الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قصيدة النثر بعد أكثر من نصف قرن على ديوان «لن» لأنسي الحاج

تم نشره في الجمعة 7 آذار / مارس 2014. 02:00 مـساءً

د. ديانا رحيّل

  إن نظرية الأجناس الأدبية تشير إلى أن كل جنس أدبي ينماز بخصائص محددة، تميزه عن باقي الأجناس الأخرى. وهو نتاج أدبي لا تتحقق فيه خصائص الشعر كاملة، ولا خصائص النثر كافة، إنما هو شكل أدبي جديد يجمع بين خصائص هذا وذاك. لا تلتزم بوزن ولا قافية، وهما ما يمثل جانب الشكل في الشعر العربي، لكنها تؤسس لجماليات عدّة أهمها الإيجاز، فهي ليست شعرا وأيضا ليست نثرا، وإنما هي فن أدبي جديد ومستقل، ومن المجحف أن يصفها بعض النقاد بأنها بلا هوية.
    فالأجناس الأدبية هي وليدة اتصال بحضارات مختلفة، ومؤثرات خارجية داهمت الثقافة العربية، وكلما زادت وسائل الاتصال تداخلت العلاقات بين الأمم، وازدادت المثاقفة بينها- ونحن لا يمكننا إنكار المثاقفة العالمية، ولا النتاج الأدبي الغربي- ونتيجة لهذا التأثر والتأثير تظهر فنون أدبية جديدة.

    كما أن محاولات التجديد في الأدب العربي بدأت منذ القدم، باختراع أوزان جديدة للشعر، ونشأة شعر الرجز، ثم الأوزان المولّدة من الدوبيت والكان وكان والقوما، ثم الموشحات الأندلسية، ثم الشعر الهندسي، وصولا الى الشعر المرسل وشعر التفعيلة.
    وقصيدة النثر نتاج طبيعي بعد ظهور الشعر المرسل، وشعر التفعيلة، في الخروج عن المألوف من وزن وقافية وعمود الشعر. لماذا تقبّل أدبنا العربي منذ القدم محاولات التجديد هذه ورفض قصيدة النثر؟ رغم أنها محاولة تجديدة تنضاف إلى سابقاتها.
    وأنسي الحاج صاحب ديوان «لن» وهو أول ديوان لقصيدة النثر من حيث الصدور، الذي صدر في 1960م، بيّن في مقدمة ديوانه شروطا لقصيدة النثر «لتكون قصيدة النثر قصيدة حقا، لا قطعة نثر فنية أو محملة بالشعر، شروط ثلاثة: الإيجاز والتوهج والمجانية»، وناقش إشكاليات عدّة حولها، مستشرفا بذلك المستقبل، ومظهرا وعيا مبكرا لإشكاليات ما زالت مستمرة.
    وعدّ قصيدة النثر انتفاضة على الصرامة والقيد، مستنكرا الاحتماء بالماضي، وعدّه انغلاقا على الذات، وأكّد أنه «ليس في الشعر ما هو نهائي، ما دام صنيع الشاعر خاضعا أبدا لتجربة الشاعر الداخلية فمن المستحيل الاعتقاد بأن شروطا ما أو قوانين ما أو حتى أسسا شكلية ما هي شروط وقوانين وأسس خالدة».
    وأنسي الحاج الذي رحل قبل عدة أيام، كان يركز على التلقي السائد، وتلقي المحافظين، الذي يحصر الشعر في الوزن والقافية، ويعدّه سدًّا أمام محاولات الاختراق، ويترتب عليه معاداة التحرر الفكري، وإغلاق كل المنافذ على الأصوات الجديدة، «هناك إنسان عربي غالب يرفض النهضة والتحرر النفسي والفكري من الاهتراء والعفن، وإنسان عربي أقلية، يرفض الرجعة والخمول والتعصب الديني والعنصري، ويجد نفسه بين محيطه غريبا مقاتلا، ضحية الارهاب وسيطرة الجهل وغوغائية والنخبة والرعاع على السواد».
    ونحن بعد أكثر من نصف قرن على ظهور ديوانه ما نزال ننقسم إزاء قصيدة النثر، ونحاربها بالأدوات نفسها التي حورب بها الشعر الحر، رغم انتشارها.
    وقد أثبت أنسي الحاج منطقية طرحه عندما ربط استمراريتها واستمرارية أي جنس أدبي بموهبة الشاعر وتجربته الداخلية وموقفه من العلم والإنسان، فلم يكن متعصبا ومندفعا ومدافعا عنها، بل عدّ نجاح الشاعر في عمله هو المقياس. فمنجز قصيدة النثر ترجع لتجربة الشاعر الداخلية، وهي التي تضمن بقاء القصيدة واستمراريتها، وكذلك التحرر من سلطان التراث المترسب في طرق القول الشعري.
    ومن المبالغة إلصاق تهمة تدمير الأمة العربية لأصحابها وأنهم أرادوا أن يشوّهوا الشعر العربي؛ بل هي جنس أدبي جديد له رواده وقرّاؤه، وليست مؤامرة تريد أن تقطعنا عن تراثنا، وتنشر الحداثة الغربية في ثقافتنا.
    ورغم دعوات بعض النقاد إلى هجر قصيدة النثر، بحجة أنها تسقط يوما بعد يوم، ما هي إلا حكم نقدي يعبّر عن حالة معينة عند الناقد، في لحظة معينة وسياق قيل فيه، وأن بعضهم يقف ضد الجديد أيا كان، متمسكا بالشكل القديم للشعر إلى حد التقديس. ولكن أليس التراث حياة وديمومة؟ والتراث الخالد هو الذي يستمر من الماضي إلى الحاضر فالمستقبل، دون التقوقع حول تراث الأجداد، وقال صلاح عبد الصبور: «التراث ليس تركة جامدة، ولكنه حياة متجددة، والماضي لا يحيا إلا بالحاضر».
    فهم بنوا رأيهم على نماذج بعينها، ثم سحبوها على الجنس الأدبي وشرعية وجوده، ويجدر بهؤلاء النقاد التوقف عن بكائيات تتسول عطف القارئ، إذ لا يمكن عزل الممارسة الأدبية عن محيط الأديب، وبالتالي غربته، فلا بد من اجتراح كتابة جديدة لا تلتفت إلى الخلف. لا تهديمًا للقديم ولا تسفيهًا للجديد.
    لعل من الأسباب الأخرى التي دفعت بعض النقاد لمعاداة قصيدة النثر أنهم من جيل تشكل ذوقه الفني في ظل خلفية ثقافية خاصة وظروف مغايرة، الأمر الذي باعد بينهم وبين تقبل هذا النوع الجديد الذي يزاوج بين قطبي النثر والشعر، وعمقت الجفوة والقطيعة معها. غير أن الحقيقة التي لا سبيل إلى إنكارها هي أن قصيدة النثر وصلت على أيدي روادها في الغرب إلى مستويات عالية من الجودة والرقي، كما أن بعض كبار شعرائنا قدموا لنا نماذج مبهرة حقا أسهمت في تأصيل هذه التجربة وترسيخها كحقيقة واقعة في حياتنا الأدبية، الأمر الذي يفرض علينا ضرورة التوقف أمام هذه الظاهرة بالرصد والتحليل ومحاولة الفهم، والكشف عن مواطن الجمال فيها، وتدريب الحس على تذوقها، لا معاداتها، لأن هذا واجب تفرضه أخلاقيات النقد ومتطلباته، فالإنكار أو التجاهل أو الوقوف موقف العداء دون فهم أو تبصر لن يوقف تيار الحداثة.
    والشعر يقدم تجديدا متواصلا للكلام، وليس استعادة لما جرى، فالشاعر القديم وقف على الأطلال وصيّر الماضي وأضفى عليه حياة آنية، والشعر ليس استقرارا، وحين ننظر إليه من خلال شكل أو نمط واحد نتهمه بأنه شكل مغلق، حتى أن الزمن حينها سيأخذ معنى غير الذي نريده، وهو زمن الاستشراف للمستقبل، لذا فما الضير في تجديد الأجناس الأدبية، ونعلم جيدا أن الحياة الأدبية لا تتمتع بهدنة دائمة ولا بقانون ثابت.
    لمَ لا تتحرر الذات الشاعرة من المحددات الثقافية، وتعي شرطها الجمالي، وتلغي تجربة الكتابة فرق اللغة بوجود لغة للنثر ولغة للشعر، وتتوسع مساحة اللغة، وإبراز قدرة النص على إحداث التجربة.
    لعل ما يميز ديوان أنسي الحاج هو السبق في رصد ظاهرة أدبية، ولفت الانتباه إلى قصيدة النثر، وتركيز الضوء على الإشكاليات التي ستواجهها وهي: موقع قصيدة النثر بين الشعر والنثر، أي شعر وأي نثر؟، ما هي قصيدة النثر؟، قصيدة النثر والأنواع المجاورة، أي متلق للشعر ولقصيدة النثر بالتحديد؟، أي دور لشاعر قصيدة النثر؟. وهي الإشكاليات نفسها التي ما تزال تواجهها قصيدة النثر، ولم يحل التراكم النصي الذي بين أيدينا هذه الإشكاليات.
    فقصيدة النثر هي نتاج أدبي معاصر، لها إيقاعها الخاص، ومضمونها يلامس حسّ الشعر، وإن لم تكن شعرا، وهذا لا يضيرها، لانها نتاج أدبي جديد، ويجب ألا يُرفض هذا النتاج لمجرد أنه جديد، وغريب على السليقة العربية، بل يجب أن يُحتفى به كشكل جديد من أشكال الأدب، ويكون الفيصل في الحكم عليه هو قيمته الأدبية، وإبداع الكاتب.

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش