الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الثورة العربية الكبرى كرّست شرعية المطالب العربية وحقها في تقرير المصير من خلال إقامة دول عربية مستقلة

تم نشره في الخميس 2 حزيران / يونيو 2016. 08:00 صباحاً

 



عمان- الدستور  

ترجع أصول الثورة العربية إلى نمو وتطور الوعي القومي العربي في الفترة 1847-1916م، وكانت بمثابة المحصلة أو النتيجة لهذا التطور والتنامي. وإذا كانت البدايات الأولى لهذا الوعي تمثل مرحلة الميلاد أو الطفولة، فأن الثورة تمثل مرحلة البلوغ والشباب.

إن الوعي القومي العربي في تطوره خلال الفترة السابقة لم يخل  من الدعوة إلى قيام دولة عربية مستقلة، بصرف النظر عن إطارها الجغرافي، برئاسة أحد أشراف مكة.

وترجع أقدم دعوة، في هذا المجال، إلى عام 1858م، فقد جاء في رسالة القنصل البريطاني في حلب إلى السفير البريطاني في استانبول في 31 تموز 1858م قوله «يظهر أن السكان في شمال سوريا تدغدغ أفئدتهم أحلام جميلة بالانفصال عن الإمبراطورية العثمانية وإقامة دولة عربية برئاسة شريف من أشراف مكة».

وكان شريف مكة، في هذا الوقت بالذات، الشريف محمد بن عبدالمعين بن عون، مؤسس فرع ذوي عون من الأشراف الهاشميين، وهو جد الشريف الحسين بن علي، وتولى منصب الشرافة في الفترة ما بين 1827-1851م، وعزل ونفي إلى استانبول خوفا من زيادة نفوذه، ثم أعيد إلى منصبه في الفترة ما بين 1856-1858م، وخلال نفيه ولد لابنه علي عام 1853م ولد أسماه الحسين.

تكررت الدعوة لرئاسة أشراف مكة لحركة الاستقلال العربي في عدة مناسبات، فقد دعا عبدالرحمن الكواكبي في كتابه «أم القرى» إلى عقد مؤتمر في مكة عام 1898م - 1316هـ برئاسة أحد رجال مكة لتدارس أحوال المسلمين ووضع وسائل نهضتهم، مؤكداً على المكانة التي يجب أن يحتلها العرب في الإسلام بفضل لغتهم وشرف نسبهم قائلا «إن عرب الجزيرة هم المؤهلون لإعادة مجد الإسلام لأن العناية الآلهية حمتهم من الفساد الخلقي الذي أصاب الأتراك»، و»إن العرب أنسب الأقوام لأن يكونوا مرجعا في الدين وقوة للمسلمين، ولذا لا يجوز الاتكال على العثمانيين في أمر الخلافة».

كذلك، دعا نجيب عازوري في كتابه «يقظة الأمة العربية»، الذي نشره بالفرنسية عام 1905م، العرب إلى الانفصال عن الشجرة العثمانية ليكونوا دولة مستقلة بذاتهم تمتد حدودها من وادي دجلة والفرات إلى السويس، ومن البحر المتوسط إلى بحر عُمان على أن تكون دولة ملكية حرة دستورية على رأسها سلطان عربي.

إن الثورة العربية كما هو واضح استمدت أصولها من مصدرين:

الأول: الوعي القومي العربي ممثلا في حق العرب في أن تكون لهم دولتهم المستقلة الخاصة بهم.

الثاني: مرتبط بالأول ومتفرع عنه، وهو سوء الإدارة العثمانية، وبخاصة في الفترة التي سبقت الحرب وأعقبت دخول تركيا لها مباشرة إلى جانب ألمانيا إلى درجة يمكن معها القول إن طموحات العرب في الاستقلال والانفصال عن الدولة العثمانية كانت تتناسب طرديا وسياسة  القمع العثماني.



الرجل المريض (1870)



«الرجل المريض» الاسم الذي أصبحت الدولة العثمانية تعرف به في أوروبا، نتيجة سيرها في طريق التدهور والانحدار، وتعرضها للتجزئة والانفصال، وازدياد تدخل الدول الكبرى الأجنبية وضغطها في البلاد.

لقد حكم الإمبراطورية العثمانية، خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر، السلطان عبدالحميد الثاني، وشهد حكمه مرحلة من أخطر المراحل التي مرت بها المسألة الشرقية، فحلت بالدولة خلالها كارثة كانت من أعنف ما واجهها، وأصبحت الدولة العثمانية تعرف باسم «الرجل المريض» في أوروبا.

كان السلطان يعلم تزايد مشاعر الاستياء، وتفاقم الحركات الثورية في ممتلكات الدولة الآسيوية، فاستبد به الذعر من جراء هذه الحركات، ولا سيما أن إدارة الولايات العربية كانت لا مركزية إلى حد كبير، مما دعاه إلى التشديد من رقابة الأستانة عليها، وبالتدريج أصبح يزيد من فرض قبضته الحديدية على هذه الولايات.

اضطر عبدالحميد في بداية حكمه إلى قبول دستور مدحت باشا، وأصبح لفترة من الوقت حاكما دستوريا، واجتمع البرلمان العثماني الأول في 19 آذار 1877م في قاعة الاستقبال الضخمة في قصر «ضولمة باغشه»، حيث استمع إلى خطاب العرش الذي ألقاه السلطان، ولكنه ما لبث أن أصدر أمرا بحل البرلمان وتعليق الدستور إلى أجل غير مسمى، وطلب من النواب المستنيرين، الذين عرفوا بانتقاداتهم لسوء الإدارة والحكم العثماني، مغادرة الأستانة، وكان من بين هؤلاء عدد من النواب العرب البارزين.

ونتج عن سياسة الكبت والضغط على الحريات التي اتبعها عبدالحميد أن أخذت الحركات الإصلاحية، وجميع الحركات المعارضة له، تمارس العمل السياسي في الخفاء أو في خارج حدود الإمبراطورية العثمانية، وبصورة خاصة في باريس ولندن وجنيف والقاهرة بعد الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882م. ومن هنا كان قيام الجمعيات السرية، التي أخذت تعمل لإدخال الإصلاح في البلاد العربية وفي بعض الحالات المتطرفة، تسعى لتحرير العرب تحريرا كاملاً من الحكم التركي ومن أية سيطرة أجنبية.



المنشورات الثورية



لما اشتد ساعد الحركات المعادية للأتراك، أخذت توزع منشورات ثورية في مدن مختلفة في الإمبراطورية العثمانية. ففي 9 تشرين الأول 1879م، قدم ديلابورتيه، القنصل في بيروت، وكان على ما يبدو قد علم بوجود جمعية سرية في المدينة، تقريراً إلى وادنجتون وزير الخارجية، ذكر فيه احتمال وجود خطة عربية لها اتصالات في حلب والموصل وبغداد ومكة والمدينة، تسعى لتأسيس مملكة عربية.

وكان القنصل أكد، في تقريره، أن الأمر كله كان مجرد إشاعات، وهو ليس في وضع يمكنه من إثباتها، وأن ما يعم الإمبراطورية العثمانية من فوضى وسوء إدارة شاملين يجعل تحقيق هذه الخطة من الإمور غير البعيدة ولا المستحيلة.

من جهته، أشار سنكويز القنصل الفرنسي في بيروت، في رسالة بعث بها إلى وزير الخارجية في 2 حزيران 1880م، إلى ظهور منشورات في بيروت ودمشق في الآونة الأخيرة تطالب بالاستقلال الذاتي لولاية سوريا، وكانت هذه المنشورات صغيرة الحجم تعلق بعد منتصف الليل على جدران الشوارع بالقرب من قنصليات الدول الكبرى في مدن سوريا المختلفة، وخاصة في بيروت ودمشق وطرابلس وصيدا، وتضمنت مخاطبة العرب ومحاولة الضرب على وتر وطنيتهم وماضيهم العظيم، وتدعوهم إلى النهوض والثورة لطرد الأتراك من الأرض العربية.

وفي 28 حزيران 1880م، قام القنصل البريطاني العام بالوكالة في بيروت بالإبراق إلى السفير البريطاني في الأستانة، يعلمه بأن المنشورات ظهرت في بيروت، وهي «تدعو الناس إلى الثورة على الأتراك».

وظهرت منشورات أخرى، ففي بغداد ظهر منشور ثوري باللغة العربية وكان واضحاً أنه مطبوع في لندن، يدعو العرب ومسيحي سوريا أن يتحدوا ويحرروا الأمة العربية من الأتراك، وكان عنوان هذا المنشور نداء للأمة العربية من «جمعية حفظ حصوص الملة العربية» ومؤرخاً في 19 آذار 1881م، إلا أننا يجب أن لا نبالغ في أهمية هذه المنشورات، فلا يجوز أن نعتبرها جزءاً من محاولة منظمة واسعة الانتشار من جانب العرب المسلمين للانفصال عن الإمبراطورية العثمانية وتأسيس دولة عربية مستقلة.

لم يكن القادة المسلمون المستنيرون يفكرون في تحطيم السيادة العثمانية التي كانت سيادة إسلامية، ولا في الانفصال عن الإمبراطورية العثمانية التي كانت الإمبراطورية الإسلامية القوية الوحيدة الباقية، فكل ما كانوا يطلبونه هو تحقيق إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية. أما الثوريون من العرب فقد كانوا يطالبون بالحكم الذاتي أو الاستقلال الداخلي ضمن الإمبراطوية العثمانية.



سوء وتدهور الوضع بالداخل



ومع نهاية القرن التاسع عشر، أخذ الوضع في الداخل يزداد سوءاً وتدهوراً، وانتشر التذمر والفساد والفوضى بسرعة تنذر بالخطر . وفي مطلع شباط 1894م كتب السفير الفرنسي في الأستانة، في تقريره، الذي رفعه عن المسألة الأرمنية، إلى كازمير- بيرييه وزير الخارجية الفرنسية، كتب يقول إن الوضع لم يكن خاصاً بأرمينيا وحدها بل شمل الإمبراطورية بأسرها، فاليونان والألبان والعرب كانوا يشكون من انعدام العدالة وفساد الحكومة وفقدان الأمن على الحياة.

وكان أعضاء جماعة «تركية الفتاة» هم الذين تحركوا للعمل في مطلع القرن العشرين لإنقاذ الإمبراطورية العثمانية من الانحلال التام والزوال، واستهدفت هذه الجمعية إقامة حكومة برلمانية في الإمبراطورية بإعادة دستور مدحت باشا عام 1876م، ووضع حد لتدخل الدول الأوروبية فيها، وجعلت سالونيك في مكدونية مركز القيادة الحساس، حيث تمكنت من كسب تأييد القطعات العسكرية المرابطة فيها.

وأجبرت ثورة تموز 1908م عبدالحميد على إعادة العمل بدستور عام 1876م، وقابل العرب والترك هذا العمل بابتهاج عظيم، وإقيمت الحفلات والاستقبالات والمهرجانات، ونقشت كلمات «حرية، مساواة، عدالة» على الأعلام العثمانية، إلا أن عبدالحميد كان صمم منذ اليوم الأول على التخلص من جماعة تركيا الفتاة ومن الدستور، ومن البرلمان الجديد، ففي 13 نيسان 1909م قامت محاولة في الأستانة لإشعال نار ثورة مضادة، إلا أن الجيش في مكدونية بقيادة شوكت باشا كان على أهبة الاستعداد، فتحرك نحو العاصمة وحاصر قصر السلطان «يلدز»، وفي 27 نيسان خلع عبدالحميد عن العرش ونفي إلى سالونيك.

وتبين بعد فترة أن جماعة تركيا الفتاة لم يكونوا عازمين على تنفيذ وعودهم بمنح المساواة لجميع الرعايا العثمانيين دون تمييز في الدين أو الجنس، وكان هذا مدعاة لحدوث الشقاق بين العرب والترك، ووجدت شكوك العرب في إخلاص جمعية تركيا الفتاة ذات الطابع المتطرف عن نفسها، واصطدمت مع كرامة العرب وكبريائهم وتمسكهم بقوميتهم ودينهم ولغتهم.



الحركة العربية الانفصالية



يستطيع المرء أن يقرر أن بذور الحركة العربية الانفصالية أخذت تنبت وتنمو من خلال السياسة القومية التركية منذ عام 1909م وما بعدها، فكان من نتيجة سياسة «التتريك» التي اتبعها رجال «تركيا الفتاة» أن وجدت أهداف القادة العرب لتحقيق الاستقلال القومي الكامل دافعا قويا لها، فحين اتخذ الاتحاديون من القومية مثلهم الأعلى ومن تفوقهم العنصري أساساً لتركيا جديدة قوية موحدة سياسيا وثقافيا، وكان رد الفعل لدى القادة العرب التفكير في مستقبل البلاد العربية بالطريقة نفسها تماماً، فقام المستنيرون والمثقفون العرب بتأسيس عدد من الجمعيات والأحزاب السياسية العربية للدفاع عن القضية العربية وحماية الحقوق العربية. وكان من بين هذه الجمعيات التي تشكلت بعد عام 1908م الجمعيات التالية:-

جمعية الإخاء العربي العثماني، والمنتدى الأدبي، والجمعية القحطانية، والعلم الأخضر، والعهد وجميعها تأسست في الأستانة، إضافة إلى جمعية بيروت الإصلاحية، وجمعية البصرة الإصلاحية، والنادي الوطني العلمي، الذي تأسس في بغداد، والمنظمتين المهمتين جداً:- الجمعية العربية الفتاة، التي اشتهرت باسم الفتاة، وحزب اللامركزية الإدارية العثمانية.



المطالب العربية



وحسبنا أن نؤكد أن القادة العرب طالبوا عن طريق هذه الجمعيات، وخاصة الفتاة وحزب اللامركزية بحكومة دستورية نيابية تضمن الحقوق والفرص المتساوية لجميع العناصر المختلفة التي تؤلف الإمبراطورية.

وطالب العرب كذلك باعتبار اللغة العربية لغة رسمية إلى جانب اللغة التركية في الولايات العربية من الإمبراطورية العثمانية، ولكن حرص الاتحاديون، أكثر من أي وقت مضى، على الإبقاء على الإمبراطورية «تركية الصفة والطابع»، وعلى المحافظة على مركزهم المسيطر المتميز.



العرب ينادون بالشريف الحسين زعيماً (1908)



اتجهت أنظار العرب صوب الشريف الحسين بن علي لتولي زعامتهم، بعد أن عين شريفا على الحجاز وأميرا على مكة عام 1908م، وتُرجمت باكورة هذا التوجه في عام 1913م، بتفويض 35 نائبا عربيا في مجلس المبعوثان العثماني الشريف الحسين بالتحدث باسم العرب.

جاء تفويض النواب العرب للشريف الحسين، من خلال مذكرة رفعها طالب باشا النقيب، نقيب أشراف البصرة ورئيس الجمعية الإصلاحية فيها، برسالة منه جاء فيها  «ونحن نعترف بغيرتكم على ديننا وأمتنا. إننا مستعدون للقيام إلى جانبكم إذا قمتم لخلع هذا النير الذي أثقل كاهل العرب لانتشالهم مما هم فيه من الظلم والعبودية».

أما مذكرة النواب العرب، فقد خاطبت الشريف الحسين «نحن نواب العرب في مجلس المبعوثان نقرّك على إمارة مكة، ونعترف لك دون سواك بالرئاسة الدينية على جميع الأقطار العربية، وإجماعنا هذا هو بالنيابة عن أهل بلادنا نجهر به عند الحاجة، والله يحفظك لأمتك، ويساعدك لدفع الشر عن دينك».

وآثر الشريف الحسين على تقديم رؤاه ونصائحه تجاه محطات مهمة في التاريخ، ومنها النصيحة التي قدمها لتركيا بعدم دخول الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا، فقد كان الشريف يعتقد أن العرب شركاء للأتراك في إدارة شؤون الدولة، وأن من حقهم المشاركة في اتخاذ القرار السياسي الذي يتعلق بمستقبلها ومصيرها.

رافق دخول تركيا للحرب قيام جمال باشا بأعمال اضطهاد واعتقال ونفي وإعدام بحق العرب في سوريا والعراق من ناحية، ومن ناحية ثانية تدهور أوضاع البلاد العربية «السورية خاصة» الاقتصادية إلى درجة أن الناس راحوا يبحثون في أكوام النفايات لعلهم يعثرون على قشور البرتقال وقطع الطعام أو أي نوع من أنواع الفضلات يسدون به الجوع الشديد.

 وفي هذه الظروف الصعبة بادر وطنيو سوريا والعراق إلى دعوة الشريف الحسين لتزعم الثورة ضد الأتراك، بصفته «أبو العرب، وزعيم الإسلام، وأعظم أمير عربي، وأجل نبيل»، ووقع الرسالة التي وجهت إلى الشريف عدد من العسكرين العراقيين والسوريين أمثال: ياسين الهاشمي وعلي رضا الركابي، إضافة إلى بعض المدنيين أمثال: عبدالغني العريسي. وحمل هذه الرسالة إلى الشريف، فوزي البكري في كانون ثاني 1915م.

 وفي لقاء عزت باشا العابد، السكرتير الثاني في عهد السلطان عبدالحميد الثاني، مع أحد موظفي الخارجية البريطانية المستر كلارك بتاريخ 14 كانون ثاني 1915م، قال فيه «لا سبيل إلى أن يقف العرب كتلة واحدة في وجه الأتراك، والتحرر من سيطرتهم إلا حول خلافة عربية، والمرشح الوحيد ذو الكفاءة الأفضلية هو الشريف الحسين شريف مكة»، وأبدى علي الميرغني، أكبر زعيم ديني في السودان، وجهة نظر مماثلة، كما أن الأمير سعيد الجزائري الذي زار مكة أثناء وجود وهيب باشا قال للشريف «إنت ثاني رجل في الدولة العلية بعد الخليفة، ومن لنا أمير غيرك إذا اصيبت الخلافة».

واضح مما سبق أن الشريف الحسين لم ينصب نفسه بنفسه زعيما للعرب في ثورتهم ضد الأتراك، ولكن العرب أحزابا، وجمعيات ، ونواد، وحكاما وشخصيات دينية وأدبية، أنفسهم هم الذين نصبوه زعيما لهم، وقائدا لثورتهم وليس أبلغ في الدلالة على ذلك مما قاله الأمير فيصل في المذكرة التي قدمها إلى مؤتمر الصلح 1919م  «لقد أصبح والدي أثناء الحرب زعيما للحركة القومية العربية نزولا عند رغبة فرعي الحركة في سوريا والعراق اللذين بعثا بنداء إليه ليتزعم الحركة».

 وكرر الأمير فيصل نفس المعنى في خطابه في المؤتمر السوري، قائلا «إن والدي دخل الحرب في صفوف الحلفاء بعد أن استوثق من العرب في الجزيرة وسوريا والعراق».



لقيت التطلعات العربية تشجيعا وتأييدا من قبل بريطانيا، خاصة بعد نشوب الحرب ودخول تركيا فيها إلى جانب ألمانيا بالرغم من نصيحة الشريف الحسين للسلطان محمد رشاد بعدم دخول الحرب.

ولم يكن ذلك التأييد من إيمانها بحق العرب بالاستقلال والتحرر والوحدة، ولكنه كان نابعا من رغبتها في إلحاق الهزيمة بتركيا وحليفتها ألمانيا من خلال إبطال مفعول دعوى الجهاد المقدس التي كان من المتوقع إعلانها من قبل الخليفة العثماني بتحريض من ألمانيا، وذلك لكسب ولاء رعاياها ورعايا حلفائه الفرنسيين والروس من المسلمين في الهند وأفريقيا ووسط آسيا.

وكان الشريف الحسين بن علي، الشخص المؤهل لإبطال دعوى الجهاد المقدس في نظر بريطانيا، نظرا لمنصبه الديني كحام لمكة والمدينة، ونسبه من الرسول، صلى الله عليه وسلم، وتبادل الشريف الحسين مع مكماهون عشر رسائل في الفترة ما بين تموز 1915 - آذار 1916م.

ووفقا للرسالة الأولى بتاريخ 14 تموز 1915م، ضمن مراسلات الحسين – مكماهون، حاول الشريف الحسين أن يستغل حاجة الإنكليز إليه وإلى العرب للحصول منهم على اعتراف باستقلال ووحدة الأقطار العربية في قارة آسيا، وجاءت هذه الرسالة مطابقة لمطالب الجمعيات العربية في سوريا، والتي يطلق عليها اسم ميثاق أو برتوكول دمشق 1915م. وانتدب الشريف الحسين -آنذاك- الأمير فيصل للذهاب للأستانة ليقابل الصدر الأعظم ويخبره بأمور خطيرة، وخلال وجوده التقى بقادة الحركة العربية وأعضاء الجمعيتين العربية الفتاة التي أصبح عضوا فيها، والعهد، وذلك بناء على طلبهم، وأطلعوه على نص الميثاق، الذي تضمن شروط العرب لعقد اتفاق مع بريطانيا والدخول إلى جانبها في الحرب، وطلبوا منه أن يقدمه إلى والده كي يجعله أساسا لمفاوضاته مع بريطانيا، ونص على:

* اعتراف بريطانيا العظمى بالاستقلال للبلاد العربية الواقعة ضمن الحدود التالية:

 شمالا: خط مرسين – أضنة إلى حدود إيران.

 شرقا: على امتداد حدود إيران إلى الخليج العربي جنوبا.

 جنوبا: المحيط الهندي باستثناء عدن.

غربا: على امتداد البحر الاحمر ثم البحر المتوسط إلى مرسين.

* إلغاء جميع الامتيازات الاستثنائية التي منحت للأجانب بمقتضى الامتيازات الأجنبية.

* عقد معاهدة دفاعية بين بريطانيا وبين الدول العربية المستقلة.

* تقديم بريطانيا وتفضيلها على غيرها في المشروعات الاقتصادية.

 واستجابت بريطانيا إلى مطالب الشريف الحسين، وفقا لمذكرة مكماهون الثانية بتاريخ 24 تشرين الأول 1915م، مع بعض التحفظات بخصوص الساحل السوري والعراق وسواحل شبه الجزيرة العربية، إلا أن الشريف الحسين لم يقرها أو يعترف بها، ولكنه أجل البحث فيها إلى نهاية الحرب مع تأكيده على عدم إمكانية التنازل عن شبر واحد لفرنسا وكان يؤكد دائما على أنه «لا فرق بين عربي مسلم وعربي مسيحي، فالعرب عرب قبل أن يكونوا مسلمين أو مسيحيين».



أرسلوا الفرس الشقراء (06/05/1916)



«أرسلوا الفرس الشقراء» مصطلح سري تضمنته رسالة بعثها الأمير فيصل، عقب صيحته المشهورة «طاب الموت يا عرب»، على أثر إعدام السلطات التركية مجموعتين من الأحرار العرب في 6 أيار 1916م، وكان يعني بدء إعلان الثورة العربية الكبرى.

لقد  ارتبط تحديد ساعة الصفر لإعلان الثورة العربية ضد الأتراك بعاملين:

الأول: وصول قوة تركية مختارة تعدادها 3500 جندي بقيادة خيري بك متجهة إلى اليمن، كما جاء في برقية جمال باشا للشريف الحسين في 2 نيسان 1916م، ولكن الشريف الحسين كان يعتقد أن هذه القوة موجهة إلى مكة وليس إلى اليمن، لأن إرسال هذه القوة إلى الجزيرة العربية في نفس الوقت الذي يلح فيه جمال باشا على الشريف الحسين لإرسال المجاهدين إلى الشام، يعني أن الأتراك يريدون إخلاء الحجاز من أية قوات عربية وإحلال قوات تركية محلها تحت ستار إرسالها إلى اليمن تماما كما حدث في سوريا أرسلت القوات العربية إلى غاليبولي وحلت محلها قوات تركية.

الثاني: تمثل في إعدام جمال باشا للقافلة الثانية من أحرار العرب يوم 6 أيار 1916م، رغم توسط الأمير فيصل لدى جمال باشا، مقرونة بوساطة الشريف الحسين نفسه، فقد أقدمت السلطات التركية على إعدام مجموعتين من الأحرار العرب في كل من ساحة المرجة في دمشق وساحة الشهداء في بيروت ، فكانت هذه حادثة هزت مشاعر العرب، واستقبل الأمير فيصل خبر الإعدامات في دمشق، فصاح صيحته المشهورة «طاب الموت يا عرب»، وأرسل رسالة قصيرة قال فيها «أرسلوا الفرس الشقراء»، وهذا كان مصطلحاً سرياً يعني بدء إعلان الثورة العربية الكبرى وإطلاق الرصاصة الأولى، فكانت الإنطلاقة للثورة العربية الكبرى.



 إطلاق الرصاصة الأولى (10/06/1916)



شكل يوم 10 حزيران 1916م الموافق 9 شعبان 1334هـ منعطفا مهما في تاريخ العرب وتطلعهم نحو الحرية، بعد أن أطلق الشريف الحسين بن علي الرصاصة الأولى من شرفة قصره في مكة إيذاناً بقيام الثورة العربية الكبرى ضد حكم الاتحاديين

وقد كان صباح يوم 10 حزيران 1916م الموافق 9 شعبان 1334هـ يوماً يشهد التاريخ له، مجسدا التصميم العربي على تحقيق الأمل المنشود.

فقبيل فجر هذا اليوم، أطلق الشريف الحسين بن علي الرصاصة الأولى بقيام الثورة العربية الكبرى ضد حكم الاتحاديين، لتحقيق الوحدة والحرية والحياة الفضلى، ثورة التغيير والنهضة ووقف ومحو آثار أربعة قرون من التراجع والانحدار والوهن في روح الأمة، وإيذاناً باستعادة الروح العربية لهويتها وسيادتها.

واستطاعت الثورة تحرير الحجاز وشرق الأردن وفلسطين وسوريا والعراق بقيادة الأمراء «علي، وعبدالله، وفيصل، وزيد» أبناء الشريف الحسين بن علي خلال الفترة 1916 -1918م، وإلى جانبهم أحرار العرب الذين انضموا إلى جيش الثورة.



عمليات الثورة العربية الكبرى



يمكن تقسيم عمليات الثورة العربية الكبرى في الفترة ما بين حزيران 1916م وحتى توقيع الهدنة في 30 تشرين الأول 1918م إلى ثلاث مراحل هي:

المرحلة الأولى: تغطي الفترة ما بين حزيران 1916م وحتى تموز 1917م، ويمكن تسميتها بالحرب في الحجاز.

المرحلة الثانية: تغطي الفترة ما بين تموز 1917م وحتى أيلول 1918م، ويمكن تسميتها بالحرب في شرق الأردن.

المرحلة الثالثة: تغطي الفترة من أيلول إلى تشرين الأول 1918م، ويمكن تسميتها باستكمال تحرير شرق الأردن وسوريا.

وسميت جيوش الثورة وفقاً لاتجاه عملياتها العسكرية، وبدأت بتنفيذ عمليات استهدفت :

أ.- القلاع والحصون التي تتواجد فيها القوات التركية.

ب- التوجه نحو قلعة أجياد كأكبر معقل للقوات التركية في مكة وتحريرها وتحويلها إلى مدرسة حربية.

جـ- التركيز على خط سكة الحديد الذي  يمتد لمسافة 1301 كم من دمشق وحتى المدينة المنورة، ويمثل عصب المواصلات في مسرح الحرب في سوريا وشرق الأردن والحجاز، لأسباب أهمها:

1- إن معظم القوات التركية منذ عام 1914م تركزت حول سكة الحديد ومحطاتها لضمان الإمدادات وسهولة الحركة.

2- إن سكة الحديد هي عصب المواصلات الرئيس في نقل الأسلحة والذخائر والجنود حينها.

3-إن مجتمعات عربية عديدة نمت وتطورت حول سكة الحديد، فنشأت مدن متكاملة مثل: المفرق والجيزة والقطرانه والحسا ومعان والمدورة، بفضل محطات سكة الحديد والخدمات المتبادلة بين السكان والأتراك.

 القوات العربية تحرر مدن الحجاز (10/06/1916)



هوجمت جدة في نفس اليوم الذي أعلنت فيه الثورة في مكة، واضطرت حاميتها إلى الاستسلام في 16 حزيران 1916م، بقيادة نوري السعيد، مثلما أصبحت رابغ قاعدة تموين وإدارة ومركز تدريب للقوات النظامية العربية، خاصة من الضباط والجنود العرب الذين كانوا في الجيش العثماني والتحقوا بصفوف الثورة العربية.

حررت القوات العربية موانئ القنفذة والليث في 15 آب 1916م، في نفس الوقت الذي حرر فيه الشريف ناصر بن علي ميناء أملج شمال جدة.

أما الطائف، فقد توجه إليها الأمير عبدالله، وفرض عليها الحصار، ورغم تزويده بالمدافع الجبلية والسلاح والذخيرة إلا أنه فضل استسلامها على فتحها عنوة، وكان حكيما في ذلك، ورفض الاستجابة لدعوات عقد الهدنة إلى أن اضطر غالب باشا، والي الحجاز، وقائد عام القوات التركية فيه إلى الاستسلام في 22 أيلول 1916م.

وباستسلام الطائف تكون الثورة وطدت نفسها، ووقع في حوزتها 6 آلاف أسير وغنمت كثيرا من المواد الحربية، وأصبحت مدن الحجاز الرئيسية ما عدا المدينة بيد العرب، وسيطروا على موانئه من القنفذة جنوبا حتى أملج شمالا مرورا بالليث، وجدة، ورابغ، وينبع.



هجوم الأتراك المضاد وإعلان استقلال الحجاز:



تعتبر الشهور الثلاثة التي أعقبت احتلال الطائف من أهم الفترات في تاريخ الثورة العربية، فقد قرر فخري باشا، قائد القوات التركية في المدينة، الهجوم على مكة ودحر العرب من ينبع ورابغ، وتعزيز القوات التركية في الحجاز بقوات إضافية من الجيش الرابع في سوريا، وتقدمت القوات التركية في تشرين أول بثلاثة أرتال في هجوم مضاد على النحو التالي:

* رتل تقدم على طريق المدينة ينبع النخل باتجاه ينبع البحر.

* رتل ثان على الطريق التاريخي، المدينة – بدر – حنين- رابغ.

* رتل ثالث، تقدم نحو مكة سالكا طريق المدينة – رابغ متجها إلى هجر.



كيف واجه العرب هذا الموقف؟



كلف الشريف الحسين، الأمير عبدالله بمقابلة الوفد الإنجليزي برئاسة رونالدستورس في جدة يرافقه الكابتن لورنس وبحضور الممثل الفرنسي، ونجح الأمير في إقناعهم بمواصلة دعم الحلفاء للثورة عندما هدد بانسحاب العرب من الحرب وتوقيع الصلح مع الأتراك، وقرن الأمير عبدالله هذا النجاح الدبلوماسي بنجاح آخر لا يقل أهمية، بل يعتبر حجر الزاوية في استمرار الثورة ونجاحها، ونعني به إعلان استقلال الحجاز ومبايعة الشريف الحسين ملكا على العرب.



مؤتمر رابغ العسكري تشرين الثاني 1916م



بإعلان استقلال البلاد العربية، ومبايعة الشريف الحسين بن علي ملكا على العرب، واجهت الثورة اجراءات الدولة العثمانية بعزل الشريف الحسين من منصبه كأمير لمكة وشريف على الحجاز من ناحية، وتردد بريطانيا في مساندتها للثورة من ناحية ثانية، ولمواجهة تهديدات فخري باشا العسكرية، وبخاصة تقدمه نحو رابغ، أعيد تنظيم وتشكيل قوات الثورة على النحو التالي:

القائد الأعلى الشريف الحسين ومقره مكة، القائد العام ورئيس الأركان المقدم عزيز على المصري أيلول 1916م، ثم جعفر العسكري كانون الأول 1916م، في حين قسمت قوات الثورة إلى ثلاثة جيوش وهي:

* الجيش الشمالي ومقره ينبع وأسندت قيادته للأمير فيصل يساعد كل من مولود مخلص، ورسام سردست، وأحمد مصلح، ويتألف من لواء مشاه نظامي وأربع سرايا مدفعية وقوات قبلية.

* الجيش الجنوبي ومقره رابغ وأسندت قيادته للأمير علي ويساعده نوري السعيد، ويتألف من كتيبتي مشاة وكتيبة بغالة وكتيبة هجانة وأربع سرايا مدفعية وسرية هندسة وقوات قبلية.

* الجيش الشرقي ومقره وادي العيص، شمال غرب المدينة، وأسندت قيادته للأمير عبدالله يساعده الشريف شاكر بن زيد، ويتألف من كتيبتي هجانة وسرية خيالة وسرية مدفعية جبلية وقوات قبلية.

وعقد مؤتمر عسكري في رابغ 16 تشرين الثاني 1916م، تقرر فيه الدفاع عن رابغ باعتبارها مفتاح الطريق إلى مكة من ناحية، وقاعدة عمليات للجيوش العربية الثلاث من ناحية ثانية.

ولكي يخفف فخري باشا ضغطه على قوات الأميرين علي وفيصل في ينبع ورابغ، أرسل الأمير عبدالله في تشرين الثاني 1916م، وهو في طريقه إلى الحناكية بـ 500 هجان إلى هجر لطرد حسين بن مبيريك منها، كما أرسل قوة مماثلة إلى المدينة للإغارة على مخافر الأتراك في جبل أحد، وكلفها بإيقاذ النيران في المرتفعات وأسر كل خارج منها، وإعادته إليها «أي المدينة»، كي يقوموا بإبلاغ أهلها وغيرهم من رجال القبائل.

تجمعت قوات الأمير عبدالله في الحناكية، وقبل عبوره خط سكة الحديد بين محطتي هدية وأبا النعم، اصطدم بقوة تركية وتغلب عليها وأسر قائدها، وكتب إلى فخري باشا يخبره بما حدث قائلا: «إن الحرب انتقلت الآن ما بين الشام والمدينة».

أمام هذا الموقف الجديد بالنسبة للمدينة، ونظرا لمهاجمة الطائرات البريطانية لفخري باشا في منطقة رابغ اضطر فخري إلى التراجع من ينبع النخل، ووادي الصفراء ، ومن بير سعيد إلى بير درويش، كما تراجع جناحه الأيمن الذي يعمل ضد فيصل إلى آبار علي وهكذا انتهى تهديده لمكة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش