الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عن الهجوم على الدين والتدين بدعوى محاربة التطرف

ياسر الزعاترة

السبت 6 آب / أغسطس 2016.
عدد المقالات: 1809

تكاثرت في الآونة الأخيرة حملات الهجوم على المظاهر الإسلامية من قبل البعض بدعوى أنها تشكل حواضن للتطرف والإرهاب، ووصل الحال بوزير ثقافة سابق في بلد عربي كبير حد المطالبة بحذف آيات الجهاد من القرآن الكريم، بينما سمعنا دعوات محمومة من آخرين لملاحقة المساجد ومؤسسات التربية الدينية، فضلا عن دعوات أوسع لتغيير المناهج الدراسية، بخاصة الدينية والتاريخية، من دون أن يقول لنا أولئك لماذا لم تفرّخ تلك المناهج العنف والإرهاب وهي تُدرَّس منذ عقود؟!

في ضوء هذه الحملة، نجد أنفسنا مضطرين لاستعادة ذات السؤال الذي تعبنا من كثرة تكراره، ممثلا فيما إذا كان العنف المسلح هو نتاج الأفكار والأديان من حيث المبدأ، أم نتاج ظروف موضوعية تتيح له النشوء والنمو، وإذا كان الإسلام هو الدين الذي يفرِّخ العنف كما يزعم أولئك، فلماذا لم يعرف تاريخه الحديث منذ بداية صعود الصحوة الإسلامية مطلع الثمانينات هذا المستوى من العنف الذي نتابعه هذه الأيام، والذي جاء ردا على الغزو الأميركي للعراق، ثم ردا على جنون إيران بدعم طائفية المالكي وبعدها دموية بشار الأسد وجنون الحوثي؟ هل كانت تلك النصوص التي يستخدمها تنظيم داعش ضائعة؟! ثم ما صلة المناهج بشبان في الغرب لم يدرسوها، بينما خرجت أكبر نسبة من “الجهاديين” قياسا بعدد السكان من تونس، رغم أن مناهجها علمانية كاملة؟!

الحق أن الأفكار ليست هي المنتج الأساسي للعنف، وإن استخدمت (إن كانت أرضية أم سماوية) لتبريره ضد الآخر “الكافر”، وما تنتجه بالفعل هي الظروف الموضوعية، ولذلك لم يكن ثمة دين ولا مذهب إلا وخرج من بين أبنائه من يتبنون نهج العنف المسلح في لحظة من اللحظات، وليس ثمة أيديولوجيا إلا واستخدمت العنف، بدليل أن عنف النصف الأول من القرن العشرين كان في معظم تجلياته يساريا، وخرج من اليسار؛ يسار أكثر عنفا وتطرفا، وهكذا.

حين تتهيأ الظروف؛ يأخذ بعضهم نصوصا من هنا وهناك لتبرير ألوان من العنف أنتجتها الظروف الموضوعية، ثم ما يلبثوا أن يتراجعوا عنها أو يراجعوها حين تتغير الظروف، كما حصل في مراجعات عدد من الجماعات المسلحة في مصر وليبيا وغيرها نهاية القرن الماضي.

نفتح فاصلة لنشير إلى أن من يقرأ العهد القديم، سيجد أنه الأكثر وضوحا في تبرير العنف ضد الآخر، لأن الأصل أن هناك “أبناءً” للرب لهم خصوصيتهم، و”الرب” هنا يتحوّل عمليا إلى جندي في خدمة أبنائه، وفي منحهم الأوامر لكي يشنوا حروب إبادة ضد أعدائهم!! ومن يتابع بعض فتاوى الحاخامات في الكيان الصهيوني يلاحظ من أي منهل ينهل أولئك، لكن أحدا لا يجرؤ على انتقادهم، بخاصة في الغرب، ولا حتى نسبة عنفهم إلى الدين (كذلك حال المجموعات المسيحية المتطرفة في أمريكا). وها إن حاخام جيش الاحتلال الأكبر الجديد هو ذاته الشخص الذي أفتى بجواز اغتصاب النساء في الحرب، ومن قال في المثليين وفي النساء ما لو قاله عالم مسلم لأوسعوه هجاءً.

المصيبة أن من يتولون كبر الهجمة على المظاهر الإسلامية غالبا ما يزعمون الليبرالية والديمقراطية، بينما يتجاهلون أن غالبية الشعوب تنحاز للتدين ومظاهره، ولا تراه مرادفا للعنف والتطرف، ويسقط كثير من أولئك أكثر حين يستنجدون بالسلطة لمحاربة تلك المظاهر بسطوة القوة، حتى وهم يعلمون أنها (أي السلطة) غير ديمقراطية من الناحية الواقعية.

إن أي صدام مع المظاهر الإسلامية في أي مجتمع عربي أو إسلامي، لن يفضي إلا إلى مزيد من التطرف، وليس العكس كما يروّج أولئك، فالصحوة الراهنة ليست هامشية بحيث يمكن ضربها وتحقيق المطلوب بسهولة كما يعتقدون، وهي فرضت نفسها في مجتمعاتها بقوة الإقناع، بينما يريد البعض محاربتها بقوة السلطة وجبروتها.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش