورية + الموقف الشعوري + جدوى الحياة = الصياغة الجمالية)

وهي معادلة تشير إلى بعض التيارات النقدية التي تعتبر الشكل الفني هو الأدب وهو المضمار الذي يتبارى فيه الأدباء على السبق في الإبداع وعلى التنافس والتنوع , وقد نسي هؤلاء النقاد أن الأصل في جرثومة هذا الأدب هو ( الموقف الشعوري القلبي ) الذي يحتوي في ثناياه (الرؤية الفكرية وقيمة حقائق هذه الرؤية وجدوى الحياة ) وأن الشكل ما هو إلا حامل لهذا المضمون الذي نسميه (الموقف الشعوري), إنه صراع بين من يمجد الشكل ومن يمجد المضمون , ونسي هؤلاء أن الأولى أن يستوعبوا أن لا شكل بدون مضمون ولا مضمون بدون شكل وان النص هو عبارة عن قطعة ذهبية لها وجهان هما :

   الوجه الأول :

(الشكل الجمالي الذي يحتوي الأبنية البلاغية والفنية والنوعية التي تتمايز بها الأنواع الأدبية المختلفة عن بعضها ) وهو الحامل للوجه الثاني (المضمون )

   الوجه الثاني :

المضمون (القيمة والموقف وجدوى الحياة وفائدتها )

والخلاصة من هذا : أن الأدب الجميل هو ما توازن فيه الشكل الجمالي ليحمل المضمون الشعوري بوضوح واتزان من خلال البنيان الفني اللغوي المتماسك .

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش