الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ناصر الدّين الأسد وتحقيقاته اللغويّة

تم نشره في الجمعة 27 أيار / مايو 2016. 08:00 صباحاً

* د. إسماعيل القيّام



أمّا قبلُ،

فسلام على ناصر الدين الأسد في الأولين والآخرين، سلام على أبي بشر كلّما ذُكر المنهج، وكلّما ذُكر الشّعر الجاهليّ، وكلّما ذُكر تحقيق اللغة والأدب، وكلّما ذُكرت الرواية والرواة، وكلّما ذُكرت المعاجم والمعجمات، والوديان والأودية، والنوادي والأندية.

سلامٌ عليك أبا بشر كلّما ذُكر المؤسسون، وكلّما ذُكر الرجال الأفذاذ، ذوو الكلمة الصادقة، والمواقف الجريئة. سلامٌ عليك وقد بُلِّغتَ التسعينَ وتجاوزتها، وابتسامتك لا تفارق محيّاك، تجودُ بها مِلءَ الوجهِ واليدِ واللسان. سلام عليك كلّما ذُكر الأوفياء للعربيّة على مرّ العصور، وكلّما تغنّى بأشعارها المغنّون، وكلّما اهتزّ محبّوها طربًا لموسيقاها وبلاغتها وروعة سحرها.



 ناصر الدين الأسد: شَغَفُ الكلمة

هذه ملاحظات وإشارات عن طبيعة الدراسات والأبحاث اللغويّة التي قدّمها ناصر الدين الأسد ضمن أعماله الأكاديميّة التي تنبئ عن تنوّع اهتمامات هذا العالم الكبير التي تنوّعت بين الدراسات الأدبيّة، والنقديّة، وتاريخ الأدب والأدباء وتراجمهم، وتحقيق التراث، والدراسات اللغويّة. ولم تكن هذه الدراسات اللغويّة إلا حلقة ضمن سلسلة أعمال ناصر الدين الأسد كلّها التي ينتظمها خيط واحد من الدقّة والمنهجيّة العلميّة، وتصطبغ بصبغة القوّة في تناول قضايا تحدّث فيها سابقون له من العلماء، فرأى فيها غيرَ رأيهم، وذهب غيرَ مذهبهم. وتمتاز أيضًا بمزيّة مهمّة يلحظها القارئ في كلّ أعمال الأسد ودراساته، وهي (شَغَف الكلمة)، ذلك الشّغف الكبير الذي ملأ قلبه ونفسه، فجعل انتقاء المفردات من أخصّ خصائص أسلوب الأسد وأجملها، إذ يلحظ القارئ دقّة استعمال اللفظ والعناية به أبلغ عناية، فالألفاظ (كائنات حيّة) يحبّها الأسد وتحبّه، حتّى ليَكشفُ عن سرّ علاقته بالكلمة وحبّه لها، فيقول في مقدّمة تحقيقات في اللغة والأدب: «كانت الكلمة ـ من حيثُ هي لفظةٌ مفردة ومن حيثُ هي لَبِنَةٌ في بناء نَظْم الجملة ـ موضعَ شغَفي: بإيحاءاتها وموسيقاها وألوانها وظلالها وامتداداتها، منذ صباي المبكّر، حتّى لقد كنت أحسّ أحيانًا كأنّ اللفظ كائن حيّ، أحاوره وأداوره، ويحاورني ويداورني، قبل أن يستقرّ في موضعه من الجملة وأرفعَ عنه قلمي. وقد أحسّ، بعد ذلك، أنّه لم يرض عن موقعه، ولم أرضَ عنه، فيظلّ قلقًا يتململ حين أعيد قراءته أو سماعه، ولا يهدأ إلا بعد أن أضعه في موضع آخر يرضاه وأرضاه، وأحلّ محلّه لفظًا غيره يستسيغه ذوقي وتطمئن إليه نفسي».

والقارئ لهذا النصّ يلحظ مدى القرب النفسيّ والعاطفيّ بين الأسد وألفاظه التي نراها في دراساته، ويدرك سرّ ذلك الانتقاء الفريد للألفاظ، فالكلمة عنده كائن حيّ يُحاوِرُ ويُحاوَر، ويداوِرُ ويُداوَرُ، وحيويتها تلك هي التي جعلتها موضعَ شغفه، لما لها من إيحاءات وموسيقى وألوان وظِلال وامتدادات، ولهذا لا نعجب حينما نعلم أنّ الأسد ممّن لا يقولون بوقوع الترادف في اللغة العربيّة، فالكلمتان وإن تشابهت دلالتهما لدى كثير من الناس، فإنّ لكلّ منهما ـ بلا شكّ ـ من الإيحاءات والموسيقى والألوان والظِّلال والامتدادات ما يجعلهما غير مترادفتين، ولا تصلح إحداهما للوقوع موقع الأخرى لدى من يُحسّ بالكلمة إحساس المُحبّ، ويشعر تجاهها بشغاف القلب. والكلمة بعد انتقائها والعناية بها مفردةً قد تستقرّ في موضعها من الجملة وقد لا تستقرّ، قد تقبل ذلك الموضع الذي وُضعت فيه وقد تأباه، فتظلّ قلقةً تتململُ حينما يعيد قراءتها أو سماعها، وكأنّها تشكو إليه وضعها في غير موضعها الذي يليق بها وتليق به، ولا تهدأ كلمته وتركن إلا بعد أن يضعها في موضع (ترضاه ويرضاه)!! فأيّةُ علاقة تلك التي تشكّلت بين الأسد والكلمة! فالكلمة معشوقةٌ والكلمة شاكية، والكلمة قلِقةٌ والكلمة راضية، وكأنّ هذه العلاقة تذكّرنا بعلاقة عنترة بجواده الذي قال فيه:

يدعونَ عنترَ والرماحُ كأنّها

أشطانُ بئرٍ في لَبانِ الأدهمِ

ما زِلتُ أرميهم بثُغرةِ نحره

ولَبانِهِ حتّى تسربلَ بالدّمِ

فازورَّ من وقعِ القنا بلَبانِهِ

وشكا إليَّ بعَبرةٍ وتحمحُمِ

لو كان يعرفُ ما المحاورةُ اشتكى

ولكانَ لو عرفَ الكلامَ مُكلِّمي

وعلاقة المثقّب براحلته يومَ شكت المثقّب للمثقّب، فقال في ذلك:

إذا ما قُمتُ أرحَلُها بليلٍ

تأوّهُ آهةَ الرجلِ الحزينِ

تقول وقد درأتُ لها وضيني

أهذا دِينُهُ أبدًا وديني؟

أكلَّ الدَّهرِ حَلٌّ وارتحالٌ

أما يُبقي عليَّ ولا يقيني؟

دراسات الأسد اللغوية: قلّة العدد وغزارة الفكرة

جمع ناصر الدين الأسد في أخريات حياته دراساته وأبحاثه اللغوية في كتاب (تحقيقات لغويّة)،وصدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 2003، ثمّ ضمّ إليها، بعد عشر سنوات، مجموعة دراسات وأبحاث أدبيّة، وأصدرهما معًا في كتاب بعنوان (تحقيقات في اللغة والأدب)، طُبع بدعمٍ من وزارة الثقافة، وصدر عام 2013 عن دار أروقة للدراسات والنشر.

واللافت للنظر أنّ الأسد قدّ صدّرَ عنوان كتابه في المرتين بكلمة (تحقيقات)، وهي تنطبق تمام الانطباق على ما يقوم به ناصر الدين الأسد في دراساته اللغويّة والأدبيّة، فهو محقّق لغويّ بارع يرصد الظاهرة اللغويّة التي يعتزم الكتابة عنها، ثمّ يُجهد نفسه في الإحاطة بكلّ ما يتعلّق بها من شواهد قرآنيّة وأدبيّة شعرًا ونثرًا، ومن قواعد للنحاة واللغويين، حتّى تستوي مادّة دراسته كاملةً بين يديه، ثمّ يفحص هذه المادّة ويحاور المختلف منها والمؤتلف، حتى يصل فيها وبها إلى ما يُطلق عليه هو (ترجيحات)، لا يقطع تمام القطع بصحتها وإن كان يرى أنّها الصواب، مستندًا إلى منهج رصين يعتمده في دراسة القضايا اللغويّة والأدبيّة مفاده أنّه لا يجوز لباحث أن يطلق حكمًا عامًّا في مثل هذه القضايا والدراسات إلا إذا توصّل إلى أدلّة قطعيّة فيها، وأنّى لباحث مهما بذل من جهد أن يأتي بالدليل القاطع في مثل هذه المسائل؟ وغاية ما يمكن أن يأتي به الباحث في مثل هذه المسائل أن يوازن بين الشواهد والآراء ويصل ترجيحٍ يطمئنّ إليه.

وقد جاءت دراساته اللغويّة في عدد قليل من الأبحاث هي:       

-    (معاجم ومُعجمات)، ووصل فيه إلى أنّ كلمة (معاجم) التي درج الناس على استعمالها جمعًا لـ(مُعجم) هي الوجه الصحيح، بالرغم من تخطئة العلاّمة مصطفى جواد (سنة 1955)، ومن تابعه، هذا الجمعَ وقولهم إنّ جمع مُعجم هو معاجيم أو مُعجمات لا معاجم.

-    (نوادٍ وأندية) وصل فيه إلى أنّ استعمال (النوادي) جمعًا للنادي هو الوجه الصحيح الفصيح، وأنّ الأندية جمع (ندِيّ) لا جمع (نادٍ)، بالرغم من تخطئة إبراهيم اليازجيّ وإبراهيم المنذر استعمال النوادي جمعًا للنادي. يقول الأسد: «وقد تعاقب بعد هذين العالمين نفرٌ ممّن نسجوا على منوالهما، حتّى استقرّ في الأذهان ـ أو كاد ـ أنّ الجمع الصحيح لنادٍ هو أندية، وأنّه لا يجوز لمن يحرص على سلامة لغته أن يستعمل (نوادٍ)».

-    (وديان وأودية) وصل فيه إلى صواب استعمال (وديان) جمعًا لوادٍ؛ وأنّ جمع الوادي على أودية هو صحيح على غير القياس، بالرغم من تخطئة إبراهيم المنذر وأسعد داغر وزهدي جار الله جمعَ الوادي على وديان.

-     (حماس وحماسة) انطلق فيه من تخطئة كثير من المحدثين كاليازجي والمنذر وأسعد داغر لفظ (حماس) بالتذكير، وقولهم إنّ الصواب استعمال هذا اللفظ بالتاء، فنقول على رأيهم: فلان كثير الحماسة، ولا نقول: كثير الحماس. فبيّن الأسد في بحثه أنّهما مصدران صحيحان، وأنّ وزني (فَعال وفَعالة) قد تعاقبا في المصادر العربيّة حتّى شكّل ذلك ظاهرة تحتاج إلى تفسير، وساق كثيرًا من الشواهد على هذين الوزنين، مثل: ضلال وضلالة، وسماح وسماحة، وكلال وكلالة... .

-    (أعراب وبادية): ألقاه في مؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة 1976. وقد توقّف فيه عند ألفاظ: الصحراء، والبادية، والأعراب، والبدو، واستند إلى نصوص من الحديث الشريف والسيرة النبويّة، ومرويّات تراثية، للتمييز بين البدو والأعراب، ومساكن كلّ منهما، ودلالة الصحراء والبادية، والعربيّ والبدوي والأعرابيّ.

-    (العشرينات والعشرينيّات) وصل فيه إلى أنّ الأسلوب الفصيح الذي درج العرب على استعماله، في عصور الاحتجاج وما تلاها، هو استخدام لفظ العقد معرّفًا بـ (الـ) للدلالة على ما ندلّ عليه اليوم باستعمال لفظ العقد مجموعًا بإضافة الألف والتاء، وقبلهما ياءٌ مشدّدة أو بدونها (العشرينات والثلاثينات ... أو العشرينيّات والثلاثينيّات ...). ثمّ قال: «ومن أراد المخالفة عن استعمالهم الذي ألفوه [أي العرب]، وأراد أن يُحدث كلامًا جديدًا، فلا بأس عليه من أن يجمع لفظ العقد فيقول: العشرينات والثّلاثينات.... أمّا ما سوى ذلك، كإضافة ياء النِّسبة قبل الجمع، فشيء تنبو عنه الأسماع، وتمُجُّه الأذواق، وليس ما يدعو إليه، مهما يُزيّنه لنا المزيّنون بتخريجاتهم».

-    جهود بعض المُحدَثين في «العاميّ الفصيح»: قدّمه إلى مؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة 1990. وتناول فيه جهود أربعة من المحدثين الذين كتبوا في وجوه القربى بين لغة العامة واللغة الفصيحة. وهؤلاء الأربعة هم: أحمد رضا العامليّ صاحب «ردّ العاميّ إلى الفصيح»، وأحمد عيسى صاحب «المحكم في أصول الكلمات العاميّة»، وشفيق جبري «نشر 19 مقالة بين عامي 1942 و1979في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق»، وعبد الملك مرتاض صاحب «العامية الجزائرية وصلتها بالفصحى».

-    كتاب الجمهرة لابن دريد وأثره في اللغة: ألقاه في ندوة الأديب الشاعر محمد بن الحسن بن دريد التي عُقدت في سلطنة عُمان سنة 1991. وقدّ توقّف فيه عند أهميّة كتاب الجمهرة، ومنزلة ابن دريد في اللغة، وفنّد آراء اللغويين الذين طعنوا بعلمه، كالأزهري ونفطويه وابن جنّي.

-    مسائل في العربيّة وتعلُّمها: قدّمه إلى مؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة 1995. تناول فيه أسباب ضعف الطلبة في تعلّم اللغة العربيّة، ورأيه في بعض الأساليب المعاصرة المستعملة في تدريس اللغة العربيّة، مبيّنًا أنّ بعض طرائق تدريس اللغة العربيّة مأخوذة عن الغرب بلا تمييز بين ما يصلح للغاتهم وفق خصائصها، وما يصلح للغتنا وفق خصائصها المختلفة في كثير منها عن اللغات الغربيّة.

وأبرز ما يمكن أن نشير إليه في هذه الدراسات أنّه يمكننا أن نصنّف أكثرها ضمن ما يُعرف بالتصحيح اللغوي، وهي الدراسات (معاجم ومعجمات، ونواد وأندية، ووديان وأودية، وحماس وحماسة، والعشرينات والعشرينيّات)، وأنّ هذه الألفاظ والجموع التي تناولها الأسد في أبحاثه، هي من حيث عددها لا تبلغ عدد ما نجده في الصفحات الأربع أو الخمس الأولى من أكثر كتب التصحيح اللغويّ ومعاجمه؛ إذ ضمّت تلك الكتب موادّ كثيرة من الألفاظ والأساليب المُخطّأة وتصحيحاتها كما رأى مؤلّفوها. أمّا الأسد فإنّه مُقِلٌّ في هذا الباب؛ فهو باحث محقّق لا يعنيه أن يطوي الصفحات، وأن يسجّل في تاريخه عددا من الأبحاث والمؤلّفات، وإنّما كلّ همّه في بحثه يتمثّل في أن يجلّي حقيقة هذا اللفظ أو ذاك الاستعمال، وإن نال منه هذا التحقيق الكثير من الوقت والجهد والمشقّة والعناء، كما كان همّه يتمثّل في إبراز الكيفيّة التي يمكن أن تُدرس من خلالها هذه المسائل والقضايا اللغويّة.

ولذلك فقد تناول في أبحاثه قضايا لغويّة شائكة، تقدّمه في بحثها لغويّون كُثر، وقطعوا القول فيها على خلاف ما يراه هو، ولم يثنه ذلك عن مواصلة البحث والتنقيب عنها في بطون الكتب والمعاجم، مهتديًا بالذوق السليم، ومستسلمًا لـ(شهوة التنقيب)، بحسب تعبيره. ومن الأمثلة على ذلك أنّه حين بدأ البحث عن (وديان) جمعًا لوادٍ، بعد أن رأى من تقدّمه يخطّئها ويذهب إلى أنّ الصواب هو (الأودية)، حاول أن يتلمّس الوديان في أشعار الجاهليّين والأمويين والعباسيّين، وفي كتب المسالك والبلدان ومعاجم الجغرافيا، فظفر بالأودية ولم يظفر بطِلبته (الوديان)، ولم يصرفه ذلك عن البحث، حيث يقول: «واشتدّ طلبي للوديان وحرصي على التنقيب عن هذا الجمع، ولكنّي لم أجده فيما قرأت من كتب تراثنا في اللغة أو الأدب أو التاريخ أو غيرها، حتّى أفسدت عليّ شهوةُ البحث عن هذا الجمع لذّةَ قراءة تلك الكتب، وربّما فوّتت عليّ فوائدَ أخرى كثيرة، ولجأتُ إلى المعاجم وكتب اللغة لعلّي أجد فيها ما لم أجد في غيرها، فلم أفز بطائل».

لقد رجع الأسد إلى المعاجم حتّى انتهى إلى الزَّبيديّ صاحب تاج العروس (1205هـ) ولم يجد فيها غير الأودية، وما وجد الوديان في كتاب الله بل وجد الأودية في آيتين، حتّى قال: «وكان في كلّ هذا غناءٌ ومَقنع، وكان بعضه حريًّا أن يصرفني عن مواصلة البحث لولا اللجاجة وشهوة التنقيب». ثمّ واصل بحثه وتحقيقه، حتّى وصل إلى أنّ بناء (فُعلان) من أبنية الجموع العربيّة التي نصّت عليها معاجم القدماء وكتبهم ونصوصهم، وأنّهم نصّوا كذلك على أنّ جمع (وادٍ) على (أودية) هو على غير القياس، كأنّه جمع (وَدِيّ) التي على وزن (فعيل) وتُجمع على (أفعلة) للقلّة، وعلى (فُعلان) للكثرة. وأمّا وزن (فاعل) للاسم والصفة الجارية مجراه، ومنها (الوادي)، فقد يكون جمعها على (فُعلان)، وذكر أمثلة كثيرةً جُمِع فيها (فاعل) على (فُعلان)، ومنها: راكب ورُكبان، وفارس وفُرسان، وواحد ووُحدان، وشاطئ وشُطآن.

 احتجاجه اللغويّ والاستئناس

يتتبّع الأسد الاستعمال اللغويّ الذي يناقش قضيّته في «ثلاثة مسارب: في القاعدة اللغويّة الصرفيّة، وفي المعاجم وكتب اللغة، وفي الاستعمال والإلف». ويعنينا هنا مسرب الإلف والاستعمال، فالأسد لا يُخفي انحيازه الواضح إلى الاحتجاج بلغة العرب الذين حدّدهم اللغويّون زمانًا ومكانًا، إلاّ أنّه في الوقت نفسه يستأنس بما جرت به أقلام العلماء واللغويّين المتقدّمين منهم والمتأخّرين حتّى عصرنا الحاضر، فنجده يقول في جمع (النادي) على (نوادٍ) مستأنسًا باستعمال الفيروز أبادي: « بل إنّي رأيتُ مجد الدين الفيروز أبادي ـ وهو مَن هو معرفةً باللغة، وجمعًا لنوادرها، وضبطًا لشواردها واطّلاعًا على مصادرها ـ يستعمل هذا الجمع في مقدّمة قاموسه المحيط». وعلى هذا النّهج يستأنس باستعمال اللفظة أو إقرارها من عالمٍ معروف كالمرتضى الزّبيديّ ونصر الهورينيّ، ويمضي على هذا النهج حتّى يصل إلى عصرنا الحاضر فيستأنس باستعمال بعض العلماء الذين يثق بدقّة معرفتهم وسعة اطّلاعهم كسعيد الأفغانيّ وحفني ناصف وأبي الوفا المراغيّ وعبد السلام هارون.

ولكنّا نؤكّد هنا أنّ الأسد يستأنس ولا يحتجّ، إذ يفرّق بين هذين المصطلحين في معرض تعليقه على احتجاج العدنانيّ بما ورد في معاجم: تاج العروس ومتن اللغة والوسيط، فيقول: «إنّ التاج ومتن اللغة والوسيط، كلّها ـ على نفعها وقيمتها ـ ليست حجّةً على صواب هذا اللفظ، لمجرّد أنّه ورد فيها، وإن كان يجوز الاستئناس، وليس الاحتجاج» .  وثمّة تأكيدٌ لا بدّ منه، وهو أنّه يلجأ إلى هذا الاستئناس بعد أن يتوفّر للفظة ما يبعث على الطمأنينة من حيثُ انطباق قواعد اللغويّين عليها، وسلامة قياسها على نظائر كثيرة، وإن أغفلت المعاجم النصّ عليها، ولم نجدها فيما وصل إلينا من لغة العرب الذين يُحتجّ بلغتهم، كما هي الحال مع الألفاظ التي تناولها في أبحاثه: النوادي والعشرينات وحماس ومعاجم ووديان.

والأسد وقد سلك هذا المسلك، فإنّه يكون قد شقّ طريقًا يمكن أن تُسهم إسهامًا كبيرًا في تنمية اللغة العربيّة، ورفع قَدْرٍ بالغٍ من الحرج عن أبنائها وكُتّابها، وذلك مرهونٌ بأن تتوفّر لهذه الطريقة الأسسُ الواضحة، والقواعدُ والضّوابطُ التي تكفل سلامة اللغة من جانب، وقدرتها على مواكبة العصر ومتطلّباته من جانب آخر.

 الأحكام والاحتراز

تتجلّى لدى الأسد في تحقيقاته اللغويّة سمةٌ علميّة ذات دلالة كبيرة، هي سمة الاحتراز الشّديد عند إطلاق الأحكام؛ فهو، على سعة اطّلاعه، وغزير معرفته، لا يؤكّد وجود لفظ أو ظاهرة، ولا ينفي وجودهما إلا فيما اطّلع عليه أو عرفه، ومثال ذلك قوله: «ولم نجد نصًّا فيما اطّلعنا عليه من كتب اللغة والأدب يجمع هذه الألفاظ التي أوردناها جمعًا سالمًا، فلم نسمع: مُسندات جمعًا لمُسند، ولا مُصعبات جمعًا لمُصعب، ...». ومن ذلك قوله: «وكذلك لا نعرف أحدًا من الكُتّاب والأدباء واللغويّين المحدثين – حتّى عهد قريب – استعمل (مُعجمات) جمعًا لمُعجم». ومنه قوله: «ولكنّنا لم نجد أحدًا نبّه على خطأ هذا الجمع [النوادي] فيما اطّلعنا عليه من معاجمهم وكتبهم، إلا أن يكون غاب عنّا شيء من ذلك، والله أعلم».

وفي مقابل ذلك، فإنّه يضيق ذرعًا بكثير من أحكام اللغويّين، على إجلاله لهم، لما يُطلقونه من أحكامٍ تعميميّة يصعب الوصول إليها، إن لم نقل إنّه مستحيل، ففي تعليقه على قول مصطفى جواد (والمعاجم لم يرد أيضًا في كلام الفصحاء) يقول الأسد: « أمّا أنّ (معاجم) لم ترد في كلام الفصحاء فقولٌ يحتاج إلى توقّف، ذلك أنّه لا يجوز لأحد أن يقوله إلا إذا أحصى جميع كلام الفصحاء، وأين هو ذاك الرجل! ... وغاية ما يجوز لعالم أن يقوله: أنّه (هو) لم يطّلع على هذا الجمع فيما بين يديه من كتب القدماء الذين يُحتجّ بنثرهم وبشعرهم. أمّا التعميم وإطلاق الأحكام المرسلة فأمر يتجنّبه العلماء الأثبات ما استطاعوا».

وعلى هدي تصريحه بضرورة أن يجتنب العلماء الأثبات التعميمَ وإطلاق الأحكام المرسلة، يمكن لنا أن نُدرك مرامي طريقته في إصدار الأحكام على الاستعمالات اللغويّة التي ناقشها في أبحاثه؛ إذ نجده يلتزم التزامًا بيّنًا بالتحرُّز في إصدار الأحكام، وأوضح ما يدلّ على ذلك أنّه لم يعتمد طريقة الإلزام في تأكيد خطأ الاستعمال اللغويّ أو صوابه، مع وضوح المُرجِّحات التي يوردها، وإنّما يجعل خاتمة كلِّ بحث سؤالاً أو أسئلةً تفتح الآفاق أمام القارئ ليشاركه الحكم، ومن ذلك قوله في خلاصة بحث (معاجم ومُعجمات): «فهل نحن على حقّ حين نرى أنّ الصّواب في جمع (مُعجم) هو (معاجم) وأنّ (مُعجمات) يُخالِف القياس، واستعمال العرب، وذوق جمهور المعاصرين معًا؟». فهو يتساءل ولا يُصرّح، وإن كان السّيرُ مع بحثه يقود إلى قبول ما وصل إليه والاقتناع به.

 آراؤه اللغويّة بين التشدّد والتساهل

قد يذهب القارئ لأعمال الأسد في التصحيح اللغويّ إلى أنّه يميل إلى التساهل في قبول بعض الاستعمالات اللغويّة الخاطئة، ذلك لأنّ هذه الأعمال جميعًا تقوم على تناول ألفاظٍ مُخطّأةٍ ومناقشتها، ثمّ الحكم بصوابها، ولكنّه في واقع الأمر على خلاف ذلك تمامًا؛ فالخطأ عنده خطأٌ يجب التوقّف عنده وتصحيحه والتنبيه عليه، وهو يعدّ القَولة الذّائعة (خطأ مشهور خيرٌ من صحيح مهجور) قولةً لا أخلاقيّة؛ إذ الخطأ خطأ والصّواب صواب، وعلينا أن نعود عن الخطأ إلى الصّواب إذا عرفنا ذلك. وهو وإن كان لا يقرّ مبدأ التسرّع إلى التخطئة، يحذّر في الوقت نفسه من «خطر المنهج المخالف الذي يدعو إلى التوسّع في قبول ألفاظٍ كثيرًا ما تكون على قياس غير صحيح لخفاء بعض عناصر القياس وأركانه الأساسيّة، وحين لا تدعو حاجة حقيقيّة إلى قبولها».

فالأسد يوازن بين جانبين لا يقلّ أحدهما خطورةً عن الآخر ولا أهميّة: المحافظة على نقاء اللغة وسلامة تعابيرها، وعدم تخطئة الصّواب. والمسألة عنده لا تحتمل التهاون في إصدار الأحكام تخطئةً أو تصويبًا على الاستعمالات اللغويّة، وإنّما تحتاج إلى رويّةٍ وتأنٍّ، وإلى دراسات جادّة ومعمّقة لا تقف عند حدود النّظر في المعاجم، ثمّ القول بناءً على خلوّها من بعض الألفاظ أو الاستعمالات اللغويّة بخطأ هذه الألفاظ والاستعمالات.

وانطلاقًا من رويّته في التعامل مع قضيّة التخطئة والتصويب وحساسيّته تجاهها، فقد حرَص على أن يُحقّق في كلّ كلمةٍ درَسَها من الكلمات المُخطّأةٍ تحقيقًا خاصًّا بها، وأقام على ذلك التحقيق البحث كاملاً، ثمّ حين ضمّ هذه الأبحاث في كتاب سمّاه (تحقيقات لغويّة)، وقد كان حريصًا في أثناء دراساته هذه على ألاّ يعمّمَ قواعد تلك الكلمات على غيرها من الألفاظ إلاّ في القليل النّادر، منطلقًا من رؤيةٍ مُفادها عدم السّعي لاختراع القواعد اللغوية بحجّة التيسير والتقريب.

وممّا يظهر فيه جمعُ الأسد بين ميله إلى المحافظة على طريقة العرب في الاستعمالات اللغويّة، ورغبته في التوسعة، وتقبّل ما ألفه أبناء العصر الحديث من استعمالات، ما جاء في خلاصة بحثه في ألفاظ العقود المسمّى (العشرينات والعشرينيّات): «فمن أراد طريقة العرب وما ساروا عليه في كلامهم، فأمامه هذا الشّعر المبين، وليقلْ: (حدث ذلك في العشرين أو الثلاثين أو الأربعين من هذه المئة، أو من هذا القرن)، ولا يخافنّ اللبس، ... ومن أراد المخالفة عن استعمالهم الذي ألفوه، وأراد أن يُحدثَ كلامًا جديدًا، فلا بأس عليه أن يجمع لفظ العقد فيقول: العشرينات والثلاثينات، وقد ورد في كلام العرب تثنية العقد».

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش