الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«مقصلةُ الحالم» لجلال برجس

تم نشره في الجمعة 31 كانون الثاني / يناير 2014. 02:00 مـساءً

مهدي نصير

هذه الرواية «مقصلة الحالم» هي الأولى للشاعر جلال برجس والصادرة عام 2013 عن الأهلية للنشر والتوزيع، والواقعة في 366 صفحة من الحجم المتوسط، وتأتي هذه الرواية بعد سلسلةٍ من الإصدارات للشاعر والروائي برجس في الشِّعر وأدب المكان والقصة القصيرة.

هذه الرواية المتماسكةُ البناء، والناضجةُ، والضاجَّةُ باللغة والصورِ الشِّعرية، والمليئةُ بالمواقف الإنسانية الذهنية والثقافية والأخلاقية والسياسية والفلسفية، والمتوترةُ من صفحاتها الأولى وحتى الأخيرة، فكأنها قصيدةٌ طويلة ، أو كأنها حلمٌ طويلٌ ومرهقٌ قسَّمه الحالم إلى أجزاءَ وحركاتٍ ليُسهِّل السيطرة على تدفقاتٍ شعريَّةٍ كانت تموجُ في صدر الراوي ونقلها موجاتٍ مموسقةً تنقَّلت برشاقةٍ في كلِّ سطور هذه الرواية.
الراوي في هذه الرواية هو ليس الراوي العليم، وليس هناك تعدُّدٌ في الرواة، بل كان هناك صوتٌ واحدٌ احتلَّ صفحات الرواية، إنه السارد الذي يرسم ويستعيد ويتذكَّر مفاصلَ من حياتهِ في تداخلاتٍ زمنيَّةٍ بين الحاضر والطفولة والمُعتقل، بين العزلة القاسية المضطربة والعشق الأسطوري، بين حضور تلك المرأة المدهشة والمتعددة الوجوه وغيابها، هذا الحضور والغياب الذي شكَّل عقدة توتُّر النص، وأبقى على وشائجه العميقة مع القصيدة.
هذه الرواية سيرةٌ نموذجية للمثقف العربي والأردني، فالسارد مثقفٌ ينتمي إلى حزبٍ يساريٍّ يحلم بالحريَّة والكرامة والمساواة، يُعتقل هذا المثقف بتهمةٍ مدسوسةٍ ويقضي في معتقلٍ صحراويٍّ معزولٍ وقاسٍ مدَّة عشرين عاما.
في هذا المُعتقل والذي ترسم الرواية وترصد كثيراً من ملامحه القاسية، وكثيراً من شخصياته المكسورةُ أحلامها وإنسانيتها، والتي وظَّفتها الرواية بسردٍ متقطِّعٍ كان يأتي كاستعادةٍ للمُعتقل وما مثَّله من جرحٍ إنسانيٍّ وذاتيٍّ عميق، ومن أكثر تلك الشخصيات انسحاقاً برزت شخصية الفنان والمثقف والمفكر اليساري عبد الغفار، الذي يرسم صورة حبيبته «سماح» على جدار السجن ويناجيها صباحَ مساء، ويشرب قهوته الصباحيةَ معها، وفي غياب رفاق المُعتقل في التنفُّس الصباحي -وفي مشهدٍ يرويه السارد بكلِّ عنفهِ ولاإنسانيته وعمقه المُعبِّر عن عمق الانسحاق الإنساني في هذا المُعتقل الصحراوي– يأخذ عبد الغفار بالإستحلام  على صورة سماح ويضاجعها ويصل إلى شهوته ورعشته في صورةٍ تحمل الكثير من القهر والغضب والانكسار، وتعبِّر أيضاً عن عنفِ ما اجترحته الأنظمة الفاسدة بمثقفيها وفنانيها ومفكريها الحقيقيين وكيف قتلتهم ودمَّرت إنسانيتهم وهدرت طاقاتٍ كانت ستعمل من أجل تقدُّم ورُقي مجتمعاتنا.
هذه الرواية احتفتْ احتفاءً باهراً بالمكان، فثلاثةُ أرباع  زمن سرد الرواية تمَّ في ملاذٍ في جبل «نيبو» المادباوي العريق، فعند وصول الأحداث إلى مفصلٍ حرجٍ وبعدَ رحيل «سعاد» بلا عودةٍ يحمل السارد أشيائه الصغيرة المكوَّنة من كمبيوتره المحمول وهاتفه وإبريق شايه وبعض الأطعمة وموسيقى بوتشيللي، ويصعد في ليلةٍ عاصفةٍ ببروقها ورعودها وبردها وثلجها وخوفها حاملاً أحزانه ومخاوفه وهزائمه وانكساراته إلى ملاذٍ بعيدٍ في جبل «نيبو».
في إقامته العاصفة في جبل «نيبو» يستعيد السارد شريطَ حياته وعلاقاته والتحوُلات العميقة التي جرت لمدينته «مادبا» مكانياً وجغرافياً وإنسانياً وإحساسه بالغربةِ عنها وبأن تطورها مشوَّهٌ ومزيَف، كذلك كانت تحوُّلات عمَّان السريعة والجارفة والمشوَّهة والتي لم يعرفها عند خروجه من المعتقل بعد عشرين عاما.
استخدم جلال برجس في روايته الشِّعريَّة الباذخة أدواتٍ سرديَّةً متعدِّدةً لإيصال روايته ومقولاتها الأخلاقية والإنسانية والوطنية والفلسفية، فقد استخدم السرد الشِّعري والصور الشِّعرية، واستخدم الحوار المباشر والحوار الداخلي والحُلم والتذكُّر وتداخل الأزمنة، واستخدم تقنيات الفيس بوك وحواراتها وأجوائها وتواصلاتها، كذلك استخدم الاستعادات والذكريات في نسقٍ غير مترابطٍ زمنياً، فمثلاً كان يستعيد في ملاذه العاصف قي جبل «نيبو» طفولته في مشهدٍ ثُمَّ يستعيد فترة المُعتقل ثُمَّ يعود إلى فترة دراسته الجامعية وانتمائه الحزبي وانكسارات أحلامه، كلُّ ذلك الاستدعاء كان يتمُّ في حركةٍ دائريَّةٍ غير منتظمةٍ ومتوتِّرةٍ ومتداخلةٍ، أحياناً بوعيٍّ وأحياناً بعفويَّةٍ اقتضاها تدفُّق النص الشِّعري وتداخل المشاعر والمواقف والانكسارات.
أما لغةُ هذه الرواية فقد كانت لغةً مشرقةً ومتوهجةً وعاليةً، واستطاع جلال برجس الإمساك بزمام الرواية ومفاصلها وتوترها ولم يفلت زمامها من يديه أمامَ انهيالات الصور واللغة الشِّعرية، بل وظَّفها في خدمة روايته وسردها المتنامي والمتماسك والذي كان يسير وفق رؤيةٍ شعريَّةٍ وسرديةٍ مرسومةٍ بعناية.
برزت أيضاً في الرواية ثقافة السارد العالية والذي مثَّل المثقف العربي والأردني في أجوائه ومناخاته الثقافية، فهو يشير أكثر من مرةٍ لباشلار وجماليات المكان الذي احتلَّ حيِّزاً مهماً من جماليات هذه الرواية، وهو يستمع لموزارت وبوتشيللي، ويستعيد حي بن يقظان والشَّنفرى، هو الموزَّع بين ثقافتين ورؤيتين: الثقافة الغربية بتقدمها الساحر بموسيقاها ومفكريها ومناخاتها، وثقافته التراثية المتحجِّرة في نماذج كانت رائعةً لو استطاعت الثقافة العربية البناء عليها، ويحلم وهو الممزق ثقافياً وإنسانياً والمنكسر والمهزوم والمأزوم، يحلم بالحرية والعدالة والتحرُّر والتقدم والخروج من هذا الكابوس الذي نعيشه كأفرادٍ وكمجتمعات، كان أيضاً يحلم بفلسطين المغتصبة والتي تشكِّل جرحاً عميقاً، فلسطين التي كان يرى جبالها وتلالها ومدنها من جبل «نيبو» ولا يستطيع الاقتراب منها، فلسطين التي استشهد على ترابها والده، والذي في مشهدٍ عميقٍ أيضاً عندما يرى ما آلت إليه فلسطين وما آلت أحوال الأمة يبصق في وجه السارد الذي يمثِّل جيلاً فرَّط بشهادة وتضحيات الآباء والشُّهداء.
الانكسارات الكبيرة التي يعيشها المثقف العربي وانعدام الأفق الذي يُمكِّنه من الاندماج والعيش والعمل والتأثير في مجتمعه، كلُّ ذلك كان بارزاً كمحورٍ أساسيٍّ في هذه الرواية.
في رحلته الرمزية إلى جبل «نيبو» كملاذٍ من هذا الانهيار الذي سيطر على مجريات حياته وأزمَّها، يبرز ذلك التقمُّص العميق والعالي والضروري للذئب، فالذئب يتبادل الأدوار والحوار مع السارد ويرافقه في رحلته العاصفة ويتأمل معه ويشاركه العاصفة الذهنية والطبيعية بكلِّ تفاصيلها، وكأنَّ السارد يرى في رؤية الذئب وشخصيته النبيلة والقاسية معاً مخرجاً من أزمته وأزمةِ جيلٍ كاملٍ استكان إلى التوجُّع والتظلُّم واستمرأ تمثيل دور الضحية، فكأني بالسارد يدعو هذا الجيل من المأزومين للخروج من ثوب الضحية ليتقمَّصَ ثوباً جديداً فاعلاً وقويَّاً وقادراً على إحداث فارقٍ في الواقع الفعلي على المستوى الذاتي والجمعي معاً.
المرأة بأنوثتها وسحرها وأسطوريتها كانت حاضرةً بكثافةٍ تليق بجسدها الباذخ والقادر على منح الحياة والخصب لكلِّ الأشياء، والقادرة أيضاً على منح الموت والخوف والفقر والهزيمة والانكسار، احتفت الرواية بوجوه هذه المرأة الذهنية والتي حملت وجوهاً فلسفيَّةً للمرأة بحضورها وغيابها، بعشقها وكرهها، بخصبها وجُدبها، بتسلُّطها وعفويتها، بأنوثتها الكامنة وأنوثتها الظاهرة.
احتفتِ الرواية بأنوثة المرأة بمشاهدَ جنسيَّةٍ وحسيَّةٍ جريئةٍ وعاليةٍ وإنسانيةٍ بعيداً عن الابتذال والمجانية وبعيداً عن الإقحام المُفتعل للجنس في متن الرواية دون ضرورةٍ فنيَّةٍ وعضويَّةٍ، في هذه المشاهد الجنسية والتي كانت جزءً عضوياً من بنية الرواية الشعرية والإنسانية وشكَّلت جزءً مهماً من بناء الرواية ومقولاتها، فالمرأة وجسدها والموسيقى والشِّعر كانت أقانيمَ الخصبِ عند جلال برجس في هذه الرواية الشعرية الباذخة.
الجدَّة كانت من الشخصيات التي مثَّلت بحضورها الصادق وبلغتها البدوية الصادقة بُعداً آخر في ارتباط السارد بتراثه وبأصوله وبالقيم الإنسانية النبيلة التي تنشأ وتنمو في بوادينا وأريافنا على الرغم من كل الجفاف العاطفي والجديَّة البائسة التي تغلِّف الحياة في هذه البقاع، كانت الجدَّة الحكيمة بحنانها وحبِّها وحكمتها سنداً وجذراً لهذا المثقف الذي عصفت به رياحُ المدينة العاتية بأحزابها ونسائها وتحوُّلاتها الصارخة والتي أخذته في طغيانها إلى أقصى وأقسى حالات الوجع والعزلة والخوف.
باقي شخصيات الرواية كانت في معظمها شخصياتٍ ذهنيَّةً وظَّفها السارد لإضاءة مفاصل من تجربته وتحوُّلاتها العميقة.
في المشهد الأخير في الرواية وعندما يهمُّ السارد بالعودة من ملاذه في جبل «نيبو» وبعد أن اكتشف أن الذئب الذي رافقه خلال العاصفة لم يكن إلا هوَ ذاته أو هو ما تخيَّل أنه صورته التي يمكنها أن تُخرجه من هذا المأزق العميق، أو أنه الصورة المفعمة بالتحدي والصلابة التي يجب أن يتماهى بها في عودته إلى خضم الحياة ليكون فاعلاً ومؤثِّراً، في تلك اللحظة الحادَّة يحمل إليه كمبيوتره المحمول رسالةً كان ينتظرها، وذلكَ إشارةٌ إلى تجدُّد الجدل الحقيقي والمتحرِّك بين السارد والحياة.
هذه الرواية روايةٌ تستحق القراءة والنقد والإضاءة والتحليل لما احتوته من تاريخٍ ووعيٍّ وثقافةٍ وطموحٍ وحلمٍ وانكسارٍ ونهوضٍ وبحثٍ  مُضنٍ عن الأشياء الجميلة في هذا العالم المنكوب حتى نتمكن من العيش فيه.

الحصن 2-1-2014

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش