الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نظرية الحضارة عند مالك بن نبي.. ونقد فهمي جدعان

تم نشره في الجمعة 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2013. 03:00 مـساءً

د.  زكي الميلاد

تحدث الدكتور فهمي جدعان عن مالك بن نبي في سياقين فكريين عامين، ولم يتحدث عنه مباشرة وبالخصوص، وهذان السياقان هما:
السياق الأول: جاء عند حديث الدكتور جدعان عن فكرة التقدم في المجال العربي الحديث، متتبعا هذه الفكرة، وكاشفا عنها في كتابات ومؤلفات المفكرين المسلمين العرب المعاصرين، كما تجلى ذلك في كتابه (أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث) الصادر سنة 1979م، وفي نطاق هذا التتبع توقف جدعان أمام فكرة الحضارة عند ابن نبي لصلتها وعلاقتها بفكرة التقدم.
السياق الثاني: جاء عند حديث جدعان عن ابن خلدون تأثيره وحضور إشكاليته الحضارية في ساحة الفكر العربي الحديث، مبتدئا من رفاعة الطهطاوي (1216-1290هـ / 1801-1873م)، وخاتما بمالك بن نبي، في دورة زمنية تقدر بمائة سنة تماما، أي قرن كامل، فالطهطاوي توفي سنة 1873م، وبن نبي توفي سنة 1973م.
هذا السياق الفكري، تحدث عنه جدعان وشرحه في مقالة له بعنوان (ابن خلدون في الفكر العربي الحديث) نشرها سنة 1980م، وأعاد نشرها لاحقا في كتابين له، الأول كتاب (نظرية التراث.. ودراسات عربية وإسلامية أخرى) الصادر سنة 1985م، والثاني كتاب (الماضي في الحاضر.. دراسات في تشكلات ومسالك التجربة الفكرية العربية) الصادر سنة 1997م.
وما ذكره جدعان من ملاحظات حول النظرية الحضارية عند ابن نبي في السياق الأول، أعادها وكررها في السياق الثاني، مع قدر بسيط من الزيادة تحددت حول ما افترق فيه ابن نبي عن ابن خلدون من جهة النظرية والمنهج.
وتحددت هذه الملاحظات، في أن جدعان وضع ابن نبي ونظريته ما بين حدين، أحدهما قديم والآخر حديث، ما بين ابن خلدون القديم من جهة، وما بين الفلاسفة الغربيين وحدهم الحديث من جهة أخرى.
في السياق الأول أشار جدعان إلى هذين الحدين، إلا أنه اعتنى أكثر بتأثير الفلاسفة الغربيين، وتغيرت هذه الصورة في السياق الثاني، إذ اعتنى أكثر بتأثير ابن خلدون.
وعن هذين الحدين وتأثيرهما على ابن نبي ونظريته في الحضارة، يقول جدعان: لقد كان مالك بن نبي أبرز مفكر عربي عني بالفكر الحضاري منذ ابن خلدون، ومع أنه قد تمثل فلسفات الحضارة الحديثة تمثلا عميقا، واستلهم في أحايين كثيرة أعمال بعض الفلاسفة الغربيين، إلا أن ابن خلدون بالذات يظل أستاذه الأول وملهمه الأكبر.
هذا النص أشار إليه جدعان في مفتتح حديثه عن ابن نبي في كتابه الأسس، وظهرت عنايته في لفت الانتباه إلى تأثير الفلاسفة الغربيين، في خاتمة الحديث عنه بقوله: وهكذا نجد أن إلحاح مالك بن نبي على الطريق الأصيل، المتميز لحضارة عربية إسلامية جديدة، لم يمنعه في النهاية من استلهام أفكار كسرلنج وفرويد، وعدد من المفاهيم الرئيسة التي يتداولها في عصرنا علماء الاجتماع وعلماء النفس. لا بل إنه ليمكن القول أنه قد أسرف في الاعتماد عليها في بناء جانب مهم جدا من تحليلاته الحضارية، وذلك على الرغم من أنه كان يعلم حق العلم، أن المفاهيم العلمية سواء تلك التي تنتمي إلى الحقل الطبيعي، أم تلك التي تنتمي إلى الحقل الإنساني، ينبغي أن تؤخذ بتحفظ كبير.
وفي السياق الثاني، أشار جدعان إلى تأثير هذين الحدين على ابن نبي، مذكرا ومعيدا النص نفسه الذي افتتح به الحديث عنه في كتابه الأسس، ومؤكدا عليه مرة أخرى في خاتمة الحديث عنه بقوله: وهكذا نلاحظ أن المنحى العام لإشكالية مالك بن نبي خلدوني في جوهره، لكن مضامينه تستلهم الفكر الفلسفي الأوروبي الحديث إلى مدى بعيد.
عند ضبط وتحديد ملاحظات الدكتور فهمي جدعان على نظرية الحضارة عند مالك بن نبي، يمكن القول إنها احتوت على جانب صريح، وعلى جانب آخر غير صريح. الجانب الصريح تحدد في اعتبار الدكتور جدعان أن ابن نبي قد أسرف في الاعتماد على أفكار ومفاهيم عدد من الغربيين، في بناء جانب مهم جدا من تحليلاته الحضارية.
والجانب غير الصريح، أن جدعان بقصد أو من دون قصد، قد سلب من ابن نبي عامل التجديد والابتكار في تحليلاته الحضارية، وذلك حين وضعه ونظريته وتحليلاته ما بين الاستلهام من الفلاسفة الغربيين، والاستلهام والتتلمذ على ابن خلدون.
وبشأن الجانب الصريح، لا خلاف في أن ابن نبي قد اعتمد على أفكار ومفاهيم عدد من الغربيين، لكنه في نظري لم يصل إلى حد الإسراف كما صور ذلك الدكتور جدعان، ومن جهته لم يخف ابن نبي اعتماده على أفكار بعض الغربيين، وخاصة المفكر الألماني هرمان دي كسرلنج، الذي صرح في كتابه (شروط النهضة)، تارة بالاعتماد على آرائه، وتارة بالاستناد على أفكاره.
وهذا الاعتماد والاستناد حصل في موضوع محدد، يتعلق بالكشف عن أثر الفكرة الدينية في تكوين الحضارة، وأراد ابن نبي الكشف عن هذا الأثر في الحضارتين الإسلامية والمسيحية، في الحضارة الإسلامية اعتمد واستند على آرائه وأفكاره، وفي الحضارة المسيحية اعتمد واستند على آراء وأفكار كسرلنج الذي درس دور الفكرة المسيحية في تركيب الحضارة الغربية، وكانت هناك حاجة فعلية للعودة إلى هذه الآراء والأفكار والاستناد عليها، في هذا الموضوع تحديدا.
وما ينبغي قوله في هذا الجانب، إن عودة ابن نبي إلى آراء وأفكار بعض الغربيين، أكسبت أفكاره نضجا وعمقا وبعدا في النظر، لأنها كشفت له عن خبرة حضارية مهمة وثرية، لا بد من الانفتاح عليها، والتواصل معها في حقل التحليل الحضاري والدراسات الحضارية، خاصة وأن لا خشية على ابن نبي من مؤثرات الثقافة الأوروبية في التأثير على هويته وأفكاره وأخلاقه.
أما بشأن الجانب غير الصريح، فلا خلاف أيضا في أن ابن نبي قد تأثر واستفاد في تحليلاته الحضارية من ابن خلدون من جهة، ومن الفلاسفة الغربيين من جهة أخرى، ولكن الخلاف مع الدكتور جدعان في الطريقة التي حصر فيها ابن نبي ما بين هذين الحدين، وكأنه لا تجديد له ولا ابتكار.
والتقدير السليم، أن ابن نبي قد تأثر واستفاد من أولئك الذين أشار إليهم الدكتور جدعان، لكنه لم يقف عند هذا الحد، ولا ينبغي أن يصور بهذه الطريقة وحدّها، لأن ابن نبي إلى جانب ذلك كان صاحب تجديد وابتكار في تحليلاته الحضارية من جهة، وفي بناء نظريته الحضارية من جهة أخرى.
وما يؤكد هذا التقدير، أن جدعان قد تنبه إلى مفارقات في النظرية والمنهج ما بين ابن خلدون وابن نبي، داعيا حين المقارنة والمقاربة بينهما من جهة الإتباع، إلى ألا نذهب بعيدا، في ذلك، لأنه وجد أن ابن نبي لا يتابع ابن خلدون في كثير من آرائه، والقضية عنده تحتاج إلى تحليل واستقصاء كبيرين، وهذا ما نقوله ونرشد إليه، ليس من جهة العلاقة مع ابن خلدون، وإنما حتى من جهة العلاقة مع الفلاسفة الغربيين.
ولأن القضية تحتاج إلى تحليل واستقصاء كبيرين، وبحكم أن المجال لا يتسع لهما، فقد اكتفى جدعان بالإشارة إلى أمرين مهمين حسب وصفه، اختلاف فيهما ابن نبي عن ابن خلدون، وهما:
الأمر الأول: يتعلق بدورة الحضارة التي تمر بأطوار تبدأ من الميلاد وتنتهي إلى الأفول، لكن ماذا عن الحضارة التي دخلت طور الأفول، هل بإمكانها القيام والنهوض مرة أخرى! ابن خلدون لا يثبت ذلك، لكن ابن نبي يثبته ويقول به، وحسب قول جدعان إن مالك يقبل بدورة الحضارة على طريقة ابن خلدون، نقطة البداية الصعود إلى القمة أو الأوج، والأفول، لكنه لا يسلم بأنه مكتوب أبدا على حضارة خفت ضياؤها، وسدر أبناؤها في ليل طويل، أن لا تقوم لها بعد ذلك قائمة، لأن اليقظة أو النهضة مرهونة في رأيه بما نصت عليه الآية القرآنية: (لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، ومعنى ذلك أن بعث الحضارة وولادتها من جديد، أمران ممكنان تماما، إذا ما توافرت بعض الشروط الإنسانية الذاتية.
الأمر الثاني: يتعلق بدورة الحضارة أيضا، لكن من جانب آخر، ويتعلق تحديدا بالإنسان في طور ما بعد الحضارة الذي وصل به الحال إلى أن يتفسخ حضاريا، فهل يظل لديه الاستعداد لإنجاز عمل محضر أم لا! في نظر ابن نبي أن إنسان ما بعد الحضارة لديه هذا الاستعداد لكن بشروط.
ولا شك أن هناك مفارقات أخرى ستظهر لو قمنا بما أطلق عليه جدعان بتحليل واستقصاء كبيرين في هذا الشأن.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش