الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نصف ساعة مع الرئيس التونسي

د. مهند مبيضين

الأربعاء 4 كانون الأول / ديسمبر 2013.
عدد المقالات: 1047

خارج الحوار الممكن والمتاح، كان لا بدّ من مشاهدات أو انطباعات في تونس الثورة والمرحلة الانتقالة، وهي مشاهدات كانت كافية لتبدد الصور والأحكام، فهنالك للوهلة الأولى يبدو أن الوضع لم يتغير كثيرا، غير أن البشر يتحدثون بحرية أكبر، في المقاهي والشارع وفي المجالات العامة، وصحافة جديدة ظهرت دون حدود لها.
زرت تونس العام 2009 في عهد بن علي، كانت بلدا اشبه بمريض في حالة اختناق جراء نقص الحرية، وغياب المعارضة، ولكنها كانت أكثر انضباطا ونظافة، فاليوم ليس من السهل أن تشاهد شارعا يحمل اسم شارع باريس يغرق بالنفايات وليس سهلا عليك أن تشاهد عبارات مبثوثة اليوم على الجدارن وجرى طمسها لأنها تمثل عيبا وتقع خارج الذوق العام، وليس سهلا أن ترى بائع البيض المسلوق مع الخبز وقد قرر طرح كل القشر في الشارع.
ومع ذلك، تظل تونس بلد العقل المتنور وبلد التحولات، منها ولدت محاولة التجديد العربي مع ابن خلدون في زمن انحطاط كامل عاشته الأمة، ومنها كان عبور الدستور للثقافة العربية من نهاية خمسينيات القرن التاسع عشر. لقد عرفوا الدستور قبل أن يعلن في تركيا للمرة الأولى العام 1876م.
وتونس كانت رائده في تنظيم الأسرة في زمن بورقيبة، وهي التي ايقظت الربيع العربي، ومنها زحف إلى المشرق العربي، واليوم برغم كل ما يقال وما تعيشه من مزاودات وإعلام منفلت تشيع فيه روح الاتهامية والنيل من الشخوص، فهي قادرة على التجاوز.
الفقر التونسي وفشل التنمية ليس مسؤولية حزب بعينه بل موروثا، والثورة التي فتحت الآفاق للمطالب الشعبية لا تخلص إلى نتائج في غضون عامين أو ثلاثة، فالرئيس التونسي متفائل والشيخ راشد الغنوشي يرى أن النهضة قدمت التضحيات وتنازلت عن بعض مكاسبها لأجل الوطن.
الروح الوطنية عالية، ولكن الاتهام للنهضة بأنها تتهاون مع السلفية الوهابية موجود، والاتهام لعناصر النظام السابق موجود، والاتهام لقوى خارجية تريد أن تعطل الربيع وتنهيه في مهده موجود، والشكوى من التدين واسلمة المجتمع موجودة، كل ذلك موجود وكل ذلك يعني أن المجتمع يعيش التحولات الحقيقية.
الدين وإدخاله في السياسة هو المرفوض عند بعضهم، والدين وحضوره مرغوب عن طرف آخر، لذلك فإن الحلول هناك تكون صعبة وتتطلب التوافق من الجميع على الأولويات، لا بل يذهب عالم الاجتماع التونسي الطاهر لبيب إلى أن:» الثورة صيرورة مركبة يحمل زمنها الاجتماعي ما يتراكم، في تجاه أهدافها، ولأنها مركبة، فإن أصعب ما فيها إعادة البناء. الصعوبة مأتاها مطلب القطيعة: هو مطلب شرعي، اجتماعياً وسياسياً وأخلاقياً ولكن حدوده متحركة...».
تونس في عرف أهلها تتحول، وفي رأي العرب والغرب، أول البدايات، ويراد لها أن تكون نهاية في خُلد من يكرهون الحرية، وهي على الأقل اليوم تحفل بالتعددية إلى حدّ أنها اصبحت ظلا ثقيلاً تثوي خلفه كل الاحتمالات الممكنة مستقبلا. ولكن على الأقل تبدو اليوم تونس الأخرى والجديدة، وهي غير التي زرتها العام 2009 في زمن الاستبداد أو ما شاهدته فيها العام 2012.
نصف ساعة امضيتها مع الرئيس التونسي في قصر قرطاج صباح الجمعة الماضي في لقاء بسيط، أظهر أن عند الرجل شوق للتغيير المنتظر، ومعرفة تامة بأن الثورة لم تحقق كل وعودها، لذا يحس بعبء اثبات نجاح الربيع وهي مهمة يرى التوانسة ورئيسهم أنهم منتدبون إليها قسراً، لأن الربيع في دول أخرى انقلب لفوضى وخراب، وعند المرزوقي إدارك لما يستطيع ولا يستطيع، وتحذير من الخوف والإفراط بالأمل، هو رئيس يحيط نفسه بنخب أكاديمية على الأغلب في إدارته التواصلية، نخب لم تتورط في الدعاية لأي أحد من قبل، يحاول أن يكون للكل، ويذكر بقول عبد العزيز بوتفليقه حين انتخب رئيسا للمرة الأولى وقال: لا ينفع أن أكون رئيسا لثلاثة أرباع الشعب، أنا للكل» هكذا يقول المرزوقي، وهكذا يأمل، لكن المفاجآت هناك كثيرة.
[email protected]

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش