الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

المسلسلات المُدبلجة.. بين حظر اللقطة وخطورة الفكرة!

تم نشره في الأربعاء 9 نيسان / أبريل 2014. 03:00 مـساءً

 حنان بيروتي
ما الأسباب التي أدتْ لسيل المسلسلات المُدبلجة عبر الفضائيات العربية؟ هل يمكن اعتبارها ظاهرة و شكلاً للغزو الثقافي الخطير؟ أليستْ قنابل موقوتة مغلفة بأغلفة لامعة؟ لماذا هي جاذبة للمتلقي العربي وتسجل أعلى نسبة مشاهدة؟ هل رسّختْ ثقافة مرئية جديدة ؟ما الذي تضيفه للمشاهد؟ وهل ما يفيده منها يتناسب مع قيمة الوقت المهدور في المتابعة والتي تمتد أحياناً لأكثر من مئة حلقة؟ أيّهما أشدّ خطورة وأكثر تأثيرا على المدى البعيد ...اللقطة أم الفكرة؟!
تساؤلات أجدها مشروعة في ظل تزايد وانتشار المسلسلات المدبلجة وارتفاع نسبة مشاهديها في عالمنا العربي ومعظمهم من فئتي النساء والمراهقين من الجنسين ،مما يدعونا لطرح السؤال الأكثر خطورة...هل تتسلّل الأفكار والقيم والعادات المتضمنة في المسلسلات الى المنظومة القيمية العربية..؟وهل تتناسب وثقافتنا العربية الإسلامية المحافظة؟ كيف تؤثر على جيل الشباب ؟ألا يعيشون بسببها في حالة من الازدواجية الخطيرة والحرجة بين ما يرونه على الشاشة وما يعيشونه عبر أحداثه الطويلة،وبين ما يعيشونه في الواقع؟!
المسلسلات المدبلجة ليستْ مجرد تسلية ومتعة ومتابعة، فهي تتسلل إلى البيت وتخاطب عقولا هي في طور التشكُّل وبناء المنظومة القيمية لدى الفرد  التي هي منبع وأساس ومرجعية  تصرفاته وأفكاره وسلوكه ونهجه في الحياة، تخاطب المراهقين وفئة النساء على اختلاف أعمارهن ممن يستشعرْنَ فراغاً عاطفيا،ويعتقدْنَ انّ قضاء وقت في حضور المسلسل ومتابعة أحداثه المتشعبة  المتناسلة المتشابكة أمرٌ لا يترك أثراَ وليس له بعد نفسي وثقافي واجتماعي...
المتلقي يميلُ لمشاهدة الحضارات المختلفة والثقافات المغايرة،يتمتع برؤية المعالم ذات البناء المعماري الجديد بالنسبة إليه، والمناظر الخلابة لطبيعة مختلفة عن طبيعة بلاده، ورؤية الممثلين والممثلات بطبيعة جمالهم ولباسهم وسلوكهم المختلفة والجاذبة والمنتقاة بعناية وقصد،يميل لمشاهدة تلك الصورة المتخيلة لحياة تمتلئ بالصدف المتكررة وقصص العشق، وتمور بعاطفة وإثارة تبعده عن واقعه وتحلق به في عوالم من خيال... كلّ ما ذكرناه سابقا هو الغلاف البرّاق الذي يخفي خلفه المصائب والمحظورات.
ربما لأنّ منتجي ومدبلجي المسلسلات الطويلة هدفهم تجاري وربحي بالدرجة الأولى وربما الأخيرة، استقطاب أكبر عدد من المشاهدين، وللأسف علينا مواجهة حقيقة مؤلمة ومؤسفة ولها دلالاتها على ما وصلنا له الى أدنى سلّم التلقي والتبعية والتأثر لا التأثير، وهي انّ  بعض الممثلين شبه المغمورين او محدودي الشهرة في بلادهم وصلوا لمنزلة النجومية في بلاد العرب وباتت النجمة الفلانية نموذجاً لحلم الشباب العرب، والنجم العلاني نموذج لحلم البنات العربيات، وكلّهم»ابناؤنا» وكلّنا ضحايا لعوامل متداخلة أولها لا مسؤولية الفضائيات التي تهدف الى الربح،و ترفع «مبدأ» الغاية تبرّر الوسيلة،وهذا ما يريده المشاهد، وصعوبة إنْ لم نقل استحالة فرض رقابة مؤثرة وحقيقة ومسؤولة، فلا يكفي حذف او منع المشاهد الممنوعة والتي يغيب عن بالنا ربما أنها باتت أقل خطورة من بثّ الفكرة، اللقطة تُنسى وتغيب مع الزمن، لكن الفكرة تنغرس مثل نبتة  شيطانية في العقول والنفوس الغضة المهيأة لاستقبالها ،فمثل هذه المسلسلات الدّخيلة وبعض البرامج الواقعية المترجمة تبثّ الأفكار التي يصعب مراقبتها او حصر تأثيرها بعيد المدى،وهو ما ينبغي علينا إدراكه والوعي لكيفية التعامل معه.  وثانيها الفراغ الفكري والثقافي الذي يدفعنا لاستقبال مثل هذه المسلسلات بكل هذه الحفاوة،واستقبالها في بيوتنا مثل ضيف خبيث يرتدي ثيابا ملونة برّاقة نفسح له الوقت، وجعلها تضخُّ سمها في عقول أبنائنا المراهقين المساكين، وتغرس ابر سمها في منظومتهم القيمية التي هي في طور التشكُّل نشاركهم الحضور والمتابعة بعقولنا وعواطفنا الناضجة، ومن ثم نعاقبهم بسلاح وخناجر المجتمع العربي الذي لا يرحم ولا يهادن ولا يتسامح،نسمح لهم بتقبّل الأفكار التي تتعارض مع قيمنا المجتمعية الصارمة، ومشاهدة قصص الحب الرومانسية الخلابة المحبوكة بمهارة وحرفية لتصبح مؤثرة مثيرة للعواطف ومجنحة للخيال والتي تسرق العقول والألباب وتسحر القلوب، ونشاهد معهم ما نسميه تسلية، وننسى انها قد تكون كذلك لناضج واعٍ وهي ليستْ ذلك بالنسبة لمراهق في داخله بركان ثائر وهرمونات مجنونة،والأهم منظومة قيمية في طور التشكُّل تأخذ ما تراه وتحلم به وتحاول تطبيقه وتلك المصيبة والمصيدة التي نتعامى عن رؤيتها وننكر وجودها،ربما لأنها مصيدة شبه خفية وليستْ محسوسة أو مرئية، لكن خطورتها تفوق الأذى الجسدي،تطال الفكر والروح،وتمسّ الوعي وتخلق حالة من الغربة والاغتراب مع الواقع بمعطياته الاجتماعية والثقافية    المسلسللات المدبلجة مثل طوفان جارف يخلخل المنظومة القيمية، ويعبث بعقول وعواطف أبنائنا من الجيل الصاعد حملة راية الحياة والمستقبل،إذن نعرّض مجتمعنا لعاصفة نحن في غنى عنها،ونجعل الآخرين يكسبون المال ويجنون الثروات على حساب أعصابنا ومستقبلنا وجيلنا الآتي،ونعرّض  أبناءنا لازدواجية قائمة بين ما يعيشونه في المسلسلات وما يرونه في الواقع.
هل نستطيع الوقوف في وجه المدّ  الهائل والاكتساح الذي نتعرّض له؟ ربما هو أكبر من قدرتنا على مجابهة  خاسرة،نحتاج لحملة توعوية جادة للجيل، نحتاج ان نمد لهم يد المساعدة تعيننا وتعينهم،في هذا الزّمن الصعب زمن التحولات الجذرية والتحديات الكبيرة والعواصف المجنونة، ،مما يُعرض من قصص متطاولة حد الركاكة هدفها الربح وهي تعطي المتعة الآنية والمعاناة القادمة، وهي تسرق الوقت وتبتلع الوعي وتضيق الأفق أنها مثل الشّهد الممتزج بالسم.  ربما لا يمكننا الهروب من طوفان المسلسلات المدبلجة لكن يمكننا  مثلاً ان ننتج مسلسلات شبيهة لكن بقيم قريبة، تحترم العادات والتقاليد العربية لكن بمصداقية معقولة تعكس حالة الازدواجية التي نعيشها -شئنا أم أبينا- في هذه المرحلة الانتقالية الحرجة في مختلف النواحي.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش