الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

شيخ الدبكة السيراوي وابنه

تم نشره في الجمعة 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2013. 03:00 مـساءً

نازك ضمرة

في الوقت الذي كانت والدة موفق تعاني آلام المخاض أثناء ولادة الطفل موفق، أصيب زوجها (معروف) بمرض غامض أقعده، بدأ الشيخ معروف يفقد قدرته على الحركة والمشي والعمل، ومع مرور الأيام وتزايد الآلام ظل الشيخ الشاب  يحاول المكابرة والمشي على عصوين، لكن مفاصل فخذيه وركبتيه ظلتا تخونانه ولم تتحسنا، ونتيجة عدم المشي والتمرين وانقطاع الأدوية والعلاجات في الثلاثينات من القرن العشرين، فقد قدرته حتى على مجرد الوقوف، ولم تعد ساقاه تقويان على حمل جسمه النحيل.
كان معروف في شبابه نحيفاً نشيطا قوياً راقصاً فولكلوريا ماهراً، يعتز أهل قريته بيت سيرا بفنه وبخفة حركاته، رقص في عرس ذيب نمر، وعرس ذياب الحج، وعرس أبوخضر، وعرس حسن عطاالله، وعرس نمر سمور وغيرهم من أصدقائه، والذين تقارب أعمارهم عمره، كان الشاب معروف نجم هذه الأعراس وزينة شبابها، يشارك  شباب القرية القليلين في نشاطاتهم، ومع ان الله فتح قلبه للعلم ومتابعة المشايخ، إلا انه اعتمد على نفسه فثقف نفسه بنفسه، فنشأ محبوباً متعلماً محترماً في القرية منذ سنوات شبابه الأولى. فقد قدرته على المشي حين بلغ عمره الثلاثين تقريباً، وقضى بقية حياته أسير هذا المرض الذي أفقده قواه والحركات حتى وفاته بعد بلوغة الخامسة والستين، لم تتحطم معنويات معروف أثناء سنوات عجزه، ولم يستسلم الشيخ للمرض ولم ينزو في ركن أو بيت مظلم، بل ثبت بكل قوة واقتدار صامداً متحدياً كل ألم وكل عجز سببه ذاك المرض، واصل تثقيف نفسه، ًفاحتاجه أهل القرية لتعليم أولادهم، حتى إن كثيراً من شباب القرية وكبار السن من الرجال تعلموا على يديه، وأزالوا اميتهم بالتعلم في مجالسه وكتاتيبه، كان يتنقل في مقر تدريسه من المسجد إلى غرفة خاصة بناها لاستقبال طلابه شتاء، وللتدريس على سطح أحد منازل أهله الأثرية صيفاً، وكانت تسمى (الراوية او الرواقية) لأنها تقوم على أروقة قوية متقنة الصنع وحسنة الرصف، ومتماسكة الحجارة قديمة من زمن العصر المملوكي.
حين تزوج أحد أصدقاء الشيخ معروف في أوائل العشرينات من القرن العشرين، ولم يكن قد مضى على انتداب بريطانيا لحكم فلسطين أكثر من ثلاث سنوات، شاركت القرية كلها أهل العريس كالعادة في كل نشاطات الاحتفال رجالا ونساء، شيباً وشباناً، وكان عدد سكان القرية لا يتجاوزون المئتين أيامها، وعدد الشباب قليل، طالت السهرة الأخيرة قبل يوم الزفاف، والقمر يتوسط السماء الصافية، وينير ساحة (الحرجة) وسط القرية وقرب البئر الكنعاني هائل السعة والمسمى الهربّة (بتشديد الباء وضم الراء) والواقع أمام المسجد الأثري من الجهة الغربية الشمالية، تفقد الحاضرون رجال الدبكة والرقصات الشعبية فلم يجدوا الشاب معروف بينهم، فسأل المختار أبو سلمى حمدان
-  مالي لا أرى (معروف) بينكم يا شباب؟ فأجابه علي داود ابو  صفية
-  سألنا عنه قبلك، فقالوا إنه رقص عصراً، وقرب صلاة المغرب أحس بالتعب والنعاس.
-  أين نجده ابحثوا عنه،  فيجيب محمد ابراهيم العنقاوي صديق معروف المقرب منه
-  لا تتعبوا انفسكم ، انه نائم في الغرفة الملحقة بالمسجد، لا يقصد قضاء الليل هناك، بل قال لي إنه يريد أن يستريح  لنصف ساعة  أو  ساعة.
لكن الساعة الآن قاربت العاشرة مساء أي مضى ما يقارب الساعتين على نومه، فوافق الشيخ ذيب على قول المختار، وقال
-  افيقوه فيوم الصفا لا يفوّت، ويقول الحاج حسن الحج،
-  مادام ابن خاله قال افيقوه فهيا ابحثوا عنه.
يحضر معروف بهيئته النحيفة النشيطة، فارع الطول تتلأ لأ سمرة جبهته في ضوء القمر الساطع، أخبره الشباب الذين عادوا معه إن الختيارية يريدون الاستمتاع برقصه ونشاطه الفني الفلكلوري الجميل. أمسك طه مصطفى الحج بحزامه وصار يشده لحلبة الدبكة الفلسطينية، وهو يتمنع ويدعي الكسل، صاح أحد العواجيز بالنساء الراقصات المغنيات أن يغنين أغنية تشجيع للشاب معروف، فسمع اسمه يتردد في أصداء الليل التموزي، واقترن ذلك بدعوات أصدقائه، فأستيقظت فيه نشوة الشباب، وبدأ يستعد للمساهمة الحاسمة والأخيرة في عرس صديقه في تلك الليلة الجميلة، وحين زغردت جارتهم صالحة داود أم عبد الكريم له دب النشاط فيه، فوجد نفسه يطاوع الجاذبين، وينضم  لصف الراقصين، متجهاً إلى آخر الصف، لكن الشباب يعرفون قدره ومهارته، فجذبه أبوخضر علي الحج إلى المقدمة ليكون اللويح، قائلاً
-    وين رايح؟ استلم مكاني، تعبت من قيادة الدبكة، وأنا سأنفخ المزمار لكم، والكل  ينتظر فنك ونشاطك.
تكاثر أبناء الشيخ معروف وبناته، وكلما رزق بطفل جديد ازداد إصراراً على مواجهة مرض التهاب الأعصاب والعضلات وقعوده في البيت، وزاد من اجتهاده وتفكيره بمستقبله ومستقبل أفراد عائلته، وخاصة ابنه الأول  موفق، لما لاحظ عليه من أمارات حب العلم كوالده وتعقله وهدوئه، اجتهد الشيخ معروف في تعليم ابناء القرية، وأصبح معظم أطفالها يعرفون القراءة والكتابة، وبعض الشباب تعلموا قراءة القرآن والحساب والكتابة مثل محمد عيسى وذياب نمر، وموسى الحج ورشيد محمد رشيد وأخوه عبد العزيز وأخوهما الثالث أحمد رشيد وخطاب العبد خطاب وعلي عبد الفتاح ومحمد مسعود ومحمود عوض وحسين حسن عطالله ومحمود حنونة ومحمد على داود وناصر العنقاوي وإبراهيم محمد ابراهيم العنقاوي، فتناقصت  نسبة الأمية كثيراً في القرية بين الذكور بل كادت تكون معدومة في جيل الشباب، واقتصرت على كبار السن من الرجال العجائز تقريباً، ولم يفكر أحد في القرية بتعليم المرأة والبنات في الثلاثينات والأربعينات، وحتى منتصف الخمسينات من القرن العشرين في القرية.
في هذا الجو ولد موفق ونشأ وترعرع على صبر والده الشيخ معروف الصامد، أحسّ بعجز والده عن مساعدة نفسه وحتى عجزه عن مساعدة ابنه كطفل، كان الطفل موفق يشاهد أقرانه ويرى حدب والديهم عليهم وحرصهم على حمايتهم، وحملهم والتنقل بهم بين الرجال، لكنه عاش محروماً من هذه النعمة، لا يخيفه والده ولا يحميه، عوضه الله بأن هداه أن يتعلق بوالده، وبالتصاقه به ومبادلة والده له بالاحترام والحب، فعلى موفق الطاعة التامة لوالده الشيخ، ووالده يمنحه من الحب ما يعوضه عن كل ما ينقصه، فتعمق في موفق طبع الحب، حب الناس والحياة، واحترام الصغير والكبير والذكر والأنثى والطبيعة وحب الله، فتصاعدت مشاعره وأهواؤه إلى السماء، استهل رحلته لها منذ وجد نفسه في الصف الثاني الابتدائي، ومن هناك ظل جسده فقط هو الذي يدب على الأرض،  لكن عقله وروحه وتواجده وأحلامه ظلت معلقة بالسماء. هناك يعيش، وهناك يحقق كل آماله وتجلياته وأفكاره ومشاريعه، فتعايش مع الأرواح والملائكة والمخلوقات العجيبة، لا يراها أحد ولا يسمع أحاديثها، إلا انه كان يعيش عيشين، عيشاً على الأرض من أجل اهل الأرض،  وعيشاً في السماء مع مخلوقاتها الخفية والكامنة بعقله وقدراته وطموحاته، وهكذا ظلت قدراته تنمو وتتطور بين هذين المجالين المنسجمين معه والمترابطين بالنسبة له، ومع طول الزمن وبحكم تربيته المتزنة في بيت متدين هادئ لم يلحظ عليه إنسان تغيراً ما،  بل ارتوى وتغذى على ازدواجية  الشخصية دون أن يعرف عنه أحد، وحتى أن والده أقرب أصدقائه له، لم يعرف عن شخصيته الأخرى بوضوح، وظل يظن أنه صوفي مثله، يستوحي قدراته من قدرات الله، وأن الله هو ملهمه وهاديه،  وكم كان يسعد بمثل هذه الكلمات من فم والده، لأنها لا تتعارض مع تركيبة أجواء عقله، بل كان يسعى للمزيد من تلك الأقوال من والده، يسمع الآيات القرآنية والأحكام والحكم  والنصائح التي تؤيد تواصله مع السماء ودون منافسة، ولهذا اقتنع أن بإمكانه تجنب الأخطاء والأخطار، وانه سينجو من كل تهديد ومكيدة أوأزمة تعرض له، وتم له ذلك بالفعل. وما أكثر المواقع التي وجد نفسه في ساحة الموت المحتم، ويخرج من الخطر وكأن شيئاً لم يكن.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش