الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الدين ليس وصفة سحرية

د. رحيل محمد غرايبة

الأحد 19 حزيران / يونيو 2016.
عدد المقالات: 456



من يقدم الدين على أنه وصفة سحرية لحل مشاكل الدولة أو الأمة أو وصفة سحرية  لحل مشاكل العالم؛ فقد أخطأ الفهم وأخطأ المسار، لانه أخطأ في فهم حقيقة الدين والتدين، وأخطأ في حمله ونقله والتبشير به، وأحدث ضرراً فادحاً في منهجية التعامل مع الدين على وجه العموم.

الدين ليس وصفة سحرية تشبه «التعويذة أو التميمة» التي بمجرد حملها أو تعليقها في العنق أو التمتمة بها يحدث الشفاء، وتتنزل الحصانة على حاملها من العين والحسد ومس الشياطين، فهذا فهم ساذج وقبيح ومناقض لما أراده الخالق جلّ وعلا، ومناقض لما بشر به الرسل والأنبياء والعلماء والفقهاء والحكماء عبر التاريخ البشري.

الدين مجموعة من المبادىء والقواعد العامة، ومنظومة من القيم النبيلة المشتقة من حقيقة الإيمان بالله، من أجل مساعدة الناس على العيش المشترك بسعادة، ومن أجل توجيه عقولهم نحو التفكير الصحيح، ومن أجل زيادة فاعلية الإنسان في حياته وتنمية قدراته على اكتشاف نواميس الكون وتسخيرها بطريقة علمية صحيحة، ومن أجل امتلاك مهارة حل مشكلات الحياة، ومن أجل التغلب على عوامل الشقاء والنكد والكبت، ومن أجل تحسين مستوى الأداء العملي المتقن، ورفع سوية الأخلاق لدى التجمعات البشرية، وتزكية نفوسهم لتصل إلى مستوى التعاون والتكافل بين افراد المجتمع، المفضي إلى أسمى درجات العيش المشترك الامن القائم على الحب والمودة والتقدير والاحترام المتبادل.

الدين يعلمنا أن الكون مصمم على قوانين صارمة لا تتخلف، ومن يصادمها أو يناقضها  يتعرض لسوء العاقبة وفقاً لنواميس الكون العادلة التي تحابي الكسول، ولا ترحم الجاهل الغبي الذي لم يستطع إدراك حقائقها وأسرارها.

الدين يعلمنا أن الطريق نحو اكتشاف سنن الحياة لا تكون إلّا عبر العلم، وبذل الجهد في تحصيل المعرفة، ولذلك أمر الله النبي بأول كلمة أنزلت في القرآن «إقرا» من أجل أن يتعلم ويعرف كيف يعمل وكيف يعيش وكيف يتعامل مع الكون والموجودات بطريقة صحيحة، وأمر المؤمنين والناس أن يقوموا لله مثى وفرادى  ثم يتفكروا، من أجل التفكير بهدوء وروية بعيداً عن الغوغاء والتأثير الجمعي الضاغط، وأمرهم بالسير في مناكب الأرض من أجل البحث عن الرزق، والوقوف على مصائر الأقوام الغابرة وأخذ العبرة والدرس، والتدبر وانعام النظر في النجوم والكواكب وكل الموجودات وإدراك أسرار الحياة وبناء العلاقة الطيبة معها.

الدين يعلمنا أن نعمل ونجتهد في البذل من أجل الكسب، فقال : «وقل اعملوا» ويعلمنا أن نستثمر في الأرض بلا اسراف ولا تبذير، وأخبرنا بأن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، وأن نبتعد عن التواكل باسم القدر، وأن لا ننتظر المعجزات والخوارق لتحقيق الأهداف والغايات، لأن النبي صلى الله عليه وسلم مارس العمل وواجه مشكلات الحياة مثل كل البشر، وشعر بالجوع والخوف والألم والمرض، وانتصر في بدر وهزم في أحد، وتعرض للجراح وكسرت رباعيته ودخلت حلقات المغفر في وجنته.

ولذلك لا يجوز تقديم الدين على أنه وصفة سحرية جاهزة  للانتصار على الأعداء بلا عناء، ووصفة جاهزة  للتقدم والتحضر وتحقيق السيادة على البشر، بمجرد رفع الشعار بلا علمٍ ولا عمل ولا جدٍ ولا اجتهاد ولا بذلٍ ولا تضحية، ولا أخذٍ بالأسباب ولا اكتشافٍ لنواميس الكون، وبلا قدرة على التعامل وفق المعايير العادلة المأخوذة من قوله تعالى : «وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ» وقوله تعالى: «إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ»، وقوله : « إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ».

ليس هناك أشد ضرراً على الدين وعلى الأمة من المتدينين الجهلة، الذين يظنون أن الدين عبارة عن خطط عملية موضوعة وبرامج تنفيذية جاهزة تصلح لكل مكان ولكل زمان، وما على الإنسان إلّا تطبيقها وتنفيذها !! فهذا عين الجهل وسر الفشل والهزيمة، وإلغاء لدور الإنسان في الاستخلاف والإعمار في الأرض الذي لا يتحقق إلاّ من خلال التنافس بين الأمم والشعوب وفقاً لمعايير الابتلاء العادلة، و إذا لم يمسك المتدينون بناصية العلم والمعرفة، ولم يتمكنوا من بناء الإنسان والمجتمع، واكتشاف سنن الكون ونواميس الحياة، ولم يتمكنوا من الوصول إلى مستوى الفاعلية المطلوبة للإنجاز والتقدم سوف يكونون عبئاً على الدين وعبئاً على الحياة على البشرية.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش