الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

داعش لا يمثل القرون الوسطى<br />إسماعيل الشريف

تم نشره في الأحد 31 تموز / يوليو 2016. 08:00 صباحاً



] التاريخ يُكتب لذاته، وليس كشبح يلقي ظلاله لخدمة الحاضر – ليوبولد فون رانك، عالم تاريخ

لقد أدمى قلوبنا في الأسابيع الماضية ذبح رجل دين في شمال فرنسا وطفل في سوريا بصورة همجية حصرت الأقلام عن وصفهما.

تمر علينا جملة يرددها الكثير من الساسة حول العالم وتكتب في وسائل الإعلام من أن أساليب تنظيم داعش هي عودة للقرون للوسطى، وأصبح في مطبخ القرار السياسي علماء تاريخ مختصون في دراسة القرون الوسطى في محاولة لفهم داعش ومن ثم هزيمته، فالصلب والقتل وقطع الرؤوس كلها تسوّق على أنها أساليب شائعة في القرون الوسطى.

فإذا كان داعش يقوم على فكر منحرف يدعي أنه إسلامي، والجميع يؤمن بأنه أعاد العالم إلى القرون الوسطى، فمعنى ذلك أن ما يقوم به تنظيم داعش مستنسخ من التاريخ الإسلامي، ولكن تحضّر المسلمون بعد ذلك أبعدهم عن الهمجية إلى أن جاء داعش وعاد المسلمون إلى سابق عهدهم، ونجح هذا التسويق بتصوير داعش كإعادة انبعاث لعصر الإسلام، وأن الإسلام وحشي وقاس وعنيف ودموي.

ولكن الحقيقة أن الإسلام في العصور الوسطى كان مركز التسامح والوسطية والعولمة، فمن أعظم المدن في القرن العاشر كانت قرطبة، وصفها أحد الرهبان الألمان بأنها زينة العالم، وهذه الزينة جاءت من أن شوارعها كانت مضاءة، وكانت تعكس جريان الماء في نوافيرها، وكانت فيها مكتبة عظيمة نافست مكتبة الإسكندرية، وكان جميع سكانها من مسلمين ومسيحيين ويهود محميين بموجب القوانين الإسلامية، وكان وزير الخليفة عبد الرحمن الثالث في نهاية الألفية الأولى الباحث والشاعر والفيزيائي اليهودي حسداي بن شبروط، وبالمناسبة عرف عن خلفاء الأندلس عيونهم الزرقاء فقد كانوا يتزوجون من العائلات الملكية في شمال إسبانيا. ولأن العصور الوسطى كانت مظلمة بالنسبة للأوروبيين، فقد انجلى هذا الظلام بالنور الذي انبثق من الإسلام وحضارته.

وإذا ذهبنا إلى بغداد العباسية سيدة مدن ذلك الزمان، كان رجال الدين اليهود يلبسون أروابهم في الأسواق، وكان المسيحيون والمسلمون واليهود يزورون مرة في العام مقام النبي عزرا أحد أنبياء اليهود، وبيت الحكمة لدى الخليفة المأمون جمع مئات العلماء من كافة الطوائف بما في ذلك عدد كبير من النسوة، وكانت المدن الإسلامية تتسم بالاستقرار والإبداع والازدهار والتنوع والتسامح قبل أن تحل الكارثة وتسقط بغداد في القرن الثالث عشر، وحتى في العصر الحديث فقد قرأت في كتاب والدي «الإخوان المسلمون في حرب فلسطين» من أن بعض المتطوعين في كتائب الإخوان في حرب 1948 كانوا مسيحيين!

الخليفة المزعوم البغدادي يسوق نفسه كممثل عن مرحلة ما قبل سقوط الخلافة العباسية، ولو تمثّل بعهد الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام فقد عمل الرسول على إنشاء مجتمع العدالة، وتزخر كتب السيرة بآلاف القصص عن عظمة وتسامح رسولنا، ولو ادعى أنه يتمثل بالفترة الذهبية للحضارة الإسلامية فإنه بلا شك يتجاهل التنوع، إذن فلا علاقة لهؤلاء بالماضي ولا يرتبطون من قريب ولا بعيد بالتاريخ الإسلامي.

إنهم يستخفّون بالتاريخ، وما هو إلا ضحية أخرى من ضحاياهم قدموه قربانا لفكر مريض، فالتاريخ يحور ويضاف لترسانة تدمير العالم، وهذا ما يحدث عادة للتاريخ عندما يختطف ويجتر من قبل الإرهابيين، ويوظف للحاضر لأهداف سياسية منحرفة.

وهذه الحالة لا تنطبق على داعش فقط، فالنازية استخدمت التاريخ لدعم أيدلوجيتها في التفوق العرقي، وماركس سخّر التاريخ في تبرير حتمية صراع الطبقات.

إذن، «داعش» ليس انبعاثا للقرون الوسطى، إنما هو حالة دخيلة على حضارة عظيمة قامت على احترام الآخر.



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش