الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أم الجمال تستصرخ الهمم.. فهلْ من مُجيب

تم نشره في الخميس 16 حزيران / يونيو 2016. 08:00 صباحاً

 أ.د. محمد عبده حتاملة *



كانت قوافل الجمال التي تحمل البضائع بين الشرق والغرب والشمال والجنوب تستريح في البلدة للتزود بالمؤن والمياه .

لكل أمّة من الأمم، أو شعبٍ من الشعوب، أو بلدٍ من البلدان حضارته وتاريخه وتراثه الحضاري. والأردن، هذا البلد الصغير بمساحته وعدد سكانه ومقدّراته، غنيّ جدّاً بما حباه الله سبحانه وتعالى من تنوّع في طبيعته ومناخه وما يحتضنه من مواقع وكنوز أثرية لا تُقدَّر بثمن، تشهد على ما تقلّب على أرضه الطهور من حضارات وما وقع على ترابه من أحداث جعلته دائماً وأبداً في قلب العالَم. غير أنّ امتلاك الكنوز والثروات شيء، وإدامتها والحفاظ عليها من عاديات الزمن شيء آخر. وإنّما يقاس تقدّم الأمم وتطورها بقدرتها على الحفاظ على كنوزها التاريخية والأثرية وما تبذله من جهود في سبيل ذلك، إضافة إلى ما تتخذه من خطوات وما تقوم به من إجراءات لإبراز هذه الكنوز النفيسة للعالم والترويج لها لكي يؤمَّها الزوار والمهتمون من شتى أصقاع الأرض.

    وعلى الرغم من تنوّع الكنوز التاريخية والأثرية على ثرى الأردن وامتدادها على كافّة أرجائه؛ من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، وبصرف النظر عن أهمية جميع الكنوز التاريخية والأثرية التي يحتضنها الأردن؛ فإن مدينة أم الجمال تبرز من بينها كقيمةٍ متميزة عزّ نظيرها في المنطقة وفي العالم. وقد آثرتُ أن أُلقيَ في عجالةٍ قبساً من الضوء على هذه المدينة الأثرية النفيسة التي تعرضت وما زالت تتعرض للتهميش والإهمال ولا تلقى ما تستحقه من اهتمام. وكلّي أمل ورجاء أن تصل صرختي، بل صرخة أم الجمال، إلى المسؤولين وصُنّاع القرار، فتُصادف آذاناً صاغية وقلوباً عامرة بحُبّ هذا الوطن الغالي والانتماء الصادق إليه.

    ومن جهةٍ أخرى، فإنني آمل أن يتعرّف المواطن الأردني على هذا الكنز التاريخي الثمين والموقع الأثري النفيس، إيماناً منّي بأنّ الاهتمام بالمواقع التاريخية والأثرية ليس مسؤولية الدولة وحدها، وإنّما هو مسؤولية كل مُواطن مهما كان موقعه. لعلنا نتمكن بذلك من لفت الانتباه إلى هذه المدينة ليتمّ الاهتمام بها ووضعها في واجهة الدعاية السياحية بهدف إعلاء شأن بلدنا ليتبوّأ المكانة التي تليق به بين بلدان العالَم.

    كان اسمها: (كانثا)، وقد انضمت بهذا الاسم إلى حلف ديكابوليس الذي أقيم أيام اليونان والرومان، وتكوَّن من عشر مدن معظمها في الأردن، وبعضها في سورية وفلسطين. ويرجح هاردنغ في كتابه (آثار الأردنّ) أن الرومان أطلقوا عليها اسم (ثانتيا)؛  “ لأن الجغرافيين القدامى يذكرون بلدة بهذا الاسم يتبين مما كتبوه عنها أنها كانت تقع في هذه الناحية”. و(ثانتيا) مدينة بناها اليونان على قرب يسير من المفرق، وقد ضاعت، وليس مؤكداً أنها هي نفسها أم الجمال، والكتابات القديمة التي اكتشفت في أم الجمال لا تورد اسماً للمكان، على الرغم من كثرتها وتنوع خطوطها، ولغاتها.

    وتعرف أم الجمال أيضاً باسم (الواحة السوداء)، وهو اسم أوحى به المكان، حيث تكثر الحجارة الكبيرة السوداء، كما أن المدينة كلها بنيت بالحجر البركاني الأسود، وهو حجر خلفته البراكين التي قلبت باطن الأرض على مسافات واسعة تمتد إلى الشمال وإلى الشرق. أما اسمها (أم الجمال) فحديث، كانت تعرف به خلال القرن التاسع عشر الميلادي ولا تزال ، وقد أورد بيركهارت الذي زارها العام 1812م هذا الاسم، وأشار إلى أنها بلدة خربة. وربما سميت به لكثرة الجِمال (جمع جَمَل) فيها، سواء تلك التي كان يربيها أهلها الذين اشتهروا بتربية الإبل، أو التي كانت تعبُرها على شكل قوافل تنقل التجارة بين الشمال والجنوب، والشرق والغرب.

    والجدير بالذكر هنا هو أن المدينة الأصلية للأنباط في المنطقة تقع إلى الجنوب الشرقي من مدينة أم الجمال الأثرية الحالية، على بعد كيلو متر ونصف تقريباً. وهذه المدينة الأصلية كانت تقع على ربوة مطلة على سهل واسع، وتسمى هذه المنطقة في الوقت الحاضر (الِهْري) بكسر اللام وتسكين الهاء، ومعنى الِهْري: المنطقة الخراب. وهذه القرية هي النواة الأساسية لمدينة أم الجمال، ويعود تأسيسها على الأرجح إلى القرن الأول قبل الميلاد.

    وتقع مدينة أم الجمال الأثرية في الطرف الشمالي الشرقي من الأردن، وتبعد عن عمان إلى الشمال الشرقي منها خمسة وثمانين كيلومتراً، بينما تبعد عن مدينة المفرق حوالي اثني عشر كيلومتراً إلى الشمال الشرقي أيضاً. ويمكن الوصول إلى أم الجمال عن طريق المفرق- بغداد، حيث تتفرع إليها طريق طولها ستة كيلومترات إلى الشمال. وقد وصف هاردنغ كيفية الوصول إلى أم الجمال فقال: “على المسافر عندما يبلغ مفترق الطرق عند بلدة المفرق أن ينحرف مباشرة إلى طريق بغداد. وبعد أن يسير عليها مسافة قصيرة، فإنه سرعان ما يشاهد لطخة سوداء  في السهل من الناحية الشمالية، ليست سوى أم الجمال”. وتقع أم الجمال فلكياً على خط الطول 36 درجة و33 دقيقة شرقاً، ودائرة العرض 32 درجة و20 دقيقة شمالاً. وقد بُنيت المدينة على طرف أحد الأودية التي تنحدر من جبل الدروز باتجاه الجنوب الغربي. وكانت تشكل محطة في منتصف الطريق التي تصل بين عمان والبصرة ودمشق. وقد جاء بناؤها على طرف الوادي لكي يؤمِّن لها المياه التي تعد العامل الأساسي للاستقرار، وتوجد فيها عشرات البرك وخزانات المياه والآبار المحفورة على أطراف الوادي، التي لا يزال قسم منها صالحاً للاستعمال حتى الوقت الحاضر.

    وتقع إلى الغرب من مدينة أم الجمال طريق تربط بصرى بعمان والبترا والعقبة. وهناك أيضاً تراجان التي تربط بين شمال غرب الأردن حيث منطقة المدن العشر الرومانية (ديكابوليس) من جهة، ومنطقة الأزرق التي تعد البوابة الشمالية الغربية لوادي السرحان من جهة أخرى.

    وتبدو أم الجمال لمن ينظر إليها عن بُعد بلدة تمور بالحياة، وليست خربة خاوية؛ إذ لا تزال أبراجها وبعض منازلها قائمة، ويحيط بها سور فيه بوابتان أنشئتا أصلاً في الجانب الجنوبي منه، وقد سدتهما الحجارة المتساقطة.

    ويُشار في هذا المجال إلى أن الحجارة في أم الجمال لها أشكال وأحجام مختلفة، وبعضها يمتلئ بالفقاقيع وخشونته شديدة، وكان يستعمل في الأردن حتى منتصف القرن العشرين الميلادي لصنع الجواريش اليدوية والطواحين العادية لطحن الحبوب. وبعضها الآخر دقيق ناعم أملس، ومنها ما هو متوسط الخشونة، وقد استخدم هذا النوع الأخير في بناء بيوت أم الجمال؛ لأن قِطَع هذه الحجارة ونحتها وتشذيبها لم يكن أمراً عسيراً رغم صلابتها الشديدة.

    ويصف هاردنغ مباني أم الجمال، والطرق الفنية التي اتبعها أهلها في صنع الأبواب وتركيب السقوف لهذه المباني؛ فيذكر أنهم عندما أنشأوها “تجنبوا استعمال الخشب في البناء حتى من أجل صنع الأبواب أحياناً كثيرة؛ فقد صنعوا أبوابهم من ألواح ضخمة من الحجر. أما سقوف البيوت فقد كانوا يقيمونها من ألواح الحجر المتداخلة بعضها مع بعض ابتداءً من الطرف العلوي للجدران. أما إذا كانت الفجوة العليا أعرض من أن تسقف بالألواح فقد كان الأقدمون يعمدون إلى قطع دعامات دقيقة من الحجر ويضعونها متعارضة فوق الحجارة المتداخلة، ثم يركبون فوقها الألواح. أما طريقتهم في سقف الحجرات ذات الأشكال الشاذة، فقد كانت معقدة، وغالباً ما تكون بدائية فجة”.

    وكان أهل أم الجمال،وفقاً لما يورده هاردنغ أيضاً، عندما بنوها يستعملون طريقة أخرى في سقف المنشآت غير التي سبق ذكرها، “وهي بناء سلسلة من الأعمدة المتقاربة، ثم وضع الألواح  الحجرية متقاطعة فوقها، وكانت هذه الطريقة تستعمل على وجه الخصوص في سقف الآبار”.

    ونتيجة لاستعمال أهالي أم الجمال الحجارة بطرق عديدة لجميع أغراض البناء،فما زالت بعض الأدوار العليا لعدد من منازلها في حالة سليمة. وقد أنشئت المنازل على النمط الشرقي المعتاد؛فهناك ساحة سماوية تحيط بها الحجرات، ودرج خارجي يؤدي إلى الأدوار العليا. وكان كثير من المنازل يضم اصطبلات ومذاود، وكان بعضها يحتوي على مرحاض صغير أو موضع للغسل أنشئ في صلب الجدار قرب الباب.

    لقد أنشئت أم الجمال، على الأغلب، في عهد الأنباط، خلال القرن الأول قبل الميلاد؛ فهي مدينة عربية نبطية، شكلت محطة لنزول القوافل، والدليل الباقي على ذلك هو تلك الساحات المفتوحة العديدة في داخل البلدة، التي أعدت لإقامة القوافل العابرة. وكانت قوافل الجمال التي تحمل البضائع بين الشرق والغرب والشمال والجنوب تستريح في البلدة للتزود بالمؤن والمياه التي كان السكان يجمعونها في الآبار والبرك الواسعة في أثناء فصل الشتاء، إضافة إلى المياه التي كانوا يجمعونها في آبار منازلهم.

    فمدينة  أم الجمال أسست في الأصل لتكون مدينة تجارية، وقد أقام الأنباط مساكنهم ومعابدهم على مساحة من الأرض تبلغ ثمانين دونماً، ويحيط بها سور يبلغ سمكه من متر إلى مترين. وبنوا المعابد وحفروا الآبار داخل هذه المساحة.

    وظلت أم الجمال في أيدي الأنباط حتى أوائل القرن الثاني الميلادي حيث استولى عليها الرومان العام 106م، وأقاموا فيها منشآت جديدة، واستمرت في عهدهم تعيش حياة هادئة رتيبة. وأصبحت في عصر البيزنطيين مركزاً دينياً له بعض الأهمية؛ إذ وجدت فيها بقايا ما لا يقل عن خمس عشرة كنيسة. وقد أنشئت أولى هذه الكنائس سنة 345م، وتعد هذه الكنيسة - التي تسمى كنيسة يوليانوس - أضخم وأوسع كنيسة في البلدة. ثم بنيت فيها كاتدرائية صغيرة العام 557م. وتوالى بعد ذلك إنشاء هذا العدد الكبير من الكنائس في بلدة أم الجمال.

ففيها من الكنائس:

1.    كنيسة نومريانوس.

2.    كنيسة كلاوديانوس.

3.    كنيسة ماسيكوس.

4.    الكاتدرائية.

5.    الكنيسة المزدوجة.

6.    الكنيسة الغربية.

7.    كنيسة يوليانوس.

وبلفت الانتباه في أم الجمال مبنى يعد مثالاً جيداً للأبنية ذات الحجارة المتداخلة في البلدة؛ ففي ساحة هذا المبنى مذبح كبير، متقن النحت، عليه كتابات دقيقة. وهناك مبنى آخر ربما كان قصراً لحاكم البلدة. فهو أكثر رحابة واتساعاً من معظم المنازل الأخرى، وفي واجهته نوافذ ذات أقواس، وعمود صغير.

وتتخلل الأسوارَ المحيطةَ بأم الجمال ثماني بوابات، إحداها في الجانب الشرقي، واثنتان إلى الغرب، واثنتان إلى الشرق، واثنتان إلى الجنوب، وواحدة في الجانب الشمالي. ولا يزال موجوداً في الجهة الشرقية من الأسوار، وغير بعيد عنها، جانب من شبكة أقنية المياه التي كان يجري فيها ماء المطر والسدود لملء البرك والآبار.

هذا، وقد بقيت أم الجمال طي النسيان إلى أن قامت بعثة من جامعة برينستون الأمريكية بمسح أثري لمنطقة جبل الدروز وجنوبي حوران خلال الفترة 1891- 1903م. وقد نشر عالم الآثار الأمريكي بِتْلَرBettler وعالم النقوش واللغات السامية لِتلمان Littmann، اللذان قاما بالإشراف على المسح الأثري، العديد من المقالات والبحوث التي لا تزال مرجعاً مهماً عن المنطقة، لا سيما أم الجمال. ويذكر هنا أن لِتلمانLittmannأفرد كتاباً خاصاً للنقوش السامية التي اكتشفتها البعثة، وخصّص فيه جزءاً مهماً عن أم الجمال التي اكتُشف فيها عدد كبير من النقوش.

ويدل تنوع لغات النقوش المكتشفة في أم الجمال من نبطية ويونانية ولاتينية وصفوية  وعربية شمالية، كما يدل وجود نقوش ثنائية اللغة في المكان نفسه، على أن بعض أبناء القبائل العربية الذين عاشوا في البلدة خلال القرون الميلادية الأولى كانوا يتقنون أكثر من لغة، وهو الأمر الذي يؤكد أنهم كانوا من مستوى ثقافي رفيع، مثلما يشي بعمق اتصالهم بالحضارات المجاورة، وتفاعلهم مع عصرهم. ويؤكد هذا أيضاً أن مدينة أم الجمال كانت مركزاً مهماً للتجارة التي تتطلب معرفة اللغات والثقافات الأخرى، وتوافر وسائط النقل التي كان الجَمَل يشكل عمودها الرئيس.

إنّ ما أهَّـل أم الجمال لاحتلال موقعها التجاري المتميز هو أنها أُنشئت في مكان يوفر للقوافل الأمن والغذاء والماء. فقد أقيمت قربها السدود، ومنها كانت المياه تتدفق إلى برك مستديرة الشكل في معظمها، وينحدر درج من البازلت إلى قعرها. وتقع كبرى هذه البرك إلى الشمال الشرقي من المدينة.

ويبدو أن تعلم اللغات وما يتبع ذلك من مهارة الكتابة والحساب اللذين يساعدان التجار في ضبط تجارتهم قد شكل جزءاً مهماً من حياة أهل أم الجمال في القرن الثالث الميلادي. ويستدل من نقش مكتوب بالخطين النبطي واليوناني على أن صاحب النقش، ويدعى: فهر بن سلمى، كان مربياً ومعلماً لشخص يُدعى: جذيمة. ويدل ذلك على أن التعليم كان معروفاً ومنتشراً في المنطقة عموماً، وفي أم الجمال بشكل خاص.

ويعد النقش الذي يمثل شاهد قبر لفهر بن سلمى، مع نقش آخر اكتشف في أم الجمال، من أهم النقوش التي تبرز تطور اللغة العربية، وتثبت أنّ الخط العربي الذي نكتب به اليوم متخذ من الخط النبطي القديم، ولا يفوق هذين النقشين أهمية للاستدلال على أصول الخط العربي سوى نقش النمارة الذي وجد على مسافة غير بعيدة من أم الجمال أيضاً.

لقد ازدهرت مدينة أم الجمال في عهد الأنباط، ودلت على ذلك حفريات حصلت إلى الشرق من أسوار هذه المدينة الأثرية، كما دل عليها معبد نبطي تم اكتشافه في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، وعشرات النقوش النبطية المهمة التي كشفت عنها حفريات دائرة الآثار العامة في وسط المدينة، ويشير بعضها إلى تقدمات لمعابد نبطية كانت مبنية لعبادة الآلهة النبطية المعروفة، ومن أشهرها (ذو الشرى).

وظلت مدينة أم الجمال على ازدهارها حتى الفترة الرومانية المتأخرة. ومما يؤكد ذلك المباني الرومانية  الضخمة التي لا تزال تشهد حتى اليوم على ازدهار المدينة وأهميتها في ذلك العصر. ويرجع إلى ذلك العصر الذي يبدأ بالقرن الثاني الميلادي: مبنى الحاكم الإداري (Praetorium)، وأسوار المدينة، والبوابة الرئيسة الواقعة في الجهة الغربية من أسوارها.

والجدير بالذكر أن مبنى الحاكم الإدراي، أو دار الولاية، تقع بين البوابتين الغربيتين، وتضم عمارتين، ويعود تاريخها إلى العام 371م.

وقد تعرضت أم الجمال إلى هزات وخراب شديدين خلال القرنين الثالث والرابع الميلاديين، وضربها وجوارها زلزال عنيف مدمر عام 749م ذهب بالكثير من معالمها. وبالإضافة إلى الكوارث الطبيعية، تأثرت المدينة بالحروب، غير أن بعض مبانيها الضخمة، مثل مبنى أو قصر الحاكم الإداري، بقيت في حالة سمحت بترميمها.

ويبدو أن البناء العسكري Castellum الواقع في الجهة الجنوبية من آثار أم الجمال بني خلال الحملة التي قام بها الرومان لإعادة السيطرة على المنطقة العربية، وذلك في عهد الإمبراطور كلوديوس الثاني (268- 270م)، الذي أقيمت  في عهده وفي عهد من تلاه من الأباطرة، وخاصة أورليان (270- 275م) وكاروس (282- 284م)، العديد من المراكز العسكرية المهمة لمراقبة التخوم الرومانية، وصد هجمات القبائل العربية التي دعمت زنوبيا في ثورتها ضد الرومان، وتأمين طرق التجارة، وحراسة القوافل التجارية.

لقد شهدت مدينة أم الجمال تقدماً ملحوظاً في عهد الرومان والبيزنطيين على الرغم من تعرضها لزلزال مدمر عام 551م، ووقوعها تحت وطأة الاحتلال الفارسي في أوائل القرن السابع الميلادي. ولم يتوقف بناء الكنائس في أم الجمال أو ترميمها حتى في العهد الأموي؛فقد كانت للسكان المسيحيين الحرية في إنشاء تلك الكنائس على الرغم من دخولهم في ظل الدولة الإسلامية. وقد دلت أعمال الحفريات التي تتولاها دائرة الآثار العامة في أم الجمال على وجود مبنى سكني يعود إلى الحقبة الأموية (661- 750م)، وهذا المبنى المكتشف سيتم ترميمه وصيانته من أجل استخدامه مركزاً لزوار آثار المدينة، وسيتم إنشاء مرافق ووحدة خدمية حول المبنى لتحسين بنية الموقع التحتية.

ويرجح أن المبنى الأموي المشار إليه هو نفسه قصر الحاكم الروماني الذي أعيد استخدامه في الفترة الأموية، وأضيفت إليه حمامات خاصة، وتم تبليط قاعة الاستقبال الرئيسة فيه، ورصْف بعض غرفه بالفسيفساء، كما لُوِّنتْ جدرانه بعد إعادة تجصيصها بالفسيفساء. وقد قضى على معظم مباني مدينة أم الجمال ذلك الزلزال المدمر الذي ضرب المنطقة العام 749م، وأدى انتقال عاصمة الخلافة الإسلامية من دمشق إلى بغداد على أيدي العباسيين في العام 750م إلى تناقص أهمية أم الجمال الاستراتيجية كمدينة عسكرية وتجارية مهمة على طريق الحج والتجارة. وأدى ذلك بدوره إلى تناقص عدد السكان فيها لفترات طويلة وإن بقيت مأهولة بعدد قليل منهم خلال الفترة العباسية.

وأخذ عدد السكان في أم الجمال يتنامى ويزداد، سيما في العصر الحديث، واستعادت بعض مكانتها القديمة كبلدة مهمة، حتى أصبحت  إدارياً مركز قضاء يسمى باسمها، ويشمل إضافة إليها نحو أربع عشرة قرية، ويتبع هذا القضاء محافظة المفرق. وتضم أم الجمال بالإضافة إلى: الكوم الأحمر، ورسم الحصان، وروضة الأميرة بسمة، وعمرة وعميرة بلدية أم الجمال الجديدة. ويبلغ سكان قرية أم الجمال نفسها زهاء ثلاثة آلاف نسمة، ينتمي معظمهم إلى عشيرة المساعيد، ويعملون في تربية الماشية والزراعة والوظائف الحكومية والجيش.

وتشتمل أم الجمال، بوصفها مركز قضاء، على مرافق عديدة منها مدرستان ثانويتان، إحداهما للذكور والثانية مختلطة. وفيها مركز للدفاع المدني، ومركز صحي، وعدد من المساجد.

ويمكن القول باختصار إن أم الجمال تعد من أهم كنوز الأردن الأثرية الكثيرة؛ ففيها ما يمثل أكثر من حضارة، وكانت كل حضارة تترك للتاريخ ما يدل عليها، غير أن كثيراً من معالمها ما يزال مدفوناً يحتاج إلى كشف وإبراز، كما أن هذه المدينة الأثرية الجميلة الواقعة في قلب الصحراء الأردنية بحاجة إلى كثير من المرافق والخدمات لكي تصبح بترا الشمال وتستقطب الزوار من جميع أنحاء العالم.

هذه أم الجمال تستصرخ الهِمم ... فهل من مجيب؟



 *أستاذ شرف

قسم التاريخ/ كلية الآداب

الجامعة الأردنية

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش