الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مبدعون: حبيب الزيودي موهبة خلاقة متميزة لم يقيض لها أن تكتمل

تم نشره في الأحد 27 تشرين الأول / أكتوبر 2013. 03:00 مـساءً

عمان - الدستور - عمر أبوالهيجاء

«شاعر امتلك موهبة خلاقة متميزة، لم يقيض لها أن تكتمل. ظل مغنيا بريا مغرما بالحياة - المرأة، ومحبا مندفعا مثل ريح متغيرة الاتجاهات، غنى لذاته وللمرأة والوطن بكل ما امتلك من شغب وغضب غناء بكرا معبرا عن روحه التي شظاها القلق والألم والتيه»، بهذه الصورة يحضر الشاعر حبيب الزيودي في الذاكرة الثقافية الأردنية، وهو الذي سيظل حاضرا في تلك الذاكرة، على الرغم من الغياب العميق الذي خلفه رحيله المبكر قبل عام.
روحه كانت غيمة ماطرة على العالوك، وستظل تسقي ثراها برذاذها الناعم الجميل، من خلال قصائده الخالدة، ودندناته الرائعة.
مظاهر إنسانية حبيب ظلت حاضرة إلى جانب مظاهر تجربته الإبداعية الثرية، حيث ثمة ذلك التعلق الوجداني بالمكان، وأنسنته بصوت شعري خاص، الأمر الذي يجعل المكان حميميا لكل من يقرأ المكان في قلب حبيب وشعره.
«الدستور» هاتفت نخبة من المبدعين، وعاينت صورة الشاعر الراحل في مراياهم، فكانت هذه الرؤى..

 د. زياد الزعبي:
«ظلام المدينة يغتال روحي/ وكل النوافذ مغلقة والظلام يفح/ فيفتح للعابثين جروحي/ ولا شيء يفرح/ فالتيه يمضغ دربي/ ويقتلني ظمأي/ وكأن قطيعا من الماعز الجبلي بجوفي/ فلا ماء/ لا عشب لا أغنيات».
هذا هو المقطع الأول من القصيدة الأولى في الديوان الأول الذي أصدره حبيب «الشيخ يحلم بالمطر»، وهو مطلع ومقطع يكاد يلخص وعي حبيب بالحياة المحكومة بحالة الاغتراب المر التي انبثق منها الإحساس بالذات المفردة المغتربة المتمردة المسكونة برغبات جماحة تدفع إلى الانغماس في الحياة والتعالي عليها وإلى البحث عن صور جديدة لها. لقد ظل حبيب حياته القصيرة كلها مسكونا بمشاعر الاغتراب والتيه والإغراق في معاقرة الحياة بكل طينيتها وروحانيتها، مما جعل منه شاعرا بشخصه وشعره، شاعرا امتلك موهبة خلاقة متميزة لم يقيض لها أن تكتمل. ظل مغنيا بريا مغرما بالحياة - المرأة، ومحبا مندفعا مثل ريح متغيرة الاتجاهات، غنى لذاته وللمرأة والوطن بكل ما امتلك من شغب وغضب غناء بكرا معبرا عن روحه التي شظاها القلق والألم والتيه.
يظل حبيب حاضرا ونظل نشعر بعمق غيابه لأن تجربته لو قيض لها أن تكتمل لأثرت حياتنا الأدبية والروحية بإبداعها الفريد. فسلام على روحه التي وجدت سكينتها في ظل شجرة بلوط من أشجار العالوك التي عناها والتي تحفظه نسغ حياة متجددة.
«مطر على الشباك والعالوك خاشعة/ فأصبح راهبا وأحس أن الله أقرب/ إذ يلوح السنديان/ وأحس أن الأرض عاشقة يمشطها الكمان/ مطر على الشباك أسلافي القدامى/ بارحوا هذا المكان/ لم يبق من أسمائهم إلا الظلال/ أرى الجذوع هناك تخلع جلدها وأتابع الليل الطويل».

 د. عمر القيّام:
مبكرا لملم حبيب الزيودي أوراقه وغادر مشهد الحياة، تاركا وراءه ترميزة دالة على عمق حضوره بيننا من خلال ديوانه الأخير «غيم على العالوك»، الذي جسد فيه روحه غيمة ماطرة على العالوك ستظل تسقي ثراها برذاذها الناعم الجميل، ليحلّق بعد ذلك عاليا مثل طائر جميل نصحو على تغريداته في صباحات الحياة الجميلة.
الاواح القوية حضور دائم، وحبيب «الارواح القوية»، الحضور بذكرياته الفاتنة، وقصائده الخالدة، ودندناته الرائعة، لا بل انّ حضوره يتعمق يوما بعد يوم بسبب رحيله المفاجئ في روعة الشباب امعانا منه في تخليد ذكراه.
سيبتسم قلب حبيب حين يرى وفاء اصدقائه، وسيدرك انه لم يكن محتاجا ان يقول ذات يوم: «يا ناي لن يبكي على اسمي/ صاحب بعد الغياب/ فسمّني ناي البراري».
رحم الله حبيب.

 الشاعر لؤي أحمد:
كنت آخر من استضاف المرحوم الشاعر الصديق حبيب الزيودي، قبل وفاته في البرنامج الصباحي على إذاعة الجامعة الأردنية قبل وفاته بيومين، وبمناسبة الذكرى الأولى لرحيله أقول: إن رحيل حبيب الزيودي المباغت، والصدمة التي سببها غيابه لمحبيه وقارئيه، يفتحان نافذة مهمة يعبر الضوء منها فيبصر الناس الإنسان المنزوي في داخل حبيب الشاعر، نعم حبيب الإنسان هو من يستحق وقفة تأملية وافية وعميقة،لا سيما بعد أن تناول نقاده وقارؤوه في حياته وعقب وفاته أعماله الإبداعية بشكل لا بأس به وإن كان حتى الآن دون المؤمل، ودون ما يليق بهذه القامة الشعرية الوارفة.
حبيب الإنسان هو ما أتاحت لي مرافقته الشخصية على مدار العام الأخير قبل وفاته أن أسبر أغوارها بشكل جعلني متيقناً أن عظمة هذه الروح الشفيفة ليست بأدنى من روحه الشاعرة، وربما كانت – إضافة إلى عبقرية شعرية من نوع خاص – هي السبب الرئيس في أن استحقَّ حبيب لقب جده المتنبي فكان في المشهد الشعري الأردني وعن جدارة مالئ الدنيا وشاغل الناس.
ما زلت أذكر جيدا كيف كان يصر أن يبتاع أي شيء- سواء كان بحاجة له أم لم يكن- من الباعة الأطفال عند الإشارات الضوئية، ويدفع ثمن الشيء أضعافا مضاعفة، ولا يفارق ذاكرتي يوم اشترى من صبية صغيرة كل ما في سلتها من ورود عند إشارة الجبيهة، وبعد أقل من مئتي متر أوقف سيارته بحركة مفاجئة ونزل ليهدي الورود لعاشقين صغيرين تصادف مرورهما في الشارع. لقد شهدت كثيرا من المواقف التي يَصدُق فيها على حبيب قول «ماله ليس له»، ماله الذي كان رئة يتنفس منها أصدقاؤه وقاصدوه.
مظهر آخر من مظاهر إنسانية حبيب المختلفة هو التعلق الوجداني بالمكان، وأنسنته بصوت شعري خاص، الأمر الذي يجعل المكان حميميا لكل من يقرأ المكان في قلب حبيب وشعره، وليس أدل على ذلك من قريته العالوك وتعلقه غير المحدود بها، العالوك التي استودعت وجه حبيب سمرة ترابها ولونت قلبه بخضرة سروها وزيتونها وأورثته شموخ جبالها وصقورها، كافأته على إصراره العيش فيها طيلة حياته وتخليدها في ديوانه الأخير «غيم على العالوك»، بأن احتضنت القبر الذي انتهى إليه.
آخر مرة رأيته فيها قبل وفاته كانت في أستوديوهات إذاعة الجامعة الأردنية، هاتفناه أنا وزملائي في البرنامج الصباحي لنقدم له بطاقة معايدة، ولم تمض نصف ساعة حتى فاجأنا بدخوله الأستوديو بصخبه الرائع وفوضاه المحببة، أسمعنا يومها وعلى الهواء كثيرا من شعره، ألقاه علينا وهو يحمل سيجارته بين يديه ولا ينصاع لرغبة أي كان في إطفائها، السيجارة التي ربما تضافر سمها مع السكر الذي تكدس في خلاياه على مدار أعوام عمره التسعة والأربعين ليحرمنا من وجوده بيننا اليوم، السؤال الذي وجهته له يومها وأبكى طاقم الإذاعة وربما الكثير من المستمعين: لا أريدك أن تحدثني عن حبيب الشاعر، حدثني عن حبيب الطفل كيف كان يقضي العيد؟ وماذا يفعل بعيديته؟، فأجاب: ربما علي أن أحدثك عن حبيب «الختيار»، ماذا يفعل الآن غير انتظار الموت؟ وعندما عاتبته على هذا الفأل غير الحسن، قال: عرار مات في التاسعة والأربعين وها أنا قد بلغتها.
وهكذا كان.

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش