الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

وصفي التّل... عَبقريّة الذِّكرى والذَّاكرة

محمد حسن التل

الخميس 28 تشرين الثاني / نوفمبر 2013.
عدد المقالات: 371

عَداك الذّم يا وصفي..          رماحك غير مسنونة...

  يدور الدّهر دورته من جديد وتكتمل أقماره، لنقفَ في محراب ذكرى سيّدٍ أردني، وفحل من فحول العروبة... وصفي التّل، الذي لا يزال حاضرا في ذاكرة الأردنيين، منذ ما يزيد عن الأربعة عقود، منذ أنْ امتدّت له يدٌ غادرة جبانة لتنال منه، لأنّ الأردنيين لا ينسون... وهنا تكمن العبقريّة في ذاكرة الأردنيين، حيث لا ينسون من خدمهم وضحّى من أجلهم، في الوقت الذي لا ينسون من طعنهم في ظهورهم.
  وما ميّز استشهاد وصفي، أنه لم يُقدّم روحه على قربان الشهادة فقط فداء لوطنه، بل كانت روحه فداء لقضايا أمته، وفي مقدمتها فلسطين، في رثائه قال الحسين : « كان جندياً منذوراً لأمّته ووطنه، وكان أوفى الرجال».
  لقد جسّد وصفي التّل النموذج الأردني فكراً وسلوكاً، ونهجَ حكمٍ وزعامة، واستطاع أنْ يُحافظ على أصالته، والتصاقه بالأرض وهموم قومه، فخلَّده الناس في قلوبهم حياً، وفي ذاكرتهم شهيداً، لقد كانت عبقريّة وصفي تكمن في ولائه المطلق لوطنه أولاً، الذي رأى فيه الشّهيد، كما كلّ أحرار العرب، 
الجذرَ الأساسَ في توحيد الأمّة بكاملها، وأحبَّ ترابه وتفانى في الدفاع عن قضايا أمّته، وعند الحديث عن وصفي في ذكرى استشهاده، فإنه لا يُمكن حصر هذا الحديث من الزّاوية الأردنيّة فقط، بل لا بدّ من الحديث عنه كنموذج عربي، أضاء سماء القوميّة العربيّة، وكسر كلّ الحدود، وحلَّق بأجواء عالية في سماء العروبة يبحث عن الوحدة والأمّة.
  لم تكن المسؤولية العامّة عند وصفي تشريفاً، بقدر ما هي تكليف، ولم يكن المنصب العام عنده، إلا مكاناً واسعاً للتضحية من أجل الناس، حارب وصفي الفساد بشراسة الفرسان، لأنه كان يَعي تماما أنّ هذا المرض إذا استشرى في المجتمع والدولة، كان عاملاً قوياً في انهيارها، كما عمل طوال سِني عمره، سواء كان في الحكم أو خارجه، على إيجاد اقتصاد وطني يحمي البلاد من التبعيّة، من خلال تعظيم الموارد الوطنيّة الذاتيّة، وراهن على جيل الشباب من خلال رؤية وطنيّة شاملة، على اعتبار أنّ الشباب هم عتاد الحاضر، وبُناة المستقبل.
لقد مارس وصفي الحكم بإخلاص مُنقطع النّظير، لقيادته ووطنه وشعبه وأمّته، وقدّم في نهاية الطّريق دمه وروحه، ثمناً لمواقفه الوطنيّة والقوميّة، ولم يؤمن يوما بأنّ فلسطين ستُحرّر إلا عن طريق المواجهة مع المُغتصب، 
وله في ذلك مئات المحاضرات والكتب والمشاريع السياسيّة، التي تدعو العرب إلى اعتماد طريق واحد للتحرير، وهو طريق المنطق أولاً، ثم الإعداد المتين للمواجهة، بعيداً عن دهاليز المفاوضات، ووهم السّلام مع الإسرائيليين، وقد ثبت ذلك بعد أكثر من أربعة عقود على رحيله. 
  لقد خَلَّد الأردنيون وصفي في ذاكرتهم، لأنهم كانوا خالدين في فكره وسلوكه، كزعيم وطني ينظر لقومه من منظار المصلحة العامة، وهنا تكمُن العبقريّة في ذكراه، حيث استعصت على النسيان، لأنّ الزَّعامات الحقيقيّة هي التي تخلد في ذاكرة النّاس وعقولهم وقلوبهم.
  نقفُ اليوم على ضريح وصفي، نتلو عليه حزبا من القرآن، وتنهمر دموعنا حارة على الذكرى العظيمة، ونَحِنُّ إلى ذلك الزّمن الجميل، وصيحات الثأر تُدوي في أعماقنا، وصوت عَرار يهتفُ من خلف العقود، يُنادي بِكْرَهُ وصفي...  عداك الذّم يا وصفي    رماحك غير مسنونة    ودرب الحرّ يا وصفي كدربك غير مأمونة...
  ستظلُّ ذكرى وصفي ماثلةً فينا، جيلاً بعد جيل، ودهراً بعد دهرٍ.. أمّا الجبناء الذين تآمروا على تغييبه، ففي اللحظة التي اخترق فيها رصاصهم 
جسده الطاهر، تواروا هم خلف جُدُرِ الخسّة والنسيان والخوف، مُتسربلين في ثوب النّذالة والجبن... ستظلُّ دماء وصفي التّل، كدماء كلّ الشهداء، عامود نور تُضيء للأجيال طريقها نحو العزّة والشّرف، ولهيبَ نارٍ تلفح  وجوه الذين لا يُراعون إلّا ولا ذمة في وطن وأمّة. في هذا اليوم نُسلِّم على روح وصفي، وعلى أرواح كلّ شهداء الأردن، الذين ضحوا من أجل وطنهم 
وأمّتهم... 
ونُردّد:
سلامٌ عليك يا أبا مصطفى... يا ابن عم... أنت ورفاقك كلّما أشرقتْ شمسٌٌٌ وان غاب نجوم...

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش