الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الأنساق الاجتماعية في أربعون رصاصة تكفي

تم نشره في الجمعة 12 آب / أغسطس 2016. 08:00 صباحاً

 نسق الذات:

بعد رحلة طويلة بالكتابة والنشر في الصحف المحلية، قدم رامي الجندي أولى أعماله المخطوطة في مجموعة قصصية كان للقصة القصيرة النصيب الأوفر في بناء هذه المجموعة التي استطاع من خلالها أن يسبر أغوار المجتمع بأنساقه الثقافية والاجتماعية.

الذات المتمردة:

تتجلى الذات في نسق ثائر،  تمرد على معطيات ظنها المجتمع أنها حقيقة يعيشها القاص رامي الجندي، الذي يقول في إهدائه (صفحة 7): «إلى الذي حرضني كي أتمرد على حلمي» ، فهل يتمرد القاص على ذاته؟ أو حلمه أم هو تمرد على المجتمع الذي لا يعي المخزون اللغوي والثقافي الفكري والاجتماعي عند رامي الجنيدي والذي يقول في إهدائه «حتى ضحك اللاوعي من إصراري، وقال لي: أعجبتني».

فهو متمرد منذ الطفولة، لكنه يتساءل لماذا انتبه اللاوعي له هذه المرة، ربما كان تمرد رامي الجنيدي مشروعا يسكن داخله، لكن التمرد ظهر جليا بكسر المتوقع عند المجتمع خاصة الأصدقاء والأقارب، فهو حالم متمرد يرتجف منه ظله.

 لكن هذا التمرد قد شكل مساحة قصصية منذ الطفولة حتى إنشاد اللحن الأخير، مما يدلل على تطور رامي الجنيدي حتى الآن في مراحل ثلاث عاشها قصصيا، لكن اللحن الأخير سيكون ارتباطا مع تلك البطولة التي ينشدها، لأنه لم يطق صبرا على الأدوار الثانوية التي يعيشها البعض في هذا المجتمع بسعادة غامرة.

لكنه غيرهم، فهو ينشد البطولات والتميز والتألق مقدما لنا صورة الإنسان الثانوي في قصة (حلم صفحة 31)، لكن هذا التميز حتى وإن كان حقا لصاحبه لا يؤخذ إلا بالقوة إذ يقول في قصة حلم « من أنت لتفعل بي ما فعلت وتأخذ مني دوري الذي تعبت من أجله».

هذا ما قاله صاحب القبعة السوداء الذي نفض الغبار عن معطفه، إذ تقدم لنا قصة حلم قيمة الذات الواعية لقدراتها بأنها قادرة على العبور من الأدوار البديلة إلى أدوار البطولة، ولم يحتج المشهد سوى دقيقتين ليثبت لذالك العابر في الحلم أنه يستحق المكان الأفضل لقدرته على إتقان دوره في الحياة والمجتمع فيقول:

«أنا مجرد عابر في هذا الحلم أو كومبارس ولم يكن دوري في المشهد سوى دقيقتين، لكن الحلم سلط الضوء علي ولأنني اتقنت دوري أصبحت البطل».

الذات المنغلقة على نفسها:

هي الذات التي عبر عنها القاص رامي الجنيدي في قصته (حلم صفحة 31) هي ذات تحمل أنساق عدة وذات تقرأ التاريخ والتراث وتعبر عنه بأسلوب فني حتى يفهم المجتمع أنساقه الثقافية والاجتماعية وأن هذا المجتمع لا يعيش نسقا واحدا.

حيث تمثل قصة (حطامي) نسقا آخرا لذات القاص صاحب (أربعون رصاصة تكفي)، فهي ذات متحطمة، تقذفه الأمواج، لكن حطامه يتركه بعيدا لا تتذكر عبوره في هذه الحياة، وفي هذه القصة يعبر عن ذات منتكسة، محطمة، لم تبحث عن إعادة ترتيب هذا الحطام، فقد كان صوته الداخلي صوتا ضعيفا ينتظر الإعتراف من الآخر على عكس قصة حلم, حيث أخذ دور البطولة.

إذ يقول في قصة حطامي : «بعد أن حطمنا الحلم، وقذف بي أنا وبقاياي نحو أقرب مرفأ، قال لي حطامي، من أنت؟ ألم تذكرني لقد كنا معا قبل أن يحطمنا الحلم- لا لم أتذكرك لكني تذكرت الحلم».

ليؤكد في مجموعته القصصية، مستفيدا من فكرة الحلم ومعانيه ومغازيه من تصوير الذات المنغلقه التي لم تشرع نوافذها وأبوابها للتمرد بعد في قصة (حلم مزعج صفحة 25)  يقول رامي الجنيدي « بعد أن أيقظني دمي قلت لقاتلي: لماذا أطلقت علي أربعين رصاصة، وقتلتني قبل موعدي، قال لي: لا أعرف يا سيدي ولكن حلمك أزعجهم كثيرا».

لماذا لم يقل لكن حلمك أزعجني كثيرا، بل استخدم ميم الجماعة للتعبير عن محيط مجتمعي يقتله قبل موعده، ويطلق عليه أربعين رصاصة ولا يصحو إلا بعد أن يوقظه دمه.

 ويؤكد على هذا المعنى بقصته (موت ولكن على طريقتي صفحة 47)، حيث يستعمل الحيلة والذكاء للنجاة من الموت، ويفتح فوقه في تلك الذات المغلقة ليعبر منها إلى مساحة أوسع ربما كانت طريقته للتمرد.

 إذ قال لقاتليه في قصته «قتلي لا يحتاج أكثر من رصاصة» فلماذا يطلقون عليه كل تلك الرصاصات، ولماذا تلجأ الذات المغلقة إلى الممثل ليعبر خلسة عما يدور في المجتمع من قتل جماعي وبكاء القاتل على المقتول كلما وضع زهرة على قبر قتيل، هذا ما ورد في قصته (الممثل صفحة 45) .

ولماذا يؤكد على مفهوم الموت في قصة (تابوت صفحة 43) ولماذا يستدعي شخصيتي هولاكو والزير سالم في قصة (خلاف)، أهي الذات المغلقة؟ أم هي الذات التي تبحث عن نسق جديد لها في الحياة؟ وربما في الموت وربما في العيش وربما في القتل.

فكلاهما أي هولاكو والزير سالم اتقنا الحياة وبحثا عن الحرية بسفك الدماء، فهل هي الذات المتمردة التي تقرأ نصر هاتين الشخصيتين أم هي الذات المغلقة؟

 أنساق ديكتاتورية:

هذا النسق المجتمعي التي تعيشه الذات بعيدا عن حريتها وحقوقها قي ظل أحكام عرفية وربيع عربي لا يكاظ يخرج عن كونه خدعة مجتمعية، مشككا بالسياسات والحروب التي لا تخرج عن كونها سيناريوهات وخدع مصيرية اتفق عليها الجنرالات.

أذ يمثل الجنرال في صفحات مجموعة (أربعون رصاصة تكفي) تمثل الديكتاتورية بصفاته وأشكاله، وكأن الجنرال يعبد انتاج الواقع كما يعبد المخرج انتاج افلامه ويظهر ذلك جايا في قصة (مؤامرة): «أصاب المخرج العالي القرف من الخدع البصرية، وقع في المساء مع كبار الجنرالات على اتفاقية أن تكون أفلامه على أرض الواقع وأن يكون أسم الفيلم الجديد الربيع العربي».

والجنرال في قصة تمرد مهووس بالدماء والقتل، إذ يتقن الجنرال لعبتين، الأولى لعبة الشطرنج والثانية لعبة قطع الرؤوس، ويبقى الجنرال رمز للديكتاتورية في قصة (رفيق الخدمة) التي ذهب فيها أحد الجند من أرض المعركة ليودع حبيبته.

 هذا المشهد  الرومنسي الجميل لم يفهمه الجنرال ولم يفهم تلك الروح الإنسانية والغريزة البشرية، في الحب والحرب، لم يفهم الحب لكنه فهم الحرب، فأمر الجنرال بإعدامه رميا بالرصاص بتهمة الخيانة العظمى وبدون محاكمة.

ربما يحثنا القاص رامي الجنيدي على الإنغلاق على الذات والاستكانة لأوامر الجنرال ولكن بالمقابل، ربما رفض هذا الرضوخ والاستسلام والقتل المجاني من جنرالات لشعوبهم ونحن نغيش في زمن «لا يعرف المقتول فيم قتل» كما  روى أبو هريرة عن الرسول في الحديث الشريف.

لكن الجنرال الذي خاض حروبا كثيرة وحقق كثيرا من الانتصارات يخسر معركته الأولى في فراش الزوجية فيقول رامي الجنيدي في قصته (أم المعارك صفحة 59) على لسان الجنرال: «أنا الجنرال الذي يخشاني قادة الجيوش العظام، أخسر معركة صغيرة تافهة».

فالجنرال الذي يخوض المعارك لم يعرف نسق الحياة الزوجية ليتعامل معها بعيدا عن حالة الحرب والقتل والدماء، ولم يعد يفهم أن الحياة تقوم على الحب أكثر مما تقوم على الحرب، ففي قصة (الذبابة صفحة 35) ما زال الجنرال المتقاعد يتعامل مع أسرته بأنهم جند في كتيبة يصيح فيهم أن يلقوا القبض على الذبابة!؟

هل ما يقدمه رامي الجنيدي في مجموعة (أربعون رصاصة تكفي) صورة أم أ،ساقا حياتية متعددة يدرسها في قصصه من أوجه عدة يدرس الجنرال في الحرب والبيت والزوجة فاقدا مفاهيم المجتمع وأنساقها، حيث تقوقع الجنرال في بزته العسكرية التي لم يستطع أن يخرج منها.

وتعد قصة (المعارض) من أهم قصص مجموعة أربعون رصاصة تكفي إذ يقدم صورة مزدوجة للمعارض والموالي، وكما يقول العامة في المثل الشعبي (الشخص الذي يلعب على الحبلين)، فالجنرال يلعب دورا كبيرا في المعارك الحربية.

 لكن قصة المعارض تقدم لنا نسقا جديدا للجنرال المعارض الذي يسجن ثلاثين عاما ليخرج من السجن برتبة جنرال ليقوم بمهامه الأخرى في خدمته العسكرية خارج السجن إذ يقول:

«دخل إلى مكتب مدير السجن، فز المدير من مكانه وأدى له التحية: تهانينا سيدي القائد، لقد جاء للتو قرار ترقيتك إلى رتبة جنرال وقد أوكلت لك مهمه أخرى خارج السجن»

ليثير فينا رامي الجنيدي مفهوم الذات المتقلبة ويشككنا بكل موالٍ للنظام، كما يشكك بكل معارض للنظام، إذ تقدم لنا قصة المعارض صورا متباينة في خدمة النظام داخل السجن وخارجه، فلكل مكان مهمته الخاصة التي يقتضي على القائد تنفيذها حتى يصبح جنرالا.

رامي الجنيدي، كاتب شاب يقدم مجموعته القصصية الأولى أربعون رصاصة تكفي والتي نشرت عن دار البيروني عام 2016م في هذه المجموعة قدم لنا الجنيدي ما يزيد عن 90 قصة قصيرة تعبر عن أنساق اجتماعية وثقافية متعددة.

 وكان أبرز تلك الملامح نسق الذات ونسق الديكتاتورية وانساق أخرى على القارئ أن يتتبعها بعين المبصر وعقل متفتح حتى يصل بتلك اللغة البسيطة إلى المفاهيم العميقة التي وعاها رامي الجنيدي وأعاد إنجزها قصصيا.

رامي الجنيدي قرأ المجتمع بأناقه المختلفة وأعاد رسم تلك الأنساق لنفهم أنفسنا ويفهم المجتمع ما يعيش.

هذه رسالة رامي الجنيدي مع إقراره بأن رصاصة واحدة تكفي لقتله، فلماذا يطلقون أربعين رصاصة؟



* شاعر وناقد من الأردن



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش