الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

يا رايحين على حلب ..

د. هند أبو الشعر

الخميس 11 آب / أغسطس 2016.
عدد المقالات: 156

  من يجرؤ منا على رفع صوته بالغناء هذه الأيام مرددا اللحن الشامي الجميل ( يا رايحين على حلب حبي معاكم راح  ، يا محملين العنب تحت العنب تفاح ..؟)   ومن منا لم يطرب على هذا اللحن الشامي الذي رددته الجدات في صباهن وهن يقمن بأعمال المنزل ، ويرفعن أصواتهن بالغناء العذب (كل من حبيبه معه وأنا حبيبي راح ..! ) في الذاكرة الشامية من أقصى بلاد الشام إلى أقصاها تعيش صورة حلب ، حلب التي تبعث الطرب ، وتختبئ في حمى القلعة  الشامخة مع أنفاس سيف الدولة الحمداني ومع أبيات أبو فراس “ زين الشباب الذي لم يمتع بالشباب ..! “ ، حلب التي قيل في تجارها الذين يتمتعون بالحذق في التجارة ،  المقولة المشهورة التي  سمعناها على ألسنة الناس دائما ( اذهب أينما ذهبت في أراضي الله الواسعة فستجد تاجرا حلبيا حتى لو كان أعرجا ..! ) .

 لا يمكن  لنا ونحن نحدق في الشاشات المجنونة التي تعرض لحلب اليوم إلا أن نستعيد الصورة الرائعة لفيصل بن الحسين عام 1918 م وهو يقف على شرفة الفندق الحلبي  الشهير  “ البارون “  ويخطب أهالي حلب .. كيف ذهبت نبرات صوت فيصل بن الحسين في طيات الزمن ..؟ هل يمكن لجدران حلب أن تنسى هتاف الجماهير التي ازدحمت بها شوارع المدينة وأكف الأهالي الذين كانوا يصفقون بكل حرارة الشوق العربي لقدوم الأمير العربي الذي حمل معه راية العرب وزرعها في حلب ..؟

  استعيد الآن ذات شتاء رحلة جامعية أخذتنا من عمان مع الجامعة الأردنية إلى سوريا ، وكان الأستاذ  الراحل عبد العزيز الدوري يقودنا إلى القلعة ، كان يضع الغليون بين شفتيه ويتحدث عن قلعة حلب وزمن سيف الدولة ، بهرتنا القلعة العظيمة وبهرتنا عظمة المدينة ، وعندما انحدرنا من القلعة إلى سوق حلب المسقوف ، واحتمينا فيه من المطر الغزير الذي بللنا وبعث فينا الفرح  ، اشترى لنا الأستاذ الدوري هدية تذكارية من حلب ، وهي قطعة صابون غار أهداها  لنا  للطالبات ، وكنا ثلاثة فقط ، ما زلت أحتفظ للآن بالهدية ، وأترحم على الأستاذ الدوري وعلى حلب ، وتريدون الحق ، فنحن عرب القرن الحادي والعشرين لا نستحق ما ورثناه من حواضر ، لا نستحق ميراث الحضارة المتعاقب منذ آلاف السنين ، لا نستحق ما تركه لنا عمالقة الحضارات القديمة من أهالي بلاد الشام  من فنيقيين وكنعانيين وعمونيين ومؤآبيين وأدوميين وأنباط  وسريان  ، أو من الذين جاءوا وحكموا بلاد الشام من يونان وإغريق ورومان وبيزنطيين ، فمن منحنا الحق بتدمير ومحو إبداع الشعوب الذين عمروا حلب حجرا حجرا ...؟ ،  نحن ندمر الحضارات بدم بارد ..ويا للأسف على الفرح الذي انتشر ذات يوم في حلب وفيصل بن الحسين يخطب الجماهير من على شرفة فندق البارون .. خسارة أن يموت  الفرح وتنتشر بدلا عنه الرهبة والموت والدمار ، خسارة أن يسقط حجر واحد من حجارة حلب ، وأنا أعرف الآن أننا كلنا نخجل من أن نستمع إلى اللحن الشامي ، ونخبئ وجوهنا بأكفنا  خجلا من التطلع بعيون جداتنا اللواتي غنين لحلب ذات زمن جميل  ، ومع ذلك نقول ( يا رايحين على حلب حبي معاكم راح ..! )

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش