الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أيدولوجيّات ريتشارد باخ الذّهنيّة تقنيّات رواية النّورس أنموذجاً

تم نشره في الجمعة 3 حزيران / يونيو 2016. 08:00 صباحاً

 



هداية الرزوق*



للعنوان دورٌ هامٌ في جذب انتباه المتلقي، ودفعه لمتابعة العمل الأدبيّ؛ ذلك أنّه يُمثّل محطّة لغويّة مختزلة بما يُحدثه من إيقاع ثنائيّ مرتبط بالرّمز والدّلالة، وقد جاء عنوان الرّواية « النّورس» مترابطاً مع مضمونها؛ فالرّواية برّمتها تتحدّث عن النّوارس وعالمها وأسرارها وماهيّتها.

يُحيل العنوان إلى ذاك النّورس الذي يعيش في قلوبنا جميعاً، فهو أيقونة تشي بالكثير من التّفاعلات الرّمزيّة؛ فالنّورس يرمز لكلّ إنسانٍ تتملّكه الإرادة، ويعتريه الفكر النّير، ويشير إلى أولئك الذين يسنّون شرائعهم الخاصّة ويؤمنون بصلاحها وإمكانيّة تنفيذها، هؤلاء يستقون المتعة من إتقان أعمالهم، ويدركون أنّ في الحياة ما هو أعمق من الظّاهر.

للشّخصيّات دورٌ بارزٌ في بناء المتن الرّوائيّ؛ فهي الفاعل الذي ينقل لنا الأحداث بمجرياتها وتفاصيلها، وقد برزت شخصيّة «تيرانس» بين ثنايا السّطور، مجازفٌ تملؤه الدّافعيّة الشّديدة نحو التّعلّم والانغماس في العالم المجهول، كما يستوقفنا « شيانغ» ذاك العجوز اللطيف والذي لم يكن تقدّمه في السّن قد أضعفه بقدر ما منحه الكثير من القوّة، والفلسفة والحكمة التي تقوده إلى أنّ الفردوس ليس إلاّ حالة من الكمال.

يظهر استخدام « ريتشارد باخ» للرّمز بشكل لافت وملحوظ، فالرّمز ينسجم انسجاماً تامّاً مع الأيدولوجيّات الذّهنيّة التي تدور في أعماق «باخ»، ونجد ذلك جليّاً في عبارته: « ثمانية طيور في تشكيلة معين مزدوج»؛ إذّ إنّ المعين الهنّدسيّ رباعيّ الأضلاع، ولعلّ هذه الأضلاع ترمز إلى رباعيّة «باخ» الذّهنيّة ( الابتكار، التّحدي، الكمال، الفردوس) فهو يؤمن بأنّ الابتكار المقترن بالتّحدي يودي إلى الكمال الذي ينقل صاحبه إلى الفردوس؛ وعلى ذلك فإنّ دوافع «باخ» الفكريّة تتميّز بالثّراء المعرفيّ والمعلوماتيّ، وتتميّز أيضاً بالارتقاء إلى كشف ماهيّة الأفق المحظور واختراقه بحكمة وتمرّس.

استعار «باخ» مجريات المشهد السّياسيّ موظّفاً إيّاها في سياق المتن الحكائيّ؛ ليعبّر لنا عن أيدولوجيّته الفلسفيّة التي تُفصِحُ عن فكرٍ مثقفٍ، وشعورٍ متّقدٍ عميقٍ.   

وقد ظهر هذا التّوظيف السّياسيّ واضحاً حين قام كبير النّوارس، بنفي النّورس المبدع الذي أتى بجديدٍ لم يَعتدْهُ أفراد السّرب، ممّا حدا بالنّورس الأكبر إلى معاقبته وطرده مُتذرّعاً بمخالفته للتّقاليد والخروج عن المألوف، ولعلّ « باخ» يستحضر هنا قضيّة سياسيّة ضمنيّة تتمثّل بتلك الأحزاب والجماعات التي تجد في أفكارها الكمال المطلق، بل تتعدّى ذلك لتمارس شكلاً من أشكال التّطرّف الذّهنيّ الذي يَحرم كلّ من تراوده معرفته ومعتقداته بالإتيان بما هو مميّز، أو الانشقاق عن الفكر التّقليديّ العامّ.

يبدع «باخ» في توظيف الحوار الخارجيّ ليشكّل بؤرة إيقاعيّة تنتشر في سياق المتن الرّوائيّ، فتكشف مدى تصاعد الأحداث وتطوّرها، فالمشهديّة الحواريّة التي دارت بين « هنري كالفين» و «جون»  - حين أعلن الأخير عن أنّ العودة إلى السّرب قد حان وقتها - تُقدّم فكراً عميقاً منظّم الأبعاد، ولعلّ هذا الحوار يعصف ذهن المتلقي ليفتضح بعض الخفايا الكامنة في شخصيّة «هنري» ؛ حيث يتبيّن لنا مدى انهزاميّته وضعفه وخوفه، كما يكشف لنا الحوار كيّفيّة تنامي الحدث حين يرد «جون» : « نحن أحرار في أن نذهب حيث نريد ونكون من نشاء».

عمد « ريتشارد» إلى استخدام تقنيّة السّخرية لتؤدي دلالاتها الخاصّة، وقد ظهرت واضحةً من خلال نقده التّعلقَ بالخوارق، والذي برز حين بالغت النّوارس التي تتلّمذت على يدّ «جوناثان» في وصف قدرة «جوناثان» الخارقة، لا بل تجاوزت ذلك لتوصله حدّ التّأليه والرّبوبيّة.

برع الرّوائيّ «ريتشارد باخ» في استحضار العديد من التّقنيّات، من ذلك توظيفه النّبرة بطرق متعدّدة تتآلف بانسجام، وتنخرط في علاقات مميّزة لتستجيب لمتطلبات المغزى والموسيقى والتّعبير، فالنّبرة تعبّر عن مزاج الشّخصيّة، وتكشف انفعالاتها، ومثال ذلك ما نلمسه من زهوّ وفخر في العبارة: « قال شيانغ بانتصار: حسناً» ، وما نجده من يأس في القول: « تنهّد فليتشر وبدأ من جديد..».

تُطالعنا لغة «باخ» الفلسفيّة الثّريّة فتشدّ أذهاننا لتثير في أنفسنا دافعاً قويّاً نحو متابعة العمل الأدبيّ والغوص في أسراره، فقد تمكّن «باخ»  ببراعته الفلسفيّة المطلقة من تسجيل تعابير لغويّة تطفو على سطح البنية ثمّ تؤول إلى دلالات بنائيّة عميقة البعد والمنظور، وهي تعابير تضفي على المتن الرّوائيّ هالةً من القوّة والقداسة ففي عبارة «جوناثان»: « تمرّن على رؤية النّورس الحقيقيّ الجيّد الذي يكمن في كلّ واحد منهم، حتّى تساعدهم على رؤية أنفسهم» نجد بُعداً فلسفيّاً يقترن بأسرار روحانيّة تشي بكيّفيّة فهم الذّات والتّصالح مع الآخر.

وبذا فإنّ الوصول إلى الحقيقة المنشودة المرهونة بالعمل الدؤوب والتّحدي والإبداع، وتجاوز المعيقات طمعاً في الارتقاء نحو الكمال هو الهدف الأساسيّ الذي ينشده «باخ» ، بل هو المغزى الضّمنيّ الذي يتجلّى للقارئ الحاذق، وقد عبّر عنه «باخ» من خلال إبراز التّغيّر المتواتر في الأبعاد السّيكولوجيّة النّفسيّة التي أسقطها «باخ» على شخوصه؛ إذّ نجد الرّفض والمقاطعة في نفوس أفراد السّرب، ثمّ يبدأ التّغيّر المتصاعد شيئاً فشيئاً في أعماقهم، ذلك بسبب نجاح المعلّم المثالي في إيصال الآخرين إلى الحقيقة المنشودة، تلك الحقيقة المتغلغلة في قلوبنا جميعاً!

(باخ، ريتشارد، ترجمة: ريمة الحسينيّ، دار طلاس للدراسات والتّرجمة والنّشر، دمشق، ط1، 1989).



* أديبة من الأردن



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش