الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أفول لفايز رشيد. مقاربة تحليلية

تم نشره في الجمعة 3 حزيران / يونيو 2016. 08:00 صباحاً

* د. محمد عبدالله القواسمة



لعلّ من الضرورة الإشارة إلى أنّ العمل الذي نهض به الدكتور فايز رشيد بعنوان» أفول»* ليس رواية، كما يقول الغلاف الخارجي والداخلي، وما جاء في العتبة التمهيديّة تحت عنوان « قصة هذه الرّواية». إنه ـ كما أرى ـ عمل أدبي يندرج ضمن أدب الرحلة، هذا ما يُظهره عنوان الكتاب الفرعي:» مشاهدات.. وخفايا السياسة.. صراع السلطة والنفوذ الصهيوني... في روسيا.. وبيلاروسيا وأوكرانيا» وكما يبدو في العناوين الداخلية مثلما نقرأ العنوان: «انطباعات عامة عن رحلتي المتعلّقة بالوضع الروسي». إنه كتاب في أدب الرحلة والسفر بما تضمّنه من عناصرَ كثيرةٍ من التاريخ والسيرة والذكريات وبعض القصص والحكايات عن الشعوب التي اختلط بها الكاتب، والحواراتِ الصحافيّة مع الشخصيات المهمة التي التقاها في حلّه وترحاله.

في البدء، يتبيّنُ لنا أن الدكتور فايز رشيد الذي قضى مدة طويلة من حياته في روسيا وبيلاروسيا ليدرس الطب، ويتخصصَ في العلاج الطبيعي والإبر الصينيّة قبل انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 قد رغب بعد خمسة وعشرين عامًا من هذا الانهيار، أو الأفول كما يُشير عنوان الكتاب في زيارة تلك البلاد ليعرفَ ما تبقّى من الاتحاد السوفييتي. وشجّعه على تسجيل ذلك في هذا الكتاب ما قام به الرئيس بوتين من إعادة روسيا إلى الحلبة الدولية» (ص10). وقد بدأت رحلة الكاتب في أيار عام 2015 إلى أوكرانيا فبيلاروسيا فروسيا.



تبدأ الرحلة إلى أوكرانيا بعذابات التأشيرة؛ فبعد أيام من تقديم أوراقه إلى القسم القنصلي بالسفارة الأوكرانية مع دعوة من رئيس البيت العربي في كييف موجهةٍ إلى القنصل باللغة الروسية يُخبره القنصل أن الدعوة غيرُ مقبولة لأنها ليست موقعةً من وزارة الخارجية في كييف، ويقترحُ عليه مراجعةَ مكتب سياحة معتمد لتقديم طلبات التأشيرات السياحيّة.

ثم تحلّ عذابات الانتظار في مطار الملكة علياء تبدأ برؤيته عشَرةً من ذوي السوالف الطويلة اليهود من شباب المدارس الدينيّة التوراتيّة. لقد تخيّلهم مغتصبي مدينته قلقيلية التي أبعد عنها عام 1970بعد عامين من السجن (ص29) وتلا ذلك تأخّر الطائرة بسبب اكتشاف خلل فيها تطلّب إصلاحُه انتظارَ ساعتين كاملتين.

وفي مطار كييف يتأخّر خمس ساعات لأنه يحمل حبوبًا ممنوعة من الإدخال حسب القوانين الأوكرانية من الدواء المسكّن Tramal الذي يستخدمه منذ ثلاث سنوات إثر عملية جراحيّة لاستئصال البروستاتا.  وانتهى الأمر بالعفو عنه بعد دفع 80 دولارًا غرامة لأنه كما جاء في محضر تحرير المخالفة:»طبيب لا يعرف القوانين الأوكرانية ولم يكن في نيته إخفاءُ الدواء».

ومن منغصات رحلته في مطار كييف وفي أثناء وصوله ليسافر إلى مدينة مينسك في بيلاروسيا يدفع غرامة 140 يورو على وزن زائد. كما يتأخّر في الالتحاق بالطائرة بسبب العثور في حقيبته على زجاجة كولونيا، فممنوع أن تكون مادة سائلة في حقيبة شخصية؛ فيُطلب منه أن ينقلها إلى حقيبته الكبيرة، ولما كان الطلب نوعًا من التعجيز سُويّ الأمر بأن تُرك للمسؤول أن يتدبّر أمرها، ثم سمح له بالمغادرة إلى بيلاروسيا.

ومثل هذه المنغصات يواجهها في مينسك عاصمة روسيا البيضاء فلا يُمنح التأشيرة إلا بعد تقديم صورتين ودفع مئتي دولار. وأشدّ المنغصات ألما عندما يَحين موعدُ خروجه من مينسك للسفر إلى روسيا إذ يجدُ أن صلاحيّة التأشيرة تبدأ بعد ستة أيام من اليوم الذي هو فيه؛ فيُضطر إلى العودة إلى الفندق بمينسك وتمديد إقامته فيه مع ما تبع ذلك من تغيير الحجز إلى موسكو، وتعديل برنامج الرحلة وموعد العودة إلى عمّان.

يحرِص المؤلف في البلاد الثلاثة التي زارها على معرفة آراء النّاس العاديين والمفكّرين ورجال السياسة في قضيته الأولى قضية فلسطين؛ ففي أوكرانيا يتعرّف آراء البروفسور فيل نيكولايفيتش نائبِ رئيس المجلس الأوروبي للسلام، والمتخصصِ في علوم التاريخ، كما يحاور الدكتور بيترو ميرونينكو مديرَ المعهد الدولي للقضايا الإنسانية، والذي يعمل في مكتب الرئيس الأوكراني. ويخلُص  من هذه الآراء بوجود تأثير كبير لأثرياء اليهود في السياسة الأوكرانية، وبأن المخططَ الصهيوني لأوكرانيا هو جزء من مخطط أمريكي غربي، يتمثّل في محاصرة روسيا وتوريطها في حروب مع جيرانها، والمضي قدمًا في مشروع الفوضى الخلاقة بإنشاء تنظيمات متطرّفة مثل داعش والنصرة، ونزع سلاح المقاومة الفلسطينيّة في قطاع غزة.     

وفي بيلاروسيا يكشف الدكتور فايز رشيد من خلال مقابلته مع المستشار الصحفي للرئيس البيلاروسي لوكاشينكو تغلغلَ القوى الصهيونية في بيلاروسيا في مجالي الاقتصاد والإعلام، فتوجد نسبة كبيرة من اليهود يحاولون ربطَ ما يملكونه من عِملة صَعبة بالمصارف الأمريكيّة وليس المصارف البيلاروسية، كما أنّ لهم تأثيرًا في المجال الإعلامي، وقد عرض التلفزيون البيلاروسي حلقاتٍ عن محاسن الماسونية وإيجابياتها.

أما في موسكو فكان لقاءُ الدكتور فايز رشيد مع بيريدنيكوف أحدِ مخططي السياسة الروسية الحالية بوصفه مستشاراً سياسيًّا في ديوان الرئاسة. ويتبينُ من اللقاء اعترافُ الرجل بخطأ ستالين الاستراتيجي حين أصرّ على إنشاء إسرائيل، فقد اعتقد حينها بأنّ اليهود سيلعبون دوراً تقدميًّا ضد مصالح الإمبراطورية البريطانية آنذاك، وضد المصالح الأمريكية مستقبلًا. وقال إنه لا يتوقّع بقاءَ إسرائيل لأنها تشكّلُ خطرًا على العالم بأسره وليس على العرب، « لقد جاوزت كلَّ الحدودِ المتوقّعة والمرسومة لها بدقّة» (ص155)

كما ظهر في حواره مع الخبير السياسي والمعلّق فيتثيسلاف ماتوزوف الذي شغل عدة مناصبَ سياسيةٍ ودبلوماسية، منها ممثلاً للاتحاد السوفيتي في أكثر من دولة عربية ــ الدورُ التخريبي للصهيونية في روسيا؛ فهم يسيطرون على المال والإعلام، فبعد الانهيار مباشرة عين اليهودي الروسي الكساندر ياكوفليف مسؤولاً للإعلام في عموم روسيا، كما احتل بيرزوفسكي منصب نائب أمين سر الأمن القومي الروسي، ونُقل عنه تصريحُه في عام 1998 بأنهم يملكون 60% من الاقتصاد في روسيا.

ويتبيّن من الحوار الذي أجراه مع المفكر السياسي الروسي الكسندر نوتين الذي يَشغل منصبَ رئيس المعهد المركزي الروسي للتحليل السياسي أن لليهود تأثيرًا في موقف روسيا من كافة القضايا العربية، وبخاصة القضية الفلسطينية، إذ يوجد تياران في مؤسسة الرئاسة: 70% موالون لسياسة بوتين، والبقية موالون للغرب وللصهيونية.

وتظلُّ فلسطين ماثلةً في ذهن فايز رشيد وهو ينتقلُ من مكان إلى آخر، ويرى آثار الدمار الذي ألحقته النازيةُ بهذه البلاد. فحين يُشاهدُ في قرية خاتين التي تبعد ساعتين عن مدينة مينسك نصْبَ ذلك الفلاح الذي عاد إلى القرية من الغابة القريبة ليجد النازيين قد أحرقوها بسكانها فيَحملُ حفيدَه المقتولَ من بين الضحايا تذكّره الحادثةُ التي يجسّدها النصْبُ بما فعله الإسرائيليون بحرق عائلة الدوابشة بقرية دوما في الضفة الغربية، يقول:» ينقلُني الماضي إلى الحاضر فيزدادُ إيماني بأن لا تعايش مطلقًا مع ما بعد «الفاشية الصهيونية» العنصرية الجديدة. وامتلئُ بالمزيد من الثقة بالنصر».(ص97)

ويُطلعنا كتاب «أفول» على جوانب من الحياة الاجتماعيّة والثقافيّة ونضالات البلاد التي زارها الكاتب في رحلته. فعلى سبيل المثال، نتعرّف شوربة البورش المشهورة في روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا، وهي شوربة ملفوف مع مكوّنات أخرى. كما هناك سلطة ستاليتشني المكوّنة من البطاطا والمايونيز وقطع المرتديلا الصغيرة وأنواع أخرى من الخضراوات» حيث يمكن تشبيه الوضع السياسي الأوكراني والعالمي بها». (ص 45_46)

كما نشاهد مع الكاتب في كييف ذلك المجسّمَ المسمى (الوطن الأم) وهو عبارة عن تمثال لامرأة تحمل سيفًا ودرعًا، وأقيم عام 1981 ليرمز إلى مقاومة النازيين الذين احتلّوا مدينة كييف ومساحاتٍ أخرى من أوكرانيا.

ويرصد الدكتور فايز رشيد في كتابه بعضَ التغييرات التي تلت أفولَ الاتحاد السوفيتي: ففي عربات المترو بموسكو بعدما كان يرى الجالسين وحتى الواقفين من الركّاب يحملون كتبًا ويقرأون، فهم الآن معظمُهم يتطلّع إلى هواتفهم الخلويّة. ووجد أن أسماء المحطات قد تغيّرت فالمحطة المسماة «هضاب لينين» تغيّرت إلى «هضاب العصافير»، وتغيّر اسم محطة «ماركس» قرب الساحة الحمراء إلى محطة «صف الصيادين». وكان القرارُ في عهد الرئيس يلتسين بهدم ضريح لينين، لكن احتجاجات الشعب الروسي أجبرته على التراجع عن قراره، ولكن أُلغي وقوفُ الجنديين أمام الضريح؛ فلا وجود للمراسم الشهيرة المعروفة عالميًّا لتغيير ذينك الحارسين الجامدين كقالبي جبس.

أما في الساحة الحمراء في موسكو فيأسى المؤلف، وهو يتذكّر فندق إنتوريست في بداية الشارع المتعامد مع الساحة الحمراء، وقد هُدم وبُني غيرُه باسم ريتز. وكان في الشارع أيضًا مبنى دار التقدم التي تترجم الكتب السوفيتية إلى لغات العالم الجديد. وكانت تصدر فيها صحيفةُ أنباء موسكو بالعربية واللغات الأخرى.

ومن اللافت أن الدكتور فايز رشيد يُرجعُ هذه التغييراتِ السلبية التي طرأت على الناس إلى النهج الجامد للفئة الحزبية في العهد البائد التي جعلت من الاشتراكية قوالبَ جامدةً أدّت إلى الانهيار.

وإذا كان الدكتور فايز رشيد يرصدُ التغييرات في المكان فإنه يُبدع في وصف الطبيعة وحركة الإنسان وهو يصنعُ الفرحَ والحب؛ فنقرأ وصفًا للجسر الموصل بين شطري العاصمة الأوكرانية: « بعيدًا نحو اليمين واليسار، مدينةٌ تتكئ على جانبي الدانوب، وهضبة خضراء تحنو على جزء المدينة الشرقي. خيوط الشمس تنعكس لونًا ذهبيًا على تمثال أصفر يعلو التل، تجبرُك على التأمل والغوص بعيدًا في الذات» (ص44)

ولعل أجملَ رقاع الوصف وصفُ تلك البحيرة التي يقع على شاطئها الفندقُ الذي نزل فيه بكييف:» كان أولُ الليل قد بدأ يُلقى بردائه على وجه البحيرة، يزدادُ نقيق الضفادع، ابتدأ الماشون على ضفافها في المغادرة، أصوات موسيقى تسمع من بعيد، يعزفها هاوون يجتمعون محاولين تشكيل فرقة صغيرة... الأشجار تشكل لوحة مطبوعة على أرضية الليل الموشّح ببقايا النهار» (ص52)

إن الدكتور فايز رشيد يجذبنا في كتابه بصدقه وحسّه الإنساني الشفيف. وإن كان الكتاب يحمل عنوان « أفول» ليشير إلى حزن على أفول مرحلة مهمّة من مراحل التاريخ المعاصر غير أنه يبشّر بتحولات في وعي الإنسان الغربي وبخاصة في دول أوروبا الشرقية لصالح الإنسان العربي  والقضية الفلسطينية. وكان أبرز ما تجلّى في الكتاب مقدرة الدكتور فايز على إدارة الحوارات الصحافية مع كبار المفكّرين والخبراء السياسيين، واستحضار المعلومات التاريخية عن البلاد التي زارها، وبيان ترابطها بقضيته الأولى القضية الفلسطينية، وبجوانب من ذكرياته وسيرته الذاتية، مع ما تخلل ذلك كلَّه من رقاع وصفية شائقة للأماكن والشخصيات تذكّرنا بالعوالم التخييلية التي أبدعها الدكتور فايز رشيد في أعماله القصصية والروائية والأدبية الأخرى.ِ

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش