الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الصراع في ديوان قنص متواصل للشاعر عمر أبو الهيجاء

تم نشره في الجمعة 24 حزيران / يونيو 2016. 08:00 صباحاً

رائد الحواري *



يلجأ العديد من الكتاب إلى المرأة أو إلى الطبيعة أو إلى الكتابة ليتخلصوا من قتامة الواقع، وشاعرنا أبو الهيجاء يميل مع هذا الميل، فنجد المرأة حاضرة في الديوان كما هو الحال في الكتابة، فيقول في قصيدة «هواء شفيف»:

«لي كل هذا الإحتراق

والإمتداد الأخير

لي رياحي المختلفة

وطقوس الجمر في مبتدأ النهار

لي وجهك

يا امرأة

تراقصني كفراشة

في جسد المزمار» ص 26.

في المقاطع الأولى يحدثنا الشاعر عما يثقل صدره، فنجد «الاحتراق، والرياح، والجمر»، كلها ألفاظ توحي بصعوبة وقسوة الواقع، لكنه في المقابل أوجد متنفسا يساعده على مواجهة الواقع، فكانت المرأة، المرأة المانحة للفرح والبهجة، وقد أنعكس أثرها حتى على لغة الشاعر، بحيث كان هناك تناسق تمام بين الألفاظ والمضمون، فكل الكلمات المستخدمة كانت تعبر عن البهجة، وبهذا يكون الشاعر قد وازن بين ثقل الواقع من جهة وتأثير المرأة في المقابل.

وهذا التوازن بين الواقع والمرأة لا يتوقف عند هذا الحد، بل نجد الشاعر يجعلها موازية لقوة الموت، حتى أنه يتقبل الموت إذا كانت المرأة حاضرة، فهي تستطيع أن تغير في مضمونه، فتجعل من الفناء والنهاية عالم فسيح يتسع للفرح والسعادة فيقول:

«لفني حارس الموت

بالبياض الكثيف

تاركا جسدي لمشرحة التراب

وأنا أرتقي لسهل القصيدة

في فضاء مشبع بالنهود

تلك قرابيني

ودمي الهطول

دمع جسور اعتراني

إذاً

مري ببابي يا امرأة من نبيذ

أول الندى قلبي

وكل الدروب تفضي إليَّ

وهذي الورود مفاتيحي» ص27.

فرغم الألفاظ القاسية التي جاءت في البداية، «حارس الموت، مشرحة التراب»، كانت القصيدة التي أخذت شكل امرأة «مشبع بالنهود»، تتصارع مع واقع الموت وما سيكون عليه الحال بعد حضور المرأة، وكأن الشاعر يمر في حالة مخاض/صراع، حيث جاءت من خلال الألفاظ «قرابيني، ودمي الهطول، دمع جسور»، فهذه المرحلة من المخاض أوجدت واقع جديد، تختلف تماما عما كانت عليه البداية، فنجد «نبيذ، الندى، دروب، ورود، مفاتيح»، كل هذه الألفاظ تعبر عن حالة جديدة وجدت بعد حضور المرأة، التي قلبت الموت والتراب إلى حالة مناقضة تماما، تتمثل بالبهجة والفرح.

وهناك نموذج آخر قدمه الشاعر عندما جعل من كتابة الشعر مخرج لقتامة وقسوة الواقع، فيقول في قصيدة «حناء دمي»:

«ها أنا أقتفي ظلي

أبحث عني

في تفاصيل الطفولة

لم أجدني

للريح أسند ظهري

تناوشني الرمال

فاتخذت القصيدة

سلما للحياة» ص58.

فالواقع شديد الوطأة على الشاعر، لكنه استطاع الخروج منه وتجاوزه من خلال القصيدة، التي كانت «سلما للحياة»، للنجاة، فرغم أن الشدة كانت قاسية وقوية، حتى أن الطفولة فقدت ولم يعد لها وجود، الشاعر لم يشعر بها، لم يحس بها، لكنه من خلال الكتابة استعاد توازنه واستطاع أن يرتقي إلى الأعلى، وهذا الرقي بفضل الكتابة.

يكشف لنا الشاعر عن اللغة التي تتراوح بين الجمر والرماد، بين النار والماء، بين القسوة والهشاشة، من خلال قصيدة «مكابدات»، التي يقول فيها:

«إني أبصرت لغتي تشهق

وأنا أكتوي بالوقوف على حد الحروف

لغتي تشبهني

فأتلوا عليَّ قبل الممات وبعد البعاث

سور النار» ص133.

هذه القصيدة من أقسى القصائد، يحدثنا فيها الشاعر عما يمر به، فهي بمثابة ذروة ألم المخاض، فإما يخرج منها مولوده (القصيدة)، سالمة كاملة، وإما ينتهي ويمسي محاق. فنجد فيها الألفاظ القاسية والغليظة، وكلها تعطي مدلول صراع الدامي، «تشهق، أكتوي، الممات، البعاث، النار».هناك تأثر بالقرآن الكريم في العديد من القصائد، مثل: «ألم أقل لك يا قلب/ لن تستطيع معي صبرا»، ص43، والتي تحاكي ما جاء في سورة الكهف: «قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (72)»، ويقول في قصيدة «بيوت جافلة»:

«أخوتي لا يعرفون عني

سوى أني

أخوهم

جاءوا لأبي «بدم كذب» ص71.

فهذا المعنى جاء في سورة يوسف بذات المضمون، «وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ، قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ»

18 يوسف، طبعا هذا يخدم النص، وفي ذات الوقت يشكل دعوة من الشاعر إلى النهل من القرآن الكريم لما فيه من جمالية لغة وصيغ أدبية تجعل المتلقي يستمتع ويعيش حالة من التأمل.

نذكر بأن الديوان من منشورات دار الكرمل للنشر والتوزيع، عمان، الطبعة الأولى 2004،

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش