الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

البطولات الزائفة وأبطالها..

ابراهيم عبدالمجيد القيسي

الأحد 22 كانون الأول / ديسمبر 2013.
عدد المقالات: 1982

«كله بيتخوث على كله».. عبارة ختم بها أحد المواطنين حديثه، حين أجبت عن بعض تساؤلاته، يوم حاصرني في «صالون الحلاقة»، ولم أكن راغبا في مزيد من حديث عن العاصفة الثلجية والكهرباء والمدد العسكري الذي أغاث كثيرين، لكن المواطن الذي لم أعرف اسمه حتى الآن، والذي اعتاد قراءة مقالتي، جعل من صالون الحلاقة مكانا لمؤتمر صحفي فجّ، إذْ أثار عاصفة من أسئلة وإجابات وتحليلات، وحين اكتشفت مقدار غرامه بالمراهقات الكلامية ومضغ حديث الحشو غير المستند سوى الى قناعات شخصية، بعيدة عن المنطق والسياسة، آثرت الاستماع وعدم الدخول معه في حديث سقيم عقيم..وبعد أن استحوذ على أكثر من نصف ساعة من حديث هذه سماته، أدرك المواطن المحترم فتوري عن الاهتمام بحديثه، فأخذ يردد : « كله بيضحك علينا وكله بيتخوث على كله»..
ربما يقرأ مقالتي هذه، ويسارع الى دعوة كل القريبين منه وقت قراءتها، ويقول: «شايفين؛ الصحفي بيحكي عني، سألته يا عمي وما جاوبني، شو بده يحكي يعني، القصة مكشوفه و (كله بيضحك على كله)»، ولو كان في بيته حين قراءته المقالة فهو ربما سيلجأ الى حالة من «الهيجان المتكلف» التي تراود رؤساء العصابات المسلحة، حين يعربدون على عناصرفي تنظيمهم، ويبالغون في ردة فعلهم تجاه أمر عادي، فيصرخ صديقنا في البيت: « هذه صحافة ما بتنقل الا الكذب للناس، وما بيحكوا عن مشاكل الشعب، وما بيقدروا يواجهونا، وبدهم يقنعونا بإنه اللي صار وقت الثلج ليس مؤامرة ولا خيانة عظمى ولا فسادا ولا استعمارا وعولمة، لازم تستقيل الصحافة والحكومة ..لازم يحطوني رئيس حكومة، اصلا انا ما بقبل أصير رئيس حكومة بهالبلد»، ثم يصرخ في وجه زوجته: «وين القهوة ولك.. افففففف ..شو بدنا نعمل ..آخ يا بلد!.. كله بيتخوث على كله».
أحد الأصدقاء قرأ رسالة جلالة الملك الى رئيس الوزراء حول العاصفة الثلجية، واقتنع أن إشارة «بطولة زائفة» الواردة في الرسالة مقصود بها شخصية أكاديمية، فاستغربت هذا التحليل بالطبع، وتذكرته حين التقيت بالمواطن صاحب «كله بيتخوث على كله»، فكلام الملك عن البطولات الزائفة واصحابها سبقه وتلاه حديث عن المعلومة والحقيقة والتهويل وعن النقد البناء الصادق الهادف، فالإشارة الكبرى موجهة للإعلام المنفلت ونكراته المريضة الموصوفة بلجوئها الى الإثارة والتحليلات غير المنطقية، وتلفيق الأكاذيب ..الخ.
حالة من «الانفصام» تسيطر على إعلام وحراك الغفلة، ولا أتحدث هنا عن تداعيات العاصفة الثلجية فقط، بل عن الحوار العام الذي يغيب عنه المفكرون الحقيقيون والمختصون، ويفسح المجال الرحب لمراهقي الكلمة لصوص النص والفكرة، وطلاب الشعبية الرخيصة وفلاسفة الزمان، وهذا ما يجعل الحقيقة ضائعة بل مطرودة من فضاء وهواء الحوار العام، الذي يجب أن يجري برعاية منطقية وفكرية ووطنية ويدور حول هدف وطني وانساني كبير، بعيدا عن اصطياد الشعبية والنجومية والبطولات «الدونكيشوتيه»، التي تنهج طريق التضليل والخداع والكذب..
في عصور الظلام؛ كان الصحفي يكذب ويختلق القصص لتوصيل الحقيقة، بينما يقوم السياسي بالكذب لإخفائها، وحين أصبحنا نتمتع بكل هذا النور والحرية، تسلق المتسلقون الصحافة والاعلام وكذلك فعل السياسيون الحائزون على شعبيات رخيصة، فأصبح الكذب مهنتهم الأولى لإخفاء وطن من حقيقة، واعتباره مجرد سوق لسلع زائفة تجارها وأبطالها زائفون وغير مؤهلين لولوج مساحات الشأن العام..
«كله جاي يعرج في حارة السقايين ..كله أبطال، وكله مش شايف ولا عارف كله»..
[email protected]

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش