الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ميراث تركي بامتياز

د. هند أبو الشعر

الأربعاء 6 تموز / يوليو 2016.
عدد المقالات: 156

 بعد قرن من استقلال العرب وتخلصهم من الحكم العثماني الذي دام أربعة قرون طوال، يبدو أننا ما زلنا تحت تأثير النمط التركي في الإدارة، وما زال البعض يدير المؤسسات العامة بالطريقة عينها التي ورثها أجدادنا عن الإدارة العثمانية، ونحن هنا لا نقارن بين النمط الغربي والنمط العثماني ، ولا ندعي أن النموذج الغربي في منتهى الكمال، لأننا نعلم أن خصوصية المجتمعات الغربية أنتجت هذا النمط الذي يسيرهم، وأن خضوعنا لمئات  السنين لعقلية الأتراك في إدارة إمبراطوريتهم التي كنا من رعاياها، تركت أثرها في مخيلتنا وسلوكياتنا، وهذا أمر متوقع، ولكننا الآن وبعد قرن من الاستقلال العربي ما زلنا نسير في ظل الذاكرة العثمانية، أستذكر الآن أحد أساتذتنا في الجامعة الأردنية والذي اختصر لنا عقلية العثمانيين في إدارة البلاد العربية بحكاية لطيفة، تقول بأن أحد الولاة العثمانيين أراد بعد تقاعده من عمله الإداري أن يتجه لعمل الخير، وكان “ الوقف “ هو الوجهة المألوفة بين الناس لتقديم الأعمال الخيرية، فاختار موقعا حساسا قريبا  من أحد المساجد الكبيرة في المدينة، وأنشأ “ سبيلا “ لتقديم خدمة خيرية للعابرين وأبناء السبيل والغرباء ليشربوا الماء حلالا زلالا عن روح والديه، وجلس الوالي القديم بعظمته قرب الجرة الضخمة التي وضع عليها “ كيلة “ مربوطة بالجرة، وكان كلما مرّ أحد العابرين وأراد شرب الماء، يأمره الوالي المتقاعد بسلسلة من الأوامر، التي تعيده إلى زمن الولاية والسلطنة والسلطة، بصوت يحمل نبرة الوالي :

- اشرب من الكيلة الثانية ..!

- انتظر الدور ..!

- نظف الكيلة قبل أن تفتح الجرة ..!

وصار سبيل الوالي المتقاعد مثلا بين الناس لعقلية الإدارة التي  تسير على النمط الذي لا يميز بين العمل الخيري والإدارة التي لا حدود للسلطة فيها .

ما يقلقنا دوما هو نمط الإدارة عندنا، وأقصد هنا كل البلاد العربية، وأظن أننا ما وصلنا إلى هذا التدهور العجيب والبشع في حياة العرب إلا لأننا ما زلنا نسير في ظل هذه الإدارة الميتة، وما زلنا ننظرّ في جامعاتنا ومؤسساتنا الفكرية لنمط الإدارة المطلوب، وعندما يتسلم ( المحاضر – الخبير) إدارة أي مؤسسة، يطوي سجل محاضراته النظرية، ويسير وفق ذاكرة الإدارة العثمانية التي تلبستنا ودخلت في تلافيف عقولنا، وأغلقت الأبواب والمسارب أمام التطور .. فقط ما عليكم إلا أن تزورا أي مؤسسة عامة لتجدوا من يديرها يحمل درجة جامعية عليا من جامعة غربية، ويتمترس وراء أبواب مكتبه المكيف المحروس بسكرتيرة متعجرفة، وعندما تسمح لك حضرة السكرتيرة بالدخول، ستجد بالتأكيد أجهزة كمبيوتر في غرفة المدير، ولكنك ستجده يجلس وعلى رأسه الطربوش العثماني ..!

 اسمعوني وللمرة الألف، مشكلتنا ليست في الفقر والموارد المحدودة والفساد وتسيد العاصمة على المحافظات .. مشكلتنا الحقيقية هي في كيفية إدارة هذه المحاور كلها، وما علينا إلا أن نثور الإدارات التقليدية التي ما زالت الذاكرة العثمانية للإدارة تحركها ..نريد إدارات تخرج من جلد الماضي، وتتحرر من عبء التنظير، وتعمل للمستقبل ..من هنا يبدأ التغيير وليس من زيادة أعداد الجامعات وحملة الدكتوراه، بل من إدارة هذه المؤسسات العامة والخاصة أيضا، ودعونا نتذكر أن دولة مثل اندونيسيا أو اليابان غيرت جلدها بتغيير نمط إدارتها  .

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش