الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

المسار القُدسي والتطهّر بالدناسة البُعد الإنساني في رواية الذرة الرفيعة الحمراء لـِ “مو يان” (1)

تم نشره في الجمعة 13 كانون الأول / ديسمبر 2013. 03:00 مـساءً

* معاذ بني عامر

منذ أنْ لامسَ الكائن الإنساني تُراب الأرض فقد أصابه الدَنَس، ولربما أتت المحاولات المُتتالية للخروج من هذه الأزمة؛ بـِ شقِّ طريق خارج شرنقتها، ومن ثمَّ بالتعالي عليها، عبر البحث عن الجانب المعنوي؛ اللامرئي، المتواري، المُقدَّس لدى هذا الكائن، ومحاولة إثبات أنَّ الإنسان كائن مُفارق لوضعيته الأرضية، الطينية؛ فالمعاقرة الجسمانية محض إحداثية تافهة إذا ما قُورِنَت بالمسار الملحمي للجانب المعنوي للكائن الإنساني.

تنتاب المرء –في كثيرٍ من الأحيان- حالة من عدم السواء الوجودي، لا سيما ساعة تتجلَّى جدلياته ظهوراً مزدوجاً في ذات اللحظة. ففي الوقت الذي يُفكِّر فيه بـِ مُقدَّسٍ من مقدساته، تُلمّ به رغبة عارمة بالذهاب إلى دورة المياه والتخلّص من ضغط مثانته الممتلئة!.

كان القديس “أوغسطين” قد اعتبرَ صلب السيد المسيح من وجهة نظر الرواية الإنجيلية نوعاً من (الخطيئة المقدسة)!. نتيجةً للنتائج التي ترتبت على هذا الفداء العظيم. صحيح أنَّ الدمّ قد سال بغزارة بفعل الإقدام على فعل كارثي مُتمثّل بـِ صلب المسيح والترويع بجسده المُبارَك، إلا أنَّ المُتحصَّل من هذا الحدث هو إيجاب خالص طالما أنه يصبّ في صالح البشرية وافتدائها.
وفي النص القرآني جاء الآية (66) من سورة النحل: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنَاً خَالِصَاً سَائِغَاً لِلشَّارِبِينَ}.
هَهُنا، ثمة كشف إلهي عميق عن الجدلية العظيمة التي تطبع الكائن الإنساني بطابعها العام، ألا وهو تجلِّي الطهارة من دناسةٍ مُقزّزة!.
السؤال الذي بقي حاضراً في ذهني طيلة الفترة التي قضيتها (عموماً هي فترة قصيرة جداً، لأنَّ الرواية من النوع الذي يلهم العقل ويأكل لحم الرأس) في قراءة رواية (الذرة الرفيعة الحمراء) (2) للروائي الصيني “مو يان” هو: إلى أيِّ حدٍّ يُمكن للقذارة الإنسانية أن تتحوَّل إلى مشهد إنساني ملحمي، يطبع المسار البشري بطابعٍ عظيم ويحوّله إلى أيقونة وجودية، حتى في بحثه المحموم عن تخارجات وتموضعات خارج هذا العالَم المُلطَّخ بالدمّ الفاسد والقذارة القبيحة؟.
إِنَّ لحظتي الوجود الحَرِج، هما لحظتان –وإن كانتا لحظتان مصيريتان- قذرتان بطريقةٍ أو بأخرى، لذا تتكالب ذوات أخرى على تطهير الذات (المولودة/ الميتة) لكي تدخل إلى هذا العالَم أو تخرج منه وهي طاهرة مِمَّا علق بها من شوائب وشائبات. فالولادة مقرونة بالدمّ، والموت مقرون بتفسّخ الجسد، والعمل جار منذ القدم على تطهير هاتين اللحظتين لما تحملانه من قيم عُليا في المخيال الإنساني.
وعليه، فثمة حنين مبدئي في رواية (الذرة الرفيعة الحمراء) إلى هذه القذارة الإنسانية، بصفتها مشتركاً إنسانياً بين ذواتٍ لا حصر لها في هذا العالَم، فهي الأُس المبدئي الذي تستند عليه الذات في مقاربة وجودها عياناً وواقعاً. 
إنَّ القداسات الإنسانية اللاحقة هي محض انبناءات هامشية على المتن الإنسي المُدنَّس، وتلك الطهارات التي اسْتُحْدِثَت لاحقاً ما هي في جوهرها، إلا انسلاخاً إنسانياً عن مراحله البدئية وتكويناته الأساسية المشتركة مع كثير من الكائنات الدابّة على الأرض.
في العنونات الرئيسية لرواية (الذرة الرفيعة الحمراء) قاد الإنسان –الإنسان الصيني كَمُمثِّل للجنس البشري كاملاً- صراعاً دامياً ضدَّ العدَم، امتثالا ًلرغبةٍ عارمة في الحياة وممارسة حقّه في الوجود بعيداً عن أية إكراهات.
الصراع ضدّ المحتل الياباني والمُـتعاون الصيني؛ الصراع ضدّ الكلاب؛ الصراع ضد المعاناة الإنسانية والألم المُروِّع، والمشهد الروائي العظيم الذي أبان عن رفض البطل لمسار الثورة الثقافية في الصين إبَّان الحكم الحديدي لـِ “ماوتسني تونغ” مؤسِّس الصين الحديثة، إذ عَمدَ أحد أبطال الرواية الذين تعرضوا لعذاب جسيم من المحتل الياباني، إلى الذهاب إلى مقر الجمعية التعاونية لطلب ما يُعينه على جوعه الكبير، إلا أن طلبه قُوبِل بالرفض امتثالاً لقوانين الثورة، فما كان من الراوي (في واحدٍ من أكثر العبقريات الروائية إبداعية وإخلاصاً للإنسانية والإنسان) إلا أن عَرَّى البطل من ملابسه في يوم صقيعي مثلج، بفعل الحرارة الداخلية الكبيرة له، وألصقه بجدارٍ مُكهرب وتركه مشبوحاً عليه مثل أيقونة مُتفحّمة!.
إِنَّ القذارة الإنسانية هي التي تُميت الإنسان مثلما هي التي تُحييه، وما هروب الإنسان ناحية قداساته –لا سيما في لحظات الحسم- إلا من باب الاحتيال على ما يفرضه الواقع من استحقاق وجودي عنيف، لناحية التموضع في شرنقةٍ مليئةٍ بالدم والسفالة والقذارة والعوالق والأشنات والأمراض والديدان والعناكب والحشرات القاتلة والمياه الآسنة والمخاط والبصاق والبول والمسابر الطبية المليئة بحقنٍ من دمٍ إنساني مُلوّث ومريض.
إن صراعاً دامياً بين بني البشر والكلاب –كما صُوِّرَ بطريقةٍ بديعة تنمّ عن عقلية روائية كبيرة، في رواية الذرة الرفيعة الحمراء- مُؤشِّر تصاعدي في مسيرة الإنسان ناحية التحقّق في جدلية (القذارة/ الطهارة)، إلا أنَّ سقوطاً مُدوّياً في مراتع الدود هي واحدة من استبصارات الروائي الصيني “مو يان”؛ ففي اللحظة التي قاد فيها البشر معركة مصيرية ضدّ الكلاب الشرسة؛ ضد هذه القذارة الإنسانية، كان ثمة (لا وعي) جمعي يتجلّى (وعياً) ظاهرياً بأنَّ الكلاب المسعورة داخل الإنسان هي التي تُقاتِل الكلاب الحيوانية، وعندَ أي لحظة يُمكن للكلب المُؤَنْسَن أن يصير كلباً حيوانياً، فالعلاقة الحلولية بينهما هي علاقة أُسّية؛ مبدئية، غنوصية. وهذا بالفعل ما حدث عقب التواصل العنيف بين بني البشر والكلاب، إذ صار الإنسان يأكل لحم الكلاب وله رائحة قريبة من رائحة الكلاب.
لربما، أصابَ الإنسان هَهُنا نوع من التقزِّز والاشمئزاز؛ ليكن!. لكنها واحدة من أعمق الإحساسات الإنسانية تجلّياً في العيان الإنساني، فتلك المأثرة الوجودية بالانعتاق من ربقة الدَنَس والوساخة، والاندماج في مسار قُدسي، مأثرة متموضعة وقارّة في القذارة الإنسانية، ولا يمكن للإنسان أن يرقى إلا إذا عاين هذه الوساخة والقذارة بصفتها ضرورة وجودية، أكثر منها حاجة حيوانية. فالدمّ والمرض والبصاق والمخاط والبول والاقتيات على الجثث والرمم مهم جداً للارتقاء والانعتاق. فمرحلة التحوّلات الكبرى تتطلب بدءاً فترة انتقالية (هذه الفترة الانتقالية تستمر من لحظة الولادة إلى لحظة الموت) للارتقاء ناحية القُدس والمُقدَّس، بالانعتاق من الدَنَس والمُدنَّس.
في العام الماضي حصلَ “مو يان” على جائزة نوبل؛ أظنُ أن بديعته الروائية (الذرة الرفيعة الحمراء) تحمل إرهاصاً كمونياً لحيوات إنسانية قائمة أساساً على الجدلية العظيمة بين (دناسة/ قذارة) الكائن الإنساني و (قداسته/ طهارته) بصفته وضعاً صيرورياً –بلغةٍ فلسفية- إلى ما لا نهاية، وعلى المقاربة العبقرية لهذه الجدلية، بلغةٍ أدبية قريبة من الحسّ الإنساني والاحتياجات الأساسية للوجود في هذا العالم، أعتقد أنه يستحق جائزة نوبل عن حقّ وحقيق، فهو ناطق بمنطوقٍ عاطفي دفَّاق عن مجموعٍ إنساني كبير.
(1): الرواية من ترجمة “حسانين فهمي حسين” وصادرة عن المشروع القومي للترجمة/ القاهرة، في العام 2013.
(2): أشير هنا إلى أني أُقارِبُ الرواية من زاوية خاصة لا من زاوية عامة، فالعدسة أركّزها على بؤرة واحدة في النص المذكور، وليس على عديد بؤر.

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش