الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أزمة وولفويتز وشاها أودت بمصداقية البنك وأحدثت شروخاً بين أعضائه بعد فضائح «الذئب الأمريكي» هل ينهار البنك الدولي؟

تم نشره في الأربعاء 22 آب / أغسطس 2007. 03:00 مـساءً
أزمة وولفويتز وشاها أودت بمصداقية البنك وأحدثت شروخاً بين أعضائه بعد فضائح «الذئب الأمريكي» هل ينهار البنك الدولي؟

 

 
* لجنة التحقيق: رئيس البنك انتهك أصول العمل به وخالف شروط تعاقده أخلاقياً ومالياً


محمد حسين أبو الحسن - القاهرة - الدستور
في روايته الرائعة "مدينة العميان" يطرح الروائي البرتغالي صاحب نوبل فى الأدب خوزيه ساراماجو رؤية فلسفية وأخلاقية أشبه بالكوابيس تثير تساؤلات عن معاني الخير والشر ، القانون والنظام ، والتقدم والتأخر ، وما تخفيها واجهتها اللامعة من متناقضات بالمجتمعات الإنسانية الحديثة ، التي خضعت كلية لقوانين العولمة وقواها الفاعلة.
فلقد تخيل ساراماجو ما يمكن أن يحدث في مجتمع لا يبصر أفراده احتياجات الآخرين ولا يقدرونها ، بل يصبح الفرد مغلقاً على نفسه ، غارقاً في الأنانية ، مستعداً لفعل وارتكاب أية جريمة من أجل البقاء بالحياة والصراع على متعها ، وإشباع غرائزه ونزواته ، دون أي اعتبار للمعايير الأخلاقية والإنسانية.
وبسبب تلك الغرائز ، رحل بول وولفويتز ذو الألقاب السابقة: رئيس البنك الدولي ونائب وزير الدفاع الأمريكي ومهندس الحرب على العراق كما رحل سابقوه من أقطاب الإدارة الأمريكية الحالية: باول ، رامسفيلد وتينيت وغيرهم بسبب لعنة العراق.
غير أن وولفويتز انفرد بينهم بفضائح مخزية ، بعدما ما أدانته لجنة القيم بالبنك الدولي ، بالفساد المالي والأخلاقي.
وهي القضية التي أضرت بمصداقية تلك المؤسسة الدولية ، وأحدثت شروخاً بين الدول الكبرى المهيمنة على إدارتها ، ليس تجاه الهيمنة الأمريكية على المنصب فحسب ، وإنما أيضاً إمكانية استمرارية البنك الدولي بالدور المنوط به محاربة الفساد وتحقيق الشفافية بوصفهما من آليات تحقيق التنمية المستدامة.

انزواء سياسي بعد سجل حافل
يملك بول وولفويتز سجلاً حافلاً من المناصب والنفوذ في واشنطن ، حتى وصفه بعض المحللين عندما كان نائبا لوزير الدفاع خلال الفترة من 2001 ــ 2005 بأنه.."أقوى رجل في إدارة بوش الابن ، والعقل المفكر لجماعة المحافظين الجدد ".
ولذا أطلق عليه "ذئب البنتاجون" لشراسته وحّدته في الدفاع عن آرائه والوصول بها لخط النهاية. ولعل أبرز الأعمال التي تقترن باسمه عملية غزو العراق التي كان مهندسها الحقيقي بعد هجمات الحادي عشر من ايلول2001 ، لكن الرياح لم تأت بما تشتهى سفن وولفويتز ، وأصابته لعنة العراق. فمع بدء بوش ولايته الثانية ، لعبت الهزائم الأمريكية المتكررة بالعراق ، وما وصف بأخطاء وزارة الدفاع ، الدور الأكبر في الإطاحة به من منصبه ، نظراً لنفوذه الطاغي دفع به بوش لمنصب مدير البنك الدولي. آنذاك أبدت العديد من الدول تململا واضحاً وشكوكاً في جدارة الرجل بهذا المنصب ، على خلفية دوره في العراق. وإن لم يرق ذلك لحد لمعارضة ترشيحه خوفاً من إغضاب واشنطن. ولخص أزمة هذا الاختيار الاقتصادي الأمريكي جوزيف ستيجليتز صاحب نوبل بقوله.."إن اختيار القائد الصحيح بالحرب على الفقر لا يضمن الانتصار ، لكن اختيار الشخص الخطأ سوف يزيد بالتأكيد من فرص الفشل".
وتم إقرار موافقة مجلس المديرين التنفيذيين بالبنك الدولي في 31 مارس عام 2005 على مرشح واشنطن ليكون الرئيس العاشر للبنك ، على أمل أن ينهض بمسئولياته الكبيرة ويحقق طفرة في الجهود التنموية التي تقدمها هذه المؤسسة الدولية تحديداً بالبلدان النامية. غير أنه أصابها العمى ، واستحضر أجواء "مدينة العميان" ، عندما قام بنقل عشيقته شاها رضا التي كانت تعمل في إدارة العلاقات العامة في البنك منذ ثمانية أعوام قبل تعيينه ، للعمل في وزارة الخارجية الأمريكية مع ابنة الرئيس ليزا تشيني ، قبل أن تخرج من البنك ومنحها زيادة كبيرة وفورية في راتبها المعفي من الضرائب ليصل إلى 193 ألف دولار سنوياً. وبعدها بدأت الشائعات تتحدث عن سر هذه الترقية المفاجئة والسريعة ، وتبين بعدها علاقته العاطفية بالموظفة ذات الأصول الإيرانية. وبرغم أنه حاول أن يتملص من المسئولية بالقول انه أعلن عن تلك العلاقة قبل توليه المنصب ، ولكنه اعترف في نهاية المطاف بحدوث الترقية وأنه ارتكب خطأ إدارياً.
غير ان لجنة التحقق في الممارسات الأخلاقية بالبنك الدولي ، اعتبرت ما حدث يندرج تحت نطاق الفساد والممارسات اللاأخلاقية..، وخرج التقرير النهائي يدين وولفويتز ، لكونه غلب مصالحه الشخصية على مصالح البنك منتهكاً أصول العمل داخله ، وخالف الشروط التي تعاقد بموجبها معه. مما يعنى بالتحليل النهائي كونه غير صالح للاستمرار في موقعه القيادي. في البداية حالت ضغوط إدارة بوش دون توجيه إدانة مباشرة لرجلها ، وحاولت الوقوف ضد موجة الرفض العارم لتصرفات وولفويتز ، بوصفها نوعا من الفساد في واحدة من المنظمات الدولية المنوط بها مقاومة الفساد والوقوف في وجهه. لكن المد كان أعلى من قدرتها ، بعدما تزايدت الدعوات المطالبة بإقالة "الذئب الأمريكي" الذي لم يجد بدا في النهاية من الاعتراف بالفضيحة والاعتذار عنها ، لعل هذا يشفع له.
حيث أصدر بياناً في نيسان2007 ، قال فيه.."سأقول بعض الكلمات حول الموضوع الذي يدور في عقولكم.. جئت هنا قبل سنتين ، وطرحت مسألة احتمال تعارض المصالح على لجنة الأخلاقيات وكان رأي اللجنة أن تتم ترقية ونقل شاها رضا.. وكان من المفترض ألا أقحم نفسي بالموضوع ، لذا ارتكبت خطأ وأعتذر عنه".
وقد أخفقت تلك المحاولة في السيطرة على مسار الأزمة وإغلاقها ، بعدما وجه إليه مجلس إدارة البنك الدولي أعنف توبيخ تلقاه خلال مسيرة حياته السياسية ، حيث اتهمه بيان المجلس بالكذب والخداع والتدليس ، وأنه لم يقم بالتفاوض من أجل تعيين عشيقته في وزارة الخارجية وتحديد قيمة مرتبها فقط ، بل قدم تعليمات دقيقة وتفصيلية لذلك ، وتفادى عرض الموضوع على الجهات المعنية داخل البنك للحصول على الموافقة.
وأضاف البيان الذي صدر عن مجلس مديري البنك ، والذي يتشكل من 24 مديراً يمثلون الدول الرئيسة التي تسهم فى موازنة البنك.." سوف يتحرك المديرون التنفيذيون سريعاً للوصول إلى خلاصة حول احتمالات يمكن اتخاذها ، وسوف ينظرون إلى كل القوانين والظروف واضعين في الاعتبار ما يمس البنك ".
وباحتدام الموقف توالت ردود الفعل من داخل الولايات المتحدة وحلفائها الرئيسيين ، فقد شن السيناتور الديمقراطي والمرشح السابق للرئاسة جون إدواردز هجوماً عنيفاً على وولفويتز وطالبه صراحة بالاستقالة مؤكداً أن.."وجوده علي رأس البنك قوض قدرة الولايات المتحدة علي قيادة الحرب ضد الفقر في العالم".
وأن توليه للمنصب الحالي اقترن بالعديد من الإخفاقات المشابهة لتلك التي ميزت إدارته للحرب في العراق ، في إشارة لمنصبه السابق كنائب لوزير الدفاع الأمريكي ، وأحد أهم المسئولين عن التخطيط لعملية احتلال العراق.
ومن ناحيته اعتبر وزير المالية الألماني بيير شتاينبروك استقالة رئيس البنك الدولي من منصبه خطوة ضرورية وفي الاتجاه الصحيح ، وأنها تأخرت كثيراً ، مما تسبب في الإضرار بسمعة البنك الدولي ، وشدد على عدم إضاعة الوقت والانشغال في الماضي بل.."يتعين الآن العمل بجد وبسرعة من أجل إعادة الأداء والقدرات للبنك الدولي خصوصا أن ذلك يعتبر مهما جدا بالنسبة للدول النامية ".
وهو رأي جارح ساندته معظم الدول الكبرى والمؤثرة ، ليكتب النهاية الدرامية لفضيحة وولفويتز ومحاباته لعشيقته شاها رضا ، ولكنها كانت بداية مؤسفة لإعادة النظر في آليات العمل داخل البنك وقدرته الحقيقية لتقديم مساعدات لفقراء العالم..،، وإمكانية تفكيكه وإنشاء كيانات جديدة تتلاءم مع المتغيرات العميقة اقتصاديًا وسياسياً في عالم اليوم بعد تلك الحادثة من عدمه.
فمنذ تأسيسه في كانون الاول عام 1946 عقب الحرب العالمية الثانية على أيدي المنتصرين فيها "مع توأمه صندوق النقد الدولي" وضع البنك الدولي هدفاً معلناً له يتمثل في تشجيع استثمار رؤوس الأموال بغرض تعمير وتنمية الدول المنضمة إليه ، والتي تحتاج لمساعدته في إنشاء مشروعات ضخمة تكلف كثيراً وتساعد في الأجل الطويل على تنمية اقتصاد الدولة ، وبذلك تستطيع أن تواجه العجز الدائم في ميزان مدفوعاتها.
ومساعدة البنك تكون إما بإقراضه الدول من أمواله الخاصة ، أو بإصدار سندات قروض للاكتتاب الدولى ، وتدريجياً صار أحد اكبر المانحين للدول الفقيرة .
ويتكون البنك الدولي من خمس مؤسسات تنسجم في أداء مهامها التنموية: البنك الدولي للإنشاء والتعمير ، مؤسسة التنمية الدولية ، مؤسسة التمويل الدولي ، وكالة ضمان الاستثمار ، والمركز الدولي لتسوية المنازعات.
ويتجاوز عدد الدول الأعضاء بالبنك 183 دولة وهؤلاء مساهمون رئيسيون فيه ، ويمثلون من خلال مجلس المحافظين ، وهم كبار واضعي السياسات في البنك ، وفى الأغلب فإن المحافظ هو وزير اقتصاد الدولة العضو ، وهم لا يجتمعون سوى مرة واحدة سنوياً ، لكنهم يفوضون سلطاتهم إلى 24 مديراً تنفيذياً.
والدول الأكثر نفوذاً وتأثيراً هي كبار المساهمين: فرنسا ، ألمانيا ، اليابان ، المملكة المتحدة والولايات المتحدة ، ولكل منها مدير تنفيذي ، بينما لبقية بلدان العالم الأعضاء مجتمعة تسعة عشر مديراً تنفيذياً.
وولفويتز يخلق أزمة حقيقية
تشمل الأنشطة التي تقوم بها البنك نشاطاً إنسانياً متعدد الأشكال ، منها تقديم قروض للدول الأشد فقرا ، بحيث تؤمن هذه القروض إقامة البنى التحتية داخل تلك الدول ، ويغطي العجز في الميزانية لبعض الدول الأخرى. ويستبعد ميثاق البنك أي شروط سياسية أو سواها ، غير أن الواقع يشير الى أن ممارساته محددة بمفهوم غير مصرفي وهو "التوافق مع رغبات واشنطن ، التي تمتلك 17% من حقوق التصويت".
وُيعد البنك الدولي المؤسسة المالية الأولى في العالم التي بإمكانها لعب دور أكبر في مراقبة المساعدات المالية التي يقدمها للدول النامية ، والتأثير على الحكومات من أجل توظيف أفضل لتلك الأموال وتوجيهها لأغراض التنمية.
ولكن بعد تصاعد الجدل الدائر حول أزمة وولفويتز ، مر البنك الدولي بأزمة حقيقية تتعدى رئاسته ومدى إساءة التصرف ، إلى مدى قدرته على معالجة المشكلة في بيئة لا تخلو من اعتبارات سياسية ، وفي هذا الإطار أكد المتحدث السابق باسم البنك الدولي.."إن مصداقية القائد في محاربة الفساد يلحقها ضرر بالغ إذا تبين أنها تخالف قواعد الحكومة الرشيدة. فالمشكلة خطيرة وتتطلب حلاً سريعاً وشفافا ".
وعلى الرغم من أن المدافعين عن وولفويتز يرون القضية برمتها مرتبطة بصراع سياسي ولا علاقة لها بالاعتبارات الأخلاقية ، الثابت أن تلك الاتهامات التي سيقت ضد صقر البنتاجون السابق تشكل ضربة قاسية لجهود البنك الرامية لمحاربة الفساد ، خصوصا في ظل الحاجة الملحة لمثل تلك الجهود للدفع بعجلة التنمية الاقتصادية فى العديد من الدول النامية التي تتأثر سلبيا بزيادة الفقر وتنامي الأمراض ، وتراجع معدلات التنمية الإنسانية.
والحقيقة أن مشكلة الفساد أشد رسوخاً في التاريخ لكن البنك الدولي بوصفه المؤسسة المالية الأبرز بميدان تقديم المساعدات للدول الفقيرة ، وتلعب دوراً محورياً في الحد من الفساد ، أو التشجيع عليه.
فحسب الخبراء ، أسهم البنك الدولي في تكريس آفة الفساد بالدول النامية التي يفترض به مساعدتها على تحقيق التنمية.
فمنذ تأسيسه والبنك الدولي ينفق مليارات الدولارات سنوياً في شق الطرق وإقامة البنية التحتية بالدول الفقيرة ، لكنه يرفض فكرة التدخل للحيلولة دون إهدار تلك الأموال في شكل رشاوى ، أو اختلاسات بحجة أن ذلك خارج نطاق صلاحيته.
ومن الانتقادات التي توجه لإستراتيجيات البنك الدولي ارتباط مساعداته بشروط يراها كثير من الفقراء مجحفة منها ضرورة الانصياع لآليات السوق الحرة ، لضمان الحصول على القروض والاستثمارات الأجنبية ، والنتيجة هي التطبيق العملي لهذه الإستراتيجية الصارمة لم تؤد إلى النتائج المأمولة ، حتى إن بعض الخبراء المعارضين لنهج البنك يشيرون إلى أن الدول النامية بدأت تفقد سيادتها منذ اضطرارها للانصياع لشروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية ، التي تكره هذه الدول عليها وإلا فإنها ستجد نفسها خارج المنظومة الدولية ، وأن المؤسسات المالية المذكورة ما هي إلا أدوات للهيمنة وإفقار الفقراء لمصلحة الدول الصناعية الكبرى و التبشير بعقيدة الرأسمالية المقدسة.
ويعيد مناهضو العولمة التذكير بمواقف صندوق النقد والبنك الدوليين في أثناء أزمة جنوب شرق آسيا في تسعينيات القرن الماضي ، حينما وقفا موقف المتفرج ، وتركا شعوب هذه الدول تتحمل نتائج تطبيقها لبرامج إعادة الهيكلة التي اقترحاها وطالبا بتنفيذها ، وهو ما تكرر مع الأرجنتين والبرازيل وتركيا ، وإذا كانت هذه المؤسسات تقوم بدور رجل الإطفاء في العديد من الأزمات المالية الدولية ، فإنها من ناحية أخرى تشعل الحرائق لتتقدم لإطفائها. شكلت لحظة إقالة أو استقالة بول وولفويتز من رئاسة البنك الدولي علامة فارقة في تاريخ هذه المنظمة العتيدة.
تعالت بعدها الأصوات المنادية بإصلاح البنك من الداخل حتى يتمكن من أداء المهام المنوطة به على أكمل وجه.
وتركزت تلك المطالب بضرورة إعادة النظر في أساليب اختيار القيادة ، والحد من هيمنة واشنطن في اتخاذ القرارات الكبرى بالمؤسستين الدائنتين في العالم البنك والصندوق ، والشعار الذي رفعته تلك الحملة.."الوقت قد حان لكي يوضع حد للميثاق غير المكتوب الذي بمقتضاه يُعهد برئاسة البنك العالمي لشخصية أمريكية ورئاسة صندوق النقد الدولي لشخصية أوروبية ، وسيكون من المفيد أن تؤدي هذه الأزمة الخطيرة في المؤسسة النقدية الأولى التي تلعب دوراً في محاربة الفقر ، لإثارة التفكير والمراجعة لدى الحكومات بشأن الفلسفة التي نشأت من اتفاقيات بريتون وودز منذ ما يزيد على 60 عاماً ، لكن للأسف لا يبدو على المدى المتوسط أن هذه الحقوق المخولة للولايات المتحدة وأوروبا سوف تخضع للتغيير قيد أنملة..، ".
واستباقاً لتلك الضغوط ، سارعت واشنطن لترشيح روبرت زوليك الممثل التجاري الأمريكي السابق لرئاسة البنك الدولي خلفا لوولفويتز ، ومن ناحيتها لم تقصر الدول الكبرى في الموافقة على مرشح واشنطن الجديد الذي تولى زمام الأمور بالفعل منذ أيام. وكان أول تصريح له بعد توليه لصحيفة الفاينانشيال تايمز.."لا نستطيع الابتعاد عن وجهة النظر القائلة إن الفساد هو نوع من السرطان يتغذى على جسم التنمية. وإن عينه على إصلاح الخلل الذي أحدثته الأزمة الأخيرة في منظومات عمل البنك الدولي ".
وليس من الفطنة الظن أن هذه القضية طويت أوراقها عند هذا الحد وأن ذهاب وولفويتز ومجيء زوليك كاف لتجاوز آثار الفضيحة الأخلاقية ، فهو غير متوافق مع ما ذهب إليه ساراماجو في"مدينة العميان" ، فمستقبل ووجود البنك الدولي على المحك و صار محل مراجعة جادة ، وهمست آراء بالدعوة إلى تغيير شامل داخله بحيث تكون أقرب للعدالة ومصالح الفقراء بدلا من تنفيذ توجهات الهيمنة والتسلط والرأسمالية المتوحشة في عصر العولمة.بل إن البعض جهر بالدعوة للتخلي كلية عن خدمات وسياسات الصندوق والبنك الدوليين ، مثل أعضاء تجمع ميركوسور لدول أمريكا اللاتينية ، إذ قام بعض أعضائه بتدشين بنك الجنوب الذي يستهدف التخلي عن التبعية لصندوق النقد والبنك الدوليين ، بعد دعوة الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز خلال قمة مصغرة في عاصمة باراجواي.
حيث اعتبروا أن فكرة البنك الجديد بات حاجة ملحة وينبغي تحريك هياكله في أقرب فرصة ممكنة مستفيدين من ارتفاع أسعار النفط عالمياً.
وتواجه تلك المحاولة معارضة قوية من الولايات المتحدة التي لن تفرط بسهولة في زعامتها للاقتصاد العالمي من خلال هذه المنظمات التمويلية التي تعد بحق مكونات الجهاز العصبي الحساسة في مجمل الجسد الاقتصادي المعولم.
مهما كانت الفضائح شائنة ، فالرهان قائم على الاستمرارية ، وهى مراهنة الزمان وحده كفيل باختبار حظها في البقاء من عدمه ، وإن كانت رؤية ساراماجو أيضا مؤهلة للمشاكسة بالقدر ذاته.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش