الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

محمود البوليس.. اعمال تحاكي الواقع بتجرد يقترب من سريالية الوجع

تم نشره في الأربعاء 11 أيلول / سبتمبر 2013. 03:00 مـساءً

الدستور - محمود الخطيب

حينما تدخل الى مكانه الاثير والمتشح بالالوان الداكنة، تشعر لوهلة ان عينيك وقعت على الوان ألفتها منذ زمن، ثم سرعان ما تكتشف ان ما تراه امامك من الوان مزركشة على المسطحات البيضاء، ما هي الا واقع انت عشته بحذافيره اما وانت تعبر الطرقات، او مما شاهدته على شاشات التلفاز، فالعين التي ألفت مناظر الجمال تارة، ومناظر الدم المتوحش تارة اخرى، هي ذاتها العين التي تراها ممسدة امامك ومختزلة في مربع ابيض يروي الكثير من الحكايات.

في معرضه ومكانه ومرسمه الذي يشعر زائروه بالدفء، يستقبل الفنان التشكيلي محمود البوليس زواره ومتذوقي فنه ومحبيه، كاشفا عن تنويعات الابداع الذي يقدمه من خلال رسوماته التي تحاكي الواقع وبين رسومات تحمل الامل بين دفتي البياض الذي يجرحه ابداع اللون.
والداخل الى ثنايا اللوحات يسوقن ان التجريب فعل أساسي لتعامله مع ابداع اللوحة ووقائع وتكوينات الزوايا في تشييد جمالي بأبعاد تجريدية تطرح اكثر من قراءة للوحة، سواء  أكانت سريالية او واقعية، لتصل لعين وذوق المتلقي عبر استلهام مكنونات حية من التعبير الابداعي.
تمتلىء في لوحات البوليس البساطة والوضوح، وهي سمة بارزة تبقى ملاذه في الاشتغال على جماليات العمل الفني خصوصا ان ريشته تعمل على رسم وجوه في تكوينات وزوايا متباينة الاحجام وتعكس واقعا معاشا يتلمسه الجمهور في حلهم وترحالهم.
بين لوحات البوليس ما هو مرايا ناطقة لاوجاع تعايشها الامة العربية، كالحروب وقتل الاطفال وسفك دمائهم، ولذلك يشتغل دائما البوليس على عكس افكاره عبر ابراز دور المعاناة والالم في رسم الواقع، ولهذا اقام عدة معارض تشكيلية هدفها نقل صرخة الواقع المرير الى العالم، عبر معارض تشكيلية عكست جراح اطفال غزة، او شهداء العراق وسوريا وضحايا مصر وغيرها الكثير من الالام والجراح التي لم تندمل في جبين الامة العربية.
ولا يخفي البوليس انه يترك مسطح البياض ينطق بالفكرة، بالوانها الصارخة او الهادئة، معتبرا ان رسوماته ترسم نفسها بتلقائية الحرف والكلمة والصورة، بعد ان تختمر فكرتها في رأسه، لتنطلق يديه معبرتان عن الحلم الذي يتجسد واقعا قريبا من الروح في اغلب اللوحات.
الابداع الرصين الذي يقدمه البوليس في لوحاته ينعكس تدريجيا عند متلقي اللوحة على ذاكرته البصرية وذائقته الجمالية وانعاشها، فاللوحات تنطق بعفوية شديدة وتعبر عن نفسها بعمق بالغ الدقة، فاستعار البوليس في اعماله الوجه الانساني كاشفا عن مفاتيح شخصيات من يرسمهم، متخذا من حبر كفاحهم مداخل متعددة لرسم شخصياتهم حتى وان رحلوا الى العالم الاخر، تاركين بصمتهم التي زركشها البوليس بحرفية لتحكي مرارة واقعهم وتجربتهم.
في موضوعات البوليس التي يتناولها بعيدا عن التجريد، يكتشف اي مراقب محايد لها، انها تتكىء على اشتغالات بصرية كونية لها علاقة وطيدة واتصال بالواقع المعاش، خاصة في لوحات غزة التي تأسر ناظريها والتي قدمها الفنان بأدوات فنية متميزة تعكس مواقف مناهضة لسياسة الاضطهاد التي يتعرض لها الإنسان الفلسطيني من قبل الاحتلال الصهيوني بشكل يومي أمام الحواجز الإسمنتية، حيث صور منصور على مسطحات لوحاته حكايات الحواجز بالخط واللون، وقدم مشاهد يومية من الألم والعذاب الممزوجين بالتحدي وروح المقاومة، والإرادة والعزة والصبر أيضاً، لدى كل فلسطيني يمر بتلك الحواجز أو يقف أمامها.
وعلى الجانب الموازي للابداع الذي يكنه البوليس لاعماله، يتفرغ الفنان لإضافة ابداعه على فضاءات الفكرة التي تنطلق محلقة في المخيال الفني لديه، لتعبر عن نفسها في المسطحات البيضاء للوحة التي يكتنفها بالامل لتغدو مغردة في الفضاء الواسع حاملة معها الفكرة التي تعيش، فالفن عبادة خالصة يتبتل الفنان في الطبيعة وآفاقها وفي الأرض والكون يبحث في النفس والروح يتعرف إلى الأثر، عبر الفن الذي هو بالاساس خامة ومواد وأدوات وفكرة يعمل الفنان على تجسيدها حتى يتعرف إلى نفسه اولا.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش