الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أَشجَــانُ أمِّ أيـمن

تم نشره في الخميس 15 كانون الأول / ديسمبر 2016. 03:27 مـساءً - آخر تعديل في الخميس 15 كانون الأول / ديسمبر 2016. 09:29 مـساءً
د. عصر محمد النصر

ما كان أصحاب نبينا يملؤون أبصارهم من رؤيته والنظر إليه هيبة وإجلالا, فكانوا يسترقون النظر ترقب أعينهم جماله وبهاءه, وفي ذلك يقول عروة بن مسعود –رضي الله عنه- :” وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ “( البخاري), فكان هذا التعظيم يعمر قلوبهم حتى أثمر محبة وشوقا, قد تمثلوه في حياتهم صدقا في الإتباع وإخلاصا في الإقتداء والتأسي, فتمثلوا سمته وهديه في كل شيء, وفي الحديث :” مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنَعَ كَمَا صَنَعْتُ، ثُمَّ ضَحِكَ “( صحيح), وفي تراث الصحابة –رضي الله عنهم- مواقف كثيرة تحكي قصة الشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, ففي الحديث :” قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ: “ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ، فَقَالَا لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَتْ: مَا أَبْكِي أَنْ لَا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ. فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا”( مسلم), فأول مظاهر الشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث, محبة من يحبه المحبوب, و تعظيم من عظمه وإجلاله, فعلل أبو بكر –رضي الله- زيارته لأم أيمن بزيارة النبي صلى الله عليه وسلم لها, فهي حاضنته وأمّه بعد أمّه التي أنجبته, فكان كثيرا ما يزورها ويجلس في بيتها, وهنا ثار الحنين وسُكبت دموع أم أيمن تحكي قصة الشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فرأت في دخول صاحبيه معنى من معاني المحبة التي حباها بها النبي صلى الله عليه وسلم ظنت أن موته غيبها, وفي حديث موته ذكرى تذهب معها قلوب أهل الإيمان وعقولهم حتى تنكرت, يقول أنس -رضي الله عنه- :” لمّا كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، أضاء منها كلّ شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كلّ شيء، وما نفضنا أيدينا من التراب وإنّا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا”( صحيح), كيف صبرت تلك القلوب على حثو التراب على جسده, ولطالما امتلأت حبا له وتعظيما, وفي موته عزاء من موت كل أحد, وتسلية عن فقد كل قريب أو صديق, فهو خير فقيد وأعز راحل يشتاق إليه, فهو خاتم النبيين وحبيب رب العالمين وسيد الأوليين والآخرين, امتنّ الله به على أهل الإيمان :” لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ”( آل عمران, الآية 164), وقد اختاره الله سبحانه من خيرة خلقه, وجمّله بأفضل الصفات :” لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ “( التوبة, الآية 128), :” يمتن تعالى على عباده المؤمنين بما بعث فيهم النبي الأمي الذي من أنفسهم، يعرفون حاله، ويتمكنون من الأخذ عنه، ولا يأنفون عن الانقياد له، وهو صلى الله عليه وسلم في غاية النصح لهم، والسعي في مصالحهم, {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} أي: يشق عليه الأمر الذي يشق عليكم ويعنتكم, {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} فيحب لكم الخير، ويسعى جهده في إيصاله إليكم، ويحرص على هدايتكم إلى الإيمان، ويكره لكم الشر، ويسعى جهده في تنفيركم عنه. {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} أي: شديد الرأفة والرحمة بهم، أرحم بهم من والديهم “( تيسير الكريم الرحمن ص356), بكت أم أيمن –رضي الله عنها- فأراد الصديق التخفيف عنها مذكرا لها بما أعدّ الله لنبيه عنده :” مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ “, وهو مصداق قول الله تعالى لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم :” وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى”( الضحى, الآية 5,4), كانت أم أيمن تعلم ذلك, إلا أنها بكت لأمر عظيم :” وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ”, وهو مقام جليل القدر يستشعره أهل الإيمان, فقد انقطعت النبوة وختمت الرسالة, التي أخرجتهم من الظلمات إلى النور, والتي رحم الله سبحانه بها هذه الأمة, بكت أم أيمن وقد عاشت الجاهلية وشهدت نور الإسلام الذي انتقلت به من أَمَةٍ إلى حرة, ومن امرأة من أهل الدنيا إلى مبشرة بالجنة تمشي على أرض الناس, بكت وقد علمت أن رسول السماء الذي يأتي بالخير والوحي قد انقطع, فذكّرت الصاحبين :” فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ. فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا “, أشجان أم أيمن هي أشجان جميع الصحب الكرام, أشجان قوم عاشوا الجاهلية بظلمها وقهرها وتفرقها, فأبدلهم الإسلام نورا وعدلا واجتماعا, حتى ملكوا الدنيا بعد ذلهم وفقرهم, وشكروا نعمة الله سبحانه عليهم ومنّته, فما غيروا أو بدلوا بل بذلوا أرواحهم في حمل هذا النور ونشره, وصدقوا في إتباعهم وإخلاصهم.
أشجان أم أيمن –رضي الله عنها- أشجان كل مسلم أدرك نعمة الإسلام ونور الهداية وتمام المنّة, يحدوهم الشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, يبذلون في ذلك الغالي والنفيس حتى تكون رؤية النبي صلى الله عليه وسلم أحب إليهم من كل شيء, يبذلون فيها نفيس أموالهم, وفي الحديث :” مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا، نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي، يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ “( مسلم), يحدوهم الشوق إلى حسن إتباعه وتعلم سنته والعمل بها, والمحافظة على الوحي الذي جاء به, ويعلمون أن عزة أمتهم وصلاحهم بالأمر الأول الذي جاء به, يجعلون من شوقهم وسيلة للحفاظ عليه والقيام بواجبه, فهذه حقيقة الشوق وصادق المحبة.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش