الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

طرق على الباب، من باب الفضول <br /> لؤ ي طه

تم نشره في الأحد 3 تموز / يوليو 2016. 08:00 صباحاً

كل مالا نعرف عنه أيّ شيء، يثير  فينا الفضول.  كل شخص محجوب عنا، يحرك فينا رغبة التعرف إليه لمعرفة التفاصيل التي ترضي فينا الفضول.  وهذا النوع من الفضول عادة ما يكون كبيراً اتجاه الشخصيات المشهورة والتي لا نعرف عنهم أكثر  من مجرد كتابات، أو  نصوص شعرية أو ألبومات غنائية.  وهذا الفضول يراود النساء أكثر  من الرجال؛ إذ أن المرأة من طبيعتها الشغف لمعرفة ماذا هناك وراء الستائر  المسدلة.

سابقاً عندما كانت وسائل الحجب أقوى، وأصعب مما هي عليه الآن؛ لم يكن ارضاء الفضول بالأمر الهين. آنذاك لم يكن أكثر من حوار صحفي مبهم وقصير، أو لقاء تلفزيوني مسبق الإعداد والإخراج ومتفق عليه من الطرفين، الطرف الإعلامي والشخصية المشهورة.  إذ أن الحوار بدل من أن يفك الطلاسم وينهي حالة الفضول، كان يزيده تعقيداً ويرفع من منسوب الفضول. لذلك كان الخيال في تلك الفترة شاسعاً ومفتوحاً وكان للتأويل مكانة أوسع. لكن من مآثر  تلك المرحلة هي أن المسافة بعيدة والأسوار شاهقة ما بين الجمهور والشخصية المشهورة؛ بينما اليوم لم تعد تلك الأسوار قائمة وانكسرت المسافة وصار من السهل على الجمهور أن يعرف أدق التفاصيل عن أي كاتب أو ملحن أو مطرب أو شاعر؛ ومع ذلك ظلَّ الفضول لم ينته. رغم الوعي الشديد ورغم الشهادات العالية مازال المتلقي يتوهم بأن الشخصية المشهورة هي كائن مختلف التكوين ويود أن يعرف مما يتكّون وكيف يعيش وهل هو مثله يأكل الطعام ويشرب الشراب؟ هل ينام وهل يتحدث كما يتحدث العامة.  هل طريقة عشقه تتشابه مع عشق عامة البشر؛ أم أنه يعشق كما الملائكة؟  فتجد الفضولي يفعل المستحيل لكي يحل تلك الألغاز ، ويفك الطلاسم.

والغريب بالأمر أنهم لا يطرقون الباب من باب الاعجاب بما يملكون من موهبة أو إبداع؛ لكنهم يطرقون الباب من باب الفضول لا أكثر. في بداية الحوار تجد الفضولي يتكلم مع الشخصية المبهمة ودقات قلبه تلهث في صدره إذا تكلم معه، وأصابعه ترتعش حين يكتب له. وتراه يصب الكلام الجميل والإطراءات الكبيرة، إلى درجة تجعل من الشخصية المشهورة تزداد غروراً وتحيط نفسها بهالة أكبر من الغموض، وبعد إلحاح كبير، وتطفل شديد تدريجياً يكتشف بأنه بشر مثله ويتكلم بلغته المحلية، يضحك كما يضحك ويعيش على الأرض كما يعيش هو . وبعد أن تتكسر  الحواجز وتقترب المسافة رويداً، رويداً يبدأ تنور الفضول بالفتور.

كثرت مواقع التواصل وفتحت الأبواب ولم يعد من الصعب على من يعاني من آفة الفضول أن يعرف وينبش في تفاصيل كل شيء. فصار كلما انتهى من فضول عاد ليدخل في فضول آخر ، وهكذا أصبح الفضول لديه مرض مزمن. مثل فراشة من زهرة لزهرة ومن باب إلى آخر.

متى سوف يدرك هؤلاء الفضوليون بأن الفنان بشكل عام، هو إنسان عادي مخلوق من تراب، يتنفس ويأكل وينام. يرتكب الخطايا ويفعل الفضيلة. يسهو ويتذكر، يصدق ويكذب كما هو حال عامة البشر. فقط ما يميزه عن الآخرين هو ذاك البريق الإعلامي، والشهرة التي يبنيها على أنقاض جمهوره. ومتى سوف يفهم أولئك الفضوليون بأن لا يجعلوا من الآخرين حقل تجارب يعبثون بعالمهم ويقتحمون حياتهم يدعون أنهم شديدي الاعجاب ويصورون للآخر أنهم قد يفقدون نبض قلوبهم لو غابوا عنهم همسة.

الكاتب والرسام والشاعر وغيرهم من أهل الفن، يملكون احساس ويتأثرون كما يتأثر  الشخص العادي وربما أكثر؛ وليس ذنبه حين تجعل منه في بداية الأمر  على أنه ملاك وحين تكتشف بأنه بشر  تتعامل بردة فعل لا إنسانية وكأنه هو الذي أوهمك بأنه ملاك وهو الذي قد خذل خيالك.

وأحياناً الفضول يدفع المتلقي لمعرفة لمن يكتب هذا، ولمن يغني تلك الأعنية، ولمن يرسم هذه اللوحة. أو أن فضوله يصور له بأن الفنان يعيش جميع الحالات التي يجسدها من لوحة أو قصيدة أو خاطرة.  على المتلقي أن يتعاطى مع ما يقدمه الفنان من إبداع؛ لا أن يتعاطى مع شخصه. من الصعب امتلاك الفنان لأنه يحتاج لمساحة كبيرة يتحرك بها؛ فهو  لا يحب القيود، لأن القيد لا يسجنه هو بل يسجن موهبته. للفنان قلب واحد وليس له ألف قلب. احترام المسافة من شأنها أن تبقي البريق داخل المتلقي لا ينطفئ. وعليه أن يتعامل بحيادية مع ابداع الفنان ومع خصوصيته فلا يحب ابداعه حين يحب شخصه ويخاصم إبداعه حين يتأكد بأنه ليس من حقه ولا يقدر على امتلاكه.

نحن شعوب قليلاً ما نمارس ثقافة الحيادية، سواء مع الأديان أو الطوائف والاختلافات المنطقية؛ وهذا هو السبب الذي صنعَ الشرخ ما بين طبقات المجتمع متعدد المذاهب والمعتقدات؛ إذ أننا نجعل الأشياء شخصية، إن من واجب كل إنسان واعي أن يحترم خصوصية الآخر، ولا يقحم نفسه فيها. لم تفلح الثورات العربية كلها، ولم يثمر الربيع العربي إلا بالموت والدمار؛ لأننا لم نفهم ماهية الحرية، وكيف تُمارس تلك الحرية.  لم نتعلم الفصل ما بين الأشياء، نخلط الأشياء ببعضها بشكل فوضوي، مما أنتجَ ألواناً داكنة، لا معنى لها وليس بها أي قيمة إنسانية أو فنية.

لو أننا نتعلم كيف نستثمر الفضول في معرفة الحقائق العلمية والأبحاث الكونية بدلاً من أن نستثمرها في التدخل بشؤون الآخر والتي لا تقدم ولا تأخر  أي شيء. فقط حين نفهم ذكاء المسافة وجغرافيتها مع الآخر ، عندها نعيش بسلام داخلي ونرتاح من مشاعر الكراهية والحسد والحقد كلما اكتشفنا بأن الآخر لديه أشياء أجمل مما نملكها نحن. أو أن نتوهم بأن الآخر مختلف عنا ونعطيه قيمة أكبر مما هو عليها بالواقع. فلا تطرقوا الأبواب وتزعجوا أصحاب الدار، واحترموا المسافة لتظلوا وتعلموا كيف ومتى تستخدمون مسافة الحيطة والحذر لكيلا تصدموا بعضكم وتنصدموا ببعضكم ..



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش