الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الاستقلال. نهضة ثقافية وتعزيز للهوية الوطنية

تم نشره في الجمعة 27 أيار / مايو 2016. 08:00 صباحاً

 إعداد: نضال برقان وعمر أبو الهيجاء وياسر علاوين



لقد اهتمت الدولة الأردنية، منذ استقلالها الذي تحقق في الخامس والعشرين من أيار 1946، بالشأن الثقافي، وقد عزز ذلك الاستقلال في نفوس الأردنيين، تلك الهوية الجمعية التي نهلت من الثقافة العربية الإسلامية، وتأصلت في مبادئ الثورة العربية الكبرى ورسالتها الوحدوية.

وكان جلالة الملك المؤسس يجمع في ديوانه الأدباء والشعراء والمفكرين ويستمع إلى آرائهم السياسية وفي مختلف القضايا التي تهم الدولة، عدا عن اهتمامه بالشعراء ممن كانوا ينضمون إلى مجلسه ليتبادلوا الشعر في مناظرات ومساجلات شعرية، فقد كان الملك المؤسس شاعرا يجيد نظم الشعر ويبرع في قصائده التي كانت تتنوع موضوعاتها بين السياسة والأدب وما تحويه من أبعاد قومية.

سبعون عاما على عيد الاستقلال تكون أجيال عديدة من الأردنيين قد ولدت في ظل راية الاستقلال، ونمت على هذا الخطاب الثقافي القومي.

«الدستور»، وهي تشارك أبناء شعبنا الاحتفال بهذه المناسبة العزيزة، هاتفت عددا من المثقفين لتتعرف من خلال آرائهم على معاني الاستقلال من منظور ثقافي، وعلى دور المثقفين في دعم ركائز الاستقلال الوطني وحماية منجزاته.



 د. زياد أبولبن:

نهضت الثقافة في الأردن نهوضا كبيرا منذ عهد الاستقلال، على مستوى الأدب والفكر والفنون المختلفة، واتسمت بخصوصية المكان والتعبير عن قضايا وطنية وقومية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وتحددت ملامحها، وامتدت جسورها إلى الوطن العربي، وكان للصحافة دور بارز في النشر من خلال الصفحات الثقافية والفنية، وظهور مجلات متخصصة، وأعلام كبار، في حين انطلاقة  الريادة كانت من خلال مجالس الأدب التي أقامها جلالة المغفور له الملك عبدالله الأول ابن الحسين، وبروز شاعر الأردن الكبير عرار، ومرت الثقافة في الأردن بمراحل متعددة باتساع الدولة الأردنية الحديثة، وكان لدائرة الثقافة والفنون قبل أن تتشكل وزارة الثقافة دور الرعاية والمشاركة في المشهد الثقافي، فيما بعد أصبحت هناك وزارة للثقافة وهيئات ثقافية منتشرة على مساحة الأردن، ولعبت رابطة الكتاب الأردنيين، التي تأسست عام 1974، دورا كبيرا ومهما في الحراك الثقافي أردنيا وعربيا وعالميا، خاصة أن الرابطة عضو في الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، كذلك عضو في اتحاد كتاب أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

 الشاعر حسن البوريني:

يَعرفُ العارفونَ بأنَّ للأُردن تاريخٌ ضاربٌ في العُمقِ ، موغلٌ في الزَّمنِ ، الأمرُ الذي جعلَ مِنهُ محطَّ أطماعِ الطامعينَ مِن أربابِ السَّطوةِ والنفوذِ خلالِِ الفتراتِ الزمنيةِ السّابقةِ ، الأمرالذي أبقاهُ لفترةٍ طويلةٍ تحتَ سيادةِ الغاصبِ والطامِعِ ، إلى أن جاءت الصحوةُ على يدِ الهاشميين الشرفاء فجاء فجرُ يوم 25/05/1947 حاملاً في ثنايا أنفاسِهِ عبقَ الإنعتاقِ مِن كلِّ قيدٍ، فكانَ يومُ الإستقلالِ الطالعِ عَن أكفِّ الملكِ الهاشمي المؤسس فكانت المملكة الأردنية الهاشمية تلك البلاد الثائرة على كلِّ ذلٍّ والكاسرة لِكلِّ قيد.

مِن هُناكَ إلى هُنا ولا زالت الحنكةُ الهاشميةُ والحكمةُ الفتيّة ، تَدفعُ بمواكبِ التّقدّمِ والرّفعةِ لتغدو مملكتُنا مِن الدّولِ التي يُشارُ إليها ببنانِ المجدِ والتقدم اقليمياً وعالمياً.

ومن طالعِ الحالِ والمملكةُ تشهدُ حركة ثقافية قلَّ نظيرُها عربياً في تلكَ الفترةِ ، فَقد عرفَ بلاطُ سمو الأمير عبدالله المؤسس حاضنة للثقافةِ والأدب منذُ البدايات فقد كان الأميرُ شاعرا أديباً كما هو سياسي محنك فكان بلاطُهُ بمثابةِ مُنتدى ثقافي نشط ، ومن هُنا كانت النّواةُ الثقافية التي أخذت في التنامي لتبلغ حدّ المأسسةِ عام 1966 عندما أُنشأت أول دائرةٍ للثقافةِ والفنون بالتعاونِ مع الأدباءِ والشُّعراء والفنانين وكلّ من لَه مساسُ بهذا الضرب الثقافي ظلّت هذه الدائرة مرتبطة بوزارة مُعينة بذاتها حتى عام 1977  عندما أُنشأت وزارةُ الثقافةِ والشباب بنظام داخلي، ونظراً لتطور العملية الثقافي وبروز التباين بين النشاطات الشبابية من جهة والثقافية من جهةٍ ثانية فصارَ لزاماً إنشاء وزارة الثقافة والتراث عام 1988 وظلّ الحال حتى صدور نظام وزارة الثقافة رقم 5/ لسنة 1990 وتلاهُ نظام التنظيم الوزاري لوزارة الثقافة رقم 15/ لسنة 2003 .

وكلُّ هذا نجد أنَّ ما حدث ما كان ليحدث لولا توجيهات القيادة الحكيمة التي نبّهت الجهاز الحكومي إلى أهميةِ الثقافة والتي تُعتبر مرآة تعكس واقع الرفعةِ في هذا الشعب ودور المُثقفينَ السلطوي والأكيد في حياة المجتمعات. وها نحن قد بلغنا بفضلِ القيادة الملكية الشّابةِ مرتقى عالٍ حيث صدر قانون رعاية الثقافة رقم 36/لسنة 2006 والذي يهدف إلى دعمِ الثقافة مِن خلالِ الإستراتيجياتِ والخططِ والمشاريعِ الهادفةِ خدمةً للثقافةِ والمثقفين.

في نهايةِ المطافِ نحمدُ اللهَ الذي جعلنا مِن أُمةِ «إقرأ»، وجعلَ قائدَنا مِن أساطِ النبيّ الهاشميّ المُعلّم، الذي أرسلَهُ اللهُ ليُخرجَ النّاسَ من الظُلماتِ إلى النُّور.

  الشاعر جميل أبو صبيح:

 نشأنا في بيئة تحلم بالثقافة منذ بدايات الخمسينات، حيث الثقافة بلا تربة ولا أرضية صالحة، فلا صحف منتشرة ولا شبان يحسنون القراءة والكتابة، والمدارس قليلة، وطموح الناس لا يعدو العمل الوظيفي البسيط

التعليم في تلك السنوات طموح عالي القيمة، واحترام المعلم يصل إلى مرحلة القداسة.

أذكر ان أحد المعلمين حل ضيفا مفاجئا على مجلس عشيرتنا، فاحتفى به أهلي بما لا يصدقه هو، أجلسوه على ثلاث فرشات فوق بعضهن، والمخدات على الجانبين، والمسند وراء ظهره.

كنا نحلم بالتعلم الذي احتجناه للدخول الى عالم المعرفة والثقافة، وكنا نجتهد على تحقيق هذا.

استطعنا من خلال طموحنا أن نتابع ما يتيسر إلينا من المطبوعات التي يتعالى انتشارها كلما ازدادت نسب التعليم الذي يؤدي تلقائيا إلى الثقافة..

في مرحلة ما قبل الاستقلال بدأنا نتلمس التقدم الإبداعي، لكن ليس بمستوى وانتشار عواصم الثقافة كالقاهرة مثلا، ولكن كان لنا طموحنا، فكان لدينا مبدعون، ثريا ملحس وفدوى طوقان وغيرهما، إلا أنها لم تكن بمستوى ما نستحق من ارتفاع سوية الإبداع لدينا.

حتى اذا بدأ التعليم ينتشر بعد الاستقرار السياسي انتشرت المدارس وأصبح التعليم إلزاميا، ثم توجه جميع أطفال الشعب إلى التعلم بما أنتج شبابا يسافرون إلى العواصم الثقافية العربية، ويشاركون منتجي الثقافة هناك، فظهرت فيما بعد لدينا أسماء مهمة، وانتشرت بعد اتحاد الضفتين بانطلاقة إبداعية قوية في القدس وعمان، وظهرت الصحف والمجلات المحلية، وظهرت لدينا أسماء مهمة على الساحة الثقافية العربية، أثرت بالمشهد الثقافي العربي إجمالا في الستينات والسبعينات وما بعدها..

للعواصم الثقافية العربية دور كبير بإظهار أسماء أسندت لها الريادة بأنواع إبداعية في الشعر والرواية وسواهما، بينما لدينا أسماء كانت مجايلة لتك الأسماء،ولكنها لم تنل حظها من المشاركة بنسبة الريادة، بسبب عدم وصولها الجاد إلى تلك العواصم.

في اعتقادي أن شعراء منهم أمين شنار و عبد الرحيم عمر وآخرون  يحق لهم المشاركة بمسمى  رواد القصيدة الجديدة، ولكن عدم وجود إعلامي بقوة إعلا م العواصم العربية وانتشاره ساهم بقدر كبير بعدم وضعهم في مكانهم المناسب..

استمر هذا الحال إلى السبعينات حيث تعددت العواصم العربية والمجلات الثقافية المتخصصة، بما أدى إلى كثرة جمهرات المثقفين والمحاورات الفكرية العالية، وانتشار الأنواع الإبداعية التي ساهمت بفعاليات عالية برسم المشهد الثقافي العربي، حتى وصل إلى ما هو علية الآن من ارتفاع عال لسويتنا الثقافية..

 الفنان التشكيلي د. خالد الحمزة:

إذا أردنا الحديث عن الثقافة بالمجمل فإنه كانت هناك دوما ثقافة قبل الاستقلال كما بعده، وهي ذاك الذي يعيشه المجتمع بعمومه ومتنوعا يشمل كل نواحي حياته. أما بالمعنى المخصوص كمنتج لنخبة من المجتمع فهو يقاس بنوعه وكمه ويحتاج إلى مؤسسات رعاية ونشر وهذا ما اختلف فيما بعد الاستقلال. صحيح أن بعض من الرعاية قد ظهر منذ تأسيس الدولة إلا أنه لم يكن كافيا وشاملا لكل المجالات الإبداعية، إذ تم تشجيع الشهر مثلا ولم يلتفت كثيرا للفنون البصرية كالرسم والنحت.  ولا شك بأن لحالة المجتمع الثقافية التي تفككت وهزلت بسبب قرون الإهمال الطويلة أثناء الحكم العثماني للأطراف ومنها بلادنا، أثر مهم في بطء إعادة الغرس وري فروع الثقافة من جديد.

سارت بعض النشاطات الثقافية من ندوات ولقاءات شعرية ومعارض رسم ببطء شديد في الخمسينات والستينات من القرن المنصرم، ولكنها أخذت إيقاعا أسرع من السبعينات حيث أخذت زيادة ملحوظة في أعداد المتعلمين وكذلك الدراسة في جامعات البلاد العربية كمصر والشام. وبالنسبة لمجالات الفن البصري فقد أخذت وزارة التربية والتعليم بإرسال طلبة في بعثات إلى مصر لدراسة الفنون والتربية الفنية مما هيأ لترسيخ هذه المجالات بعد عودة دفعات عديدة منهم والعمل في التدريس.

نشطت حركة المعارض الفنية في نهاية السبعينات لبعض الفنانين المتخرجين من كليات الفنون في الخارج ولأولئك الخريجين من معهد الفنون الجميلة بعمان. والناظر الآن في المشهد الفني يجد الكثير من الفنانين الممارسين بعد تأسيس كليتين للفنون في الأردن، والعديد من قاعات العرض الفني الرسمية والخاصة، ووسائل النشر الكثيرة حيث تعددت الصحف والمجلات وكذلك الوسائل الرقمية، نقول ذلك بالرغم من كم هائل من المعضلات والمعوقات الصعبة التي تواجه الحالة الفنية اليوم.

مأسسة الرعاية الفنية سواء أكانت رسمية أو خاصة ما زالت بعيدة عن التحقق، أي قيام هذه المؤسسات بدعم الفنانين واقتناء أعمالهم ونشرها. الفن اليوم يحتاج إلى روافع داعمة ماليا وتنظيميا ولا أحد تقريبا يقوم بذلك وإذا بقي الحال هكذا فإن خسارتنا ستكون رهيبة.

 الناقد محمد المشايخ:

سبعون عاما من النهضة والثقافة والمعرفة والتنوير، سبعون عاما والجباه عالية، والهامات مرفوعة،والأردن في الصدارة دائما، باعتباره وطن الرسالة والمبادئ السامية التي بزغ فجرها عبر الثورة العربية الكبرى صبيحة العاشر من حزيران عام 1916 في بطحاء مكة وتردد صداها في أرجاء وطننا العربي لتستعيد هذه الأمة دورها التاريخي بين الأمم وتمتلك القوة والعزم.

نشأت الثقافة الأردنية  في بلاط الأمير عبد الله بن الحسين في عمان،وتواصلت مع ظهور المؤسسات التربوية، والإعلامية، في عهده وفي العهود اللاحقة، وها هي تشهد ازدهاراً ونشاطاً ملحوظين لأسباب عديدة تأتي في مقدمتها الديمقـرطية وما أنجبته من هيئات ومؤسسات حزبية ووطنية وإعلامية محلية ذات أصداء عربية ودولية، أما الجامعات الأردنية، الرسمية منها والخاصة، فقد غدت أدوات دفع ثقافي لا يقدم المادة الأدبية للطلبة فحسب، بل ويجمع بين الطلبة والأساتذة والمبدعين عبر قنوات التواصل التي غدت كثيرة، أما وزارة الثقافة،والهيئات الثقافية الستمائة التابعة لها، والمراكز الثقافية التي أنشأتها  في أرجاء المملكة، وما قدّمته وتقدمه من مشاريع ثقافية تتمثل في الجوائز، والمجلات، والاصدارات، وغيرها، فقد غدت جزءا من التنمية الثقافية المستدامة، ولا ننسى هنا الدور الثقافي لأمانة عمان الكبرى، ولرابطة الكتاب الأردنيين، ولمؤسسة عبد الحميد شومان، ولنقابة الفنانين، ولرابطة الفنانين التشكيليين، واتحاد الناشرين الأردنيين، وجمعية المكتبات والمعلومات الأردنية، عدا عن الدور الثقافي للنقابات والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني كافة.

إن المبدعين الأردنيين، الذين يساهمون في نهضة الحياة الأدبية العربية، والذين لم يتوقفوا لحظة عن مواكبة العصر والمساهمة في الارتقاء بانجازاته، ورسم معالم صورته الناصعة المشرقة، هم العنصر الأساسي والمهم بل والأهم ضمن العناصر المحدودة التي تتشكل منها حياتنا الأدبية المحلية،ويتعزز استقلال المملكة من خلالها، وها هم ينتهزون ما قدّمته لهم الثورة التكنولوجية، لينشئوا عبر الفضاء الألكتروني، مواقع ينشرون من خلالها إبداعهم المتقدم، وأخبارهم الثقافية والأكاديمية،التي تملأ الدنيا وتشغل الناس.

بكل فخر وعز وكبرياء، يستقبل مثقفو المملكة، الذكرى السبعين لاستقلال المملكة الأردنية الهاشمية، وهي مناسبة غالية وسعيدة، مناسبة تسترجع عبق التاريخ، وتسطر بأحرف من نور، عطاء الهاشميين المتواصل، من أجل نهضة الأردن الغالي، وبنائه وفق أسس راسخة في الوجدان، عمادها الديمقراطية، وهدفها تحقيق التقدم والازدهار، بعيدا عن الخضوع والتبعية، وبعيدا عن الوصاية أو التدخل الأجنبي، إن الاستقلال بالنسبة لهذا الحمى الهاشمي، يعني اتصال الماضي بالحاضر، عبر سلسلة متواصلة من الإنجازات والمواقف الوطنية والقومية التي تدعو للفخر والإعتزاز وتقديم العبرة للأجيال.

 ناصر الرحامنة

منذ أن شقشقت أشعة الشمس على ربى الأردن المستقل، ومنذ ما قبل استقلاله، أي منذ انطلاقة الثورة العربية الكبرى، والأردن يسعى إلى استنطاق كل ما هو ثقافي وإبداعي وجمالي ، وقد اتضح لنا ذلك من خلال المناظرات العميقة والكثيرة التي كانت تدور بين المغفور له بإذن الله تعالى جلالة المؤسس الأول، وبين أدباء وشعراء ذلك العصر من مثل الشاعر الكبير مصطفى وهبي التل، والشيخ نديم الملاح وسواهما كثير ممن أسسوا للحركة الثقافية في الأردن، ووضعوا بصماتهم الأولى على جدارية المشهد الثقافي والإبداعي الأردني، ومن حيث وقوع الأردن جغرافيا في حضن الجغرافيا العربية بشكل عام، فقد استضافت واستعانت بثقافات وإبداعات عريقة سواء من شمال سوريا الكبرى، أو من حضارة الهلال الخصيب، أومن تاريخ الجزيرة العربية، أو من حضارة مصر وغرب الوطن العربي في شمال إفريقيا.

وظل البحث الدؤوب مستمرًّا ينهل من تراث البيئة المحلية من أجل إنماء المشهد الثقافي، وإعلاء قيمته الواقعية في عهد جلالة المغفور له الحسين بن طلال طيب الله ثراه، حتى وصلت ذروتها ومحاكاتها عالميًا، بسبب احترام تنوع الثقافات وحرية التعبير، والتواصل محليًّا وعربيًّا وعالميًّا حيث تعتبر الوسائل الجوهرية الدافعة بامتياز نحو الأفق المضيء لتستمر مسيرة بناء الوعي الإنساني أولا، وإعمار مكانته، ومكانه في زمن تخترق التطوارات المتسارعة فيه كل احتمالات الممكن حد الذهول ثانيًا، مما جعل المواطن ينهل من مكونات ما لديه من أدوات ثقافية كثيرة بشكل متسارع؛ من أجل تحقيق هدفه المنشود في مواكبة العصر ومتطلباته المتسارعة.

إن من ضرورات إعلاء سوية الفرد الأردني، العناية بالتربية والتعليم، وتنشئة الأجيال القادمة صحيًّا، وفكريًّا، ونفسيًا، وعقائديًا؛ لذلك اهتمت المؤسسة الحكومية بالمنهج التعليمي، من أجل النهوض في مجالي التربية والتعليم، فأصبح التعليم إلزاميًّا للصفوف الأساسية الأولى، ثم أنشئت الجامعة الأردنية حيث توالدت حتى أصبحت تعداد الجامعات في الأردن في تزايد ملحوظ، إلى أن أصبح التعليم الجامعي ضرورةً ملِّحةً أيضًا، لكل من لديه الرغبة في تشكيل المشهد الإبداعي الحقيقي الذي يسعى من خلاله إلى إكمال معرفته الكونية بوساطة العلوم الحياتية والإنسانية؛ وقد غدا الأردن في حقبة زمنية قصيرة وضيقة جدًا بالنسبة إلى الظروف البيئية والاقتصادية التي يعيشها المواطن الأردني صاحب السبق في كثير من العلوم، حتى أصبح يشار لنا نحن الأردنيين بالبنان، وأصبحنا نصدِّر معرفتنا إلى كثير من الدول العربية، وها نحن نجاري كثيرا من الشعوب الناهضة في العالم، علمًا، وسلوكًا، وثقافةً، وإبداعًا، حيث ساهم في إعلاء شأن المشهد الثقافي الأردني كلٌ من المؤسسات الحكومية والخاصة، وصار المشهد مشهدا مؤثرًا محليًّا وعالميًّا، وقد اعترفت بمضامينه وأشكاله المتنوعة دول العلم أجمعها ...

لقد تبرعمت البدايات في الديوان الأميري العامر ممثلةً برأس الحكم الأمير عبدالله المؤسس رحمه الله، ومجموعة من الأدباء والشعراء والفقهاء من المبدعين الأردنيين في انطلاقة البدايات الأولى آنذاك، حيث كانوا البذرة الأولى التي انغرست في حديقة المشهد الثقافي الذي نحن عليه الآن.

إن الاعتراف بتساوي جميع الثقافات في الحدود العليا من التقدير والتكريم، وحماية الممتلكات الثقافية، وتمكين الحوار بين الثقافات، واحترام الحقوق الثقافية، وتخطيط السياسات الهادفة التي من شأنها أن تتوافق مع المعيار المجتمعي والعقائدي، وما يناسب الوعي الجمعي للثقافة السائدة في وطننا العربي والإسلامي، ومناقشة التنوع الفكري من غير تسييد أو تحييد، ووجوب النهوض بالتعددية الثقافية البناءة، صونًا للفكر والوعي والتراث الثقافي في جغرافية المكان التي تخصنا، لنساهم ونعزِّز المحتوى النوعي الذي تسهم به الثقافة الأردنية مع ثقافات شقيقاتها الدول العربية التي تشترك معها في أساسيات وأصول لا حدود لها حدَّ الاندغام والتماهي التراثي والعقائدي والقيمي في تكوين الحضارة العالمية.

لقد تطور مفهوم الثقافة في الأردن تطوًرًا نوعيًّا وعميقًا تساوقا مع ما حدث في العالم، بحكم التسارع الإعلامي الهائل الذي جعل من العالم بأسره قريةً صغيرة يطلُّ بعضها على بعضها بسرعة ما تبثه الأقمار الإصطناعية التي ملأت فضاءنا الكوني، فتداخلت القيم والمفاهيم وصار من الصعب السيطرة عليها بمنأى عن استقلال الثقافات، وتنوعها المثمر، فضلًا عن دمج جمالياتِ بعضها ببعضها الآخر، ومع ذلك فقد عكست هذه الوسائل الإعلامية مفاهيم وتراث آخرين لم نكن نعلم عنهم شيئا.

إن المشهد الثقافي الأردني منذ بداية استقلال الأردن إلى الآن قد مرّ في مراحل تقافزية يصعب تتبعها تتبُّعًا منهجيًّا، أو منطقيًّا، لكنَّ حال الموطن عمومًا بحكم الرواسخ القيمية المثلى، والعليا التي نهلها من مناهل القيم التراثية والعقائدية قد جعله في مأمن من التجاوب مع سلبيات ما يعبر إلى ذهنه عن طريق التلوث الفكري الممنهج، حيث إنه ما زال يعكس من حيث ممارساته اليومية ما يترجم الرؤى الثقافية لإبداعات متميزة لم تُخترق بعد، وما زال المشهد الثقافي الأردني ينبئ بالخير، وما زال متجاوبا بحذر مع النظريات الحداثية المستجدة، وبقائها في الحدود النظرية فقط من دون التوغل انتهاجها عمليًّا مع بقاء المسافة الخجولة بين ثقافتنا المستمدة من إرثنا الطويل، وثقافات الدول العلمانية الأخرى.

لقد ساهمت وزارة الثقافة، ووزارة الإعلام، وأمانة عمان الكبرى في استضافة العاصمة الثقافية العربية عام 2002م، حيث كانت عمان العاصمة الأردنية هي عاصمة الثقافة العربية آنذاك، وقد استضافت كثيرا من الفعاليات الإبداعية المختلفة كالشعر والقصة والرواية والفنون الجميلة والمسرح، وغيرها من المنتج الثقافي الإبداعي العربي، كذلك رحبت عمان بالثقافات التي من شأنها الإسهام في المركوز الثقافي المشترك، على سبيل بناء التضامن الذي يكشف، ويتحدث عن مكنون التنوع الإبداعي العربي مما يؤثر إيجابا في المشهد الثقافي الأردني الذي بات يتحدث عن نفسه محليًّا وعربيًّا وعالميًّا.

 منذ تأسيس  المملكة الأردنية الهاشمية، وإلى ماشاء الله سيظل المشهد الثقافي بارعًا في الكشف عن ذاته بفخر واعتزاز من حيث النمو كمًّا ونوعًا، سواء مع المعطى الداخلي، أو الظهور الخارجي، من حيث أن الثقافة تعكس ثقافة المجتمع الذي وإن تعددت منابته وأصوله إلا أنه ظل محافظًا على وحدة الثقافة بمجملها مع المزج بما هو نافع من فنون وثقافات وفدت إلى الأردن من أثر النزوح والهروب من المطاحنات المهلكة في الدول الأخرى، إنه تنوع إيجابي يُعدُّ في مجملَ تفاعلاته تفاعلًا إيجابيًّا داعمًا ورافعًا للمشهد الفسيفسائي الجميل للتعدد الإيجابي بين الثقافات، وما زال المشهد العام للثقافة الأردنية في عهد الاستقلال مدعوًّا إلى تجديد ذاته مع الحفاظ على الأصول بفضل قدرته على الحوار والانفتاح؛ لأن الثقافة كما نعلم بمفهومها الشمولي يتسع إلى أكثر مما يندرج تحت مسميات الفنون والآداب: وهي التي تعدُّ حاملةً لكل القيم المميِّزة، الروحية منها والمادية والفكرية والعاطفية، والتي يتصف بها مجتمعنا الأردني، وتشمل، بالإضافة إلى تعدُّد الفنون والآداب، سبل الحياة، وأساليب العيش ، ونُظُم القيم، والتقاليد، والمعتقدات.

إن التنوع الثقافي المميز الذي تحظى به المملكة الأردنية الهاشمية منذ إعلان الاستقلال وإلى الآن يدعو إلى الفخر والاعتزاز بمكونات هذه الدولة سواء في القيادة المعزِّزة الحكيمة، أو في الشعب الذي التزم كثيرًا رغم طغيان الإعلام المتسارع.

وما زال مشرعًا شراعه في خضم هذه الأمواج المتناحرة منها، أو المتوافقة في المضي قُدمًا نحو تطوير ومواءمة أطر الفكر والعمل التي يمتلك نواصيها. وها قد أصبح اليوم الاعتراف بالتنوع الثقافي واحترامه العامل الأساس في التماسك الاجتماعي النهضوي عن طريق التنمية المستدامة، التي هي من صميم الاهتمامات السياسية الوطنية، والتي من شأنها حماية التنوع الثقافي، ومجابهة  التحديات الضاغطة باتجاه تمزيق هذا المشهد الذي تمثل في رخاء التعايش بالأمن والأمان، مع إرادة الحياة، مُصرًّا على بقائه مجتمعًا واحدًا لا تفصم عراه معاول الهدم والتخريب، والأفكار المسمومة التي لا يقبلها عدل الإله على الأرض، وسنظل سواء أفراداً كنا أم جماعات مع اختلاف ثقافات المنشأ، داخل البلد الواحد؛ يدًا واحدةً من أجل حماية التنوع الإبداعي في الوطن الواحد.  

 جلال ابو طالب

في الخامس والعشرين من ايار من كل عام يحتفل الأردن بعيد الاستقلال، هذه الذكرى العزيزة على قلب كل مواطن أردني و التي تمكن خلالها الاردنيون بقيادة الهاشميين من ارساء دعائم الدولة الاردنية الحديثة وترسيخ معالم المؤسسية والحرية والديموقراطية ليزهو ويفتخر بها ابناء الاردن بإنجازات هذا البلد الكبير بشعبه الصغير بإمكاناته ليحقق الاهداف المنشودة.

اسهم استقلال المملكة في الخامس والعشرين من ايار عام 1946 في نهضة ثقافية عامة نهلت من مبادئ الثورة العربية الكبرى.

حيث ترسخت هوية الثقافة الاردنية من جذور الثورة العربية الكبرى، واولت الدولة الاردنية منذ نشأتها الثقافة والمثقفين جل اهتمامها حيث شهد الاردن منذ تأسيسه نشاطا ثقافيا ملموسا في بلاط سمو الامير عبد الله المؤسس اذ كان شاعرا واديبا، اهتم بالأدب بشكل خاص والثقافة بشكل عام وكان بلاطه بمثابة منتدى ثقافي نشط.

وفي عهد جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، تعاظم الاهتمام الهاشمي في الثقافة والمثقفين حيث شكل الخطاب الثقافي نقطة مهمه في منطوق جلالته السامي بوصف الثقافة احدى المفردات المهمة للتنمية وتوطين المعرفة واداة التواصل والحوار ومهاد الحضارة، حيث تم انشاء المراكز الثقافية في المحافظات وتعزيز الانفتاح على الثقافة العربية والثقافات الاجنبية وتنشيط الحركة الثقافية ورعايتها، من خلال الترجمة والندوات والمحاضرات والمؤتمرات والمهرجانات والمعارض وتشجيع الحركة الفنية رسما» ونحتا» ومسرحا» وموسيقى، وتعميق الاعتزاز والولاء للثقافة الوطنية في الاردن وتأصيلها من خلال مراجعة التراث الوطني في الفكر والعلوم والآداب والفنون وتحليله ونشره وغير ذلك الكثير.

إن تخليد ذكرى الاستقلال تعد مناسبة وطنية لاستلهام ما تنطوي عليه من قيم سامية وغايات نبيلة لإذكاء التعبئة الشاملة وزرع روح المواطنة وربط الماضي بالحاضر المتطلع إلى آفاق أرحب ومستقبل أرغد خدمة لقضايا الامة والوطن وإعلاء صروحه وصيانة وحدته والحفاظ على هويته ومقوماته والدفاع عن مقدساته وتعزيز نهضته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

حفظ الله  معزز النهضة الاردنية صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين وحفظ الله الوطن وابناء الوطن.

  المخرج فلاح العموش

شهدت الدولة الاردنية على مدى العقود الماضية تحولات جذرية في كافة المجالات وفي جميع الأطياف الاجتماعية، خاصة بعد إرساء قواعد الدولة الاردنية وكيانها السياسي وسيادتها الشرعية، سار التغير الاجتماعي والثقافي في بداية عهد الدولة الاردنية بوتيرة بطيئة ومتدرجة ثم توالت احداث ومفاصل على الدولة والتي كانت في مجملها احداث سياسية اثرت بشكل كبير في بنية الانسان الاردني اجتماعيا وثقافيا، ثم في منتصف التسعينات انتشرت الفضائيات والتكنولوجيا وما صحبته معها من أفكار جديدة ومنافذ جديدة للتعبير عن الهوية وعن الفكر والحرية في اعلان الفكر بشتى أنواعه، مما لا شك فيه ان التنوع الذي شهده الاردن بعد عهد الاستقلال تحديدا أثرى المجتمع الاردني وجعل من مرونته ارضية خصبة للتزاوج مع الثقافات الاخرى ويرى الراصد لتلك التحولات الثقافية والاجتماعية ان النشاط الثقافي وقوته ساهم في احداث تغييرات في البنى الاجتماعية مثل تعديل وتغيير وإضافة بعض العادات التي خضعت فيما بعد للاستقرار حينا وللتذبذب حيناً اخر، وتنبهت الدولة الاردنية باكرا بأهمية الثقافة التي تسهم في نشر الوعي والمرونة الفكرية والتعددية وقبول الاخر والاستفادة من الثقافات الاخرى فاهتمت بالمهرجانات الثقافية مثل مهرجان جرش والذي أخذ صفة عالمية والاهتمام بالدراما الاردنية والأغنية الاردنية والأدب الاردني وأصبحت الفعاليات الثقافية سمة في الدولة الاردنية وتقام في مجمل فصوب السنة وفي مختلف ارجاء المملكة، فالأردن استثمر التغير الثقافي والاجتماعي ووجهه نحو الأعداد للمستقبل وللحداثة والفكر المتوازن.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش