الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الأسد مؤسس أول ندوة أدبية في الأردن

تم نشره في الجمعة 20 أيار / مايو 2016. 08:00 صباحاً

د. إبراهيم خليل *



 



ليس ثمة ما هو أصعب على المرء من أن يقول إن كلمة رثاء أو عبارة تأبين في عالم جليل ظل على مدى عقود يملأ المجالس بحضوره وابتساماته وطرائفه التي تنم على امتزاج الثقافة بالمعرفة وامتزاجهما معا بالذائقة الجمالية والحس الأدبي الرهيف، عالم يتمتع بقدرات على التأسيس، فيما ينتظر الآخرون قطف ثمار ما يغرس، ويؤسس من مؤسسات، ولا يذكرونه حتى على سبيل الشكر تأكيدا مطلقا لحرصهم على نكران الجميل وعدم الاعتراف لأهل الفضل بفضلهم. ومآثره التي تشهد على هذه القدرات قائمة ومتناثرة على مساحة الوطن العربي. ففي كل ناد من «أندية الفعل والقول»  له مآثر تذكر، وفضائل لا تنكر، وأياد تعدد، ولا تستكثر، من غيور على العلم والأدب غيرته على التراث المخطوط، وعلى النتاج المعاصر الحداثي ، دأبه في  الغيرة على غير الحداثي. فهو في الشعر شاعر، وفي التحقيق محقق لا يبارى، وفي النقد ناقد لا مثيل لأنظاره التي لا تجارى.     

وإذا كان لا بد من عودٍ على بدْء ، فإن والده المرحوم محمد أحمد جميل الأسد درس في الأزهر الشريف، لكنه توقف عن الدراسة والتحق عام 1916 بركب الشريف حسين بن علي ملبيًا نداء الثورة . وفي 13 كانون الأول من العام الميلادي 1922 ولد له الابن الذي أطلق عليه اسم ناصر الدين في العقبة، التي كانت قدْ ضُمّت لإمارة شرق الأردن سنة 1921. ولا تحتفظ ذاكرة الأسد بالكثير عن المدينة في ذلك الحين، ولكنه تحدث أمامي عن المنزل الذي نشأ فيه، وكانت فيه نخلة عالية تجود بألذ البلح، والرُّطب، حتى إنه، وقد  نيف على التسعين عمْراً ، سمعته يقول : إنَّ طعم ذلك الرطب الذي كانت تجود به ما يزال عالقا في فمي إلى الآن، فهو يذكّره بها، لينشد شعراً:

وللثّمار طعومٌ أنت أطيبُها         

وللأزاهير عطرٌ منكِ ينْحَدِر ُ

تلقى ناصر الدين الأسد تعليمه في أمكنة  متفرّقة من الأردن، واسْتأنفه في عمان (1933) أما حياته الأدبية، فقد بدأها بقراءة قصص كامل الكيلاني، وقراءة دواوين الشعر العربي قديمه، وجديده. وكتابة الخطب، والمقالات. وتأثر بمعلمه كاظم الخالدي، الذي حبّبَ إليه الأدبَ، شعره ونثره، والتعلق بما يذاع في حينه من أخبار عن ثورة فلسطين ضد التهويد، والانتداب البريطاني. مثلما تأثر بمعلمَيْن آخريْن، هما: عبد المنعم الرفاعي(1985)، وكنج شُكري، وكلاهما من خريجي الجامعة الأميركية في بيروت.

وفي هذه الأجواء بدأتْ مواهبُه بالتفَتّح ، فنشر أولى قصائده ، وكانت بعنوان، (فكرة حائمة) يقول في بعْضها:

وكانَ خيالي المهادَ الوثيرَ             

وكنتِ به  فكرةً حائمهْ

عطفتُ عليك ِفؤادَ الهوى            

وصنْتُكِ في مُهْجتي الراحِمَهْ

 قد تكون هذه القصيدة من النمط التقليدي، غير أنها لا تخلو من انسجام مع الاتجاه السائد للشعر عصرئذٍ. ونشر في العام ذاته أولى مقالاته، في مجلة المدرسة، وكانت بعنوان (الشاعر).

لقد ُفجع ناصر الدين، وهو في سنوات التحصيل، والطلب، بفقدان والدته أولا، ووالده بعد ذلك بأربع سنين، مما ترك أثراً قويًا في نفسه. لكنَّ هذا الأثر لم يثنه عنْ مواصلة التهيّؤ للمهمّات الصعبة التي نذره قدرُه للقيام بها في الزمان اللاحق. فانضمّ عام 1938 إلى طلبة مدرسة السلط الثانوية، وفي العام الذي تلاه ظفر – بوصفه أحد الطلبة الأوائل – بمنحة للدراسة في الكلية العربية في القدس، وكانتْ بمنزلة الكلية الجامعية، فمدة الدراسة فيها أربع سنوات، يستطيع الدارس بعدها متابعة تحصيله العلمي العالي لنيل الماجستير، والدكتوراه، من جامعات لندن، والقاهرة. وفي تلك الكلية تتلمذ لجورج حوراني، وإسحق موسى الحسيني، وسامح الخالدي، وزامل كلا من جبرا ، وإحسان عباس، ومحمود السمرة، وهاشم، وعبد الرحمن ياغي، وآخرين.

وفي أثناء الدراسة حافظ الأسدُ على تفوقه، واحتكاره، للمرْتبة الأولى.

وكغيره من الخرّيجين اكتسبَ معرفة باللغة الإنجليزية، واللاتينيّة، ومعرفة أكبر بالأدب الكلاسيكي ، من روماني، وإغريقي، ومن فلسفة قديمة، وتاريخ، ومن آداب عربية وغير عربية، ومن معرفة بقواعد النظم في لغات عدّة. وعند عودته إلى عمّان عمل في التدريس. ونتيجة اهتمامه بالأدب شعراً، ونثراً، أنشأ مع نخبة من الكتّاب تجمّعا ثقافيًا باسم (الندوة الأدبية) وبقي رئيسا لها حتى غادر إلى القاهرة لمتابعة دراسته العالية هناك.

في عام 1951 تقدم الأسد بأطروحته لنيل درجة الماجستير (القيانُ والغناءُ في العصر الجاهلي) وكانت بإشراف الأستاذ أحمد الشايب، صاحبِ كتاب « الأسلوب «، وكتاب « أصول النقد الأدبي «.

وفي القاهرة لم يكتف الأسد بالدراسة الجامعية، ولكنه وطّد علاقته القوية بغير قليل من الأدباء منهم : أحمد أمين ، ومحمد فريد أبو حديد، وزكي نجيب محمود، ومحمد عوض محمد، وأحمد حسن الزيات. وتردَّد إلى الندوات الأسبوعيّة ، منها : ندوة كامل الكيلاني، وندوة العقاد. وفي الأثناء بدأت مقالاته الأدبيّة تغزو المجلات، لا سيّما مجلة (القلم الجديد) التي أنشأها الناعوري في عمان(1952-1953).

شهد ناصر الدين الأسد، وهو في القاهرة، ما تركه كتاب طه حسين « الشعر الجاهلي « من ردود فعل ، وبما أنَّ طه حسين كان أحد أساتذته، وبما أنه أعاد نشر الكتاب بعنوان آخرَ، هو « في الأدب الجاهلي « بعد تهذيب تطلب منه حذفَ ما حَذَف، فقد وقر في ذهنه أنَّ الموضوع يحتاجُ إلى مراجعة، وإعادة نظر. فقرَّرَ أنْ تكونَ أطروحته للدكتوراه بعنوان» مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية « فأمضى نيفًا وأربع سنين (1952-1955) في تمحيص الروايات، والأخبار، ومراجعة النصوص، ومختارات الأشعار، وتتبُّع الروايات والمَصادر، والنقوش، والمَخْطوطات، علاوةً على المَطبوعات، ليقيم الأمْرَ على نحو غير مختل ، فأنصف الشعر الجاهليَّ بعد الذي ران عليه من الضيْم والإجْحاف، وأنصف الرواة بعد الذي لحق بهم من الغمز والتجريح، فضلا عن الاتهام المباشر الصريح.

وطبعت الرسالة لاحقًا في كتابٍ ما يزالُ مُتداولا حتى هذهِ اللحظة.

بعد ذلك، وفي العام 1959 عيّن عميداً مؤسسا لكلية الآداب في جامعة بنغازي في المملكة الليبية، وكانتْ تلك هي الخطوة الأولى في مسيرة الأميال الألف. وقد يسألنَّ سائلٌ من هو ناصر الدين الأسد ؟ أهو أكاديمي جامعيٌّ كغيره من الأكاديميّين الذي يُعدّون بعشرات الألوف، ولا نسْمع بأيِّ منهم؟ أم هو أديبٌ شاعرٌ كاتبٌ ناقدٌ باحثٌ مُحقق؟ أم هو هؤلاء جميعًا من غير أنْ نستثني منْهُمْ أحداً؟

يستطيع الدارسُ أنْ يجيب عن هذا التساؤل مطمئناً، وبفم ممتلئ، أنْ : نعم، هو هؤلاء مُجتمعون!

ففي الشعر له من القصائد، والمقطوعات، ما ينبئُ عن أنه شاعرٌ أصيلٌ، لا يكفيه السير على الطريق الموطأ الذي عبده الأوائل، ولكنه يطلق نفسه متحرِّرةً من قيود الماضي، فتشوب شعره مسحة رومانسية (إبداعية) شفافة، تضعه – بلا مواربة- بين المجدّدين لولا مشاغل الإدارة التي حالتْ بيْنه وبين الكثير الفائق . فها هو يقول من قصيدة له رائقة الجرْس، عنوانها (يا طيرُ) ما يشف ّعمّا طبع عليه من رهافة الشعور، ورقة الحاشية:

كم كان في وادي الهوى           

وظبائهِ لَك منْ مراحْ

ولكمْ تراقصت الغصونُ

وشاقها منكَ الصياحْ

فاصبر لدهركَ باسمًا        

فالليل يعقُبُه الصباحْ

وهو – إلى ذلك - أديبٌ ناقدٌ ، ذو حسٍّ نافذٍ، يستطيع به التمييز بين رديء الشعر، وجيّده، الأصيل المُبتكر منه، والتقليديّ الذي يجرى شعراؤه على سَنَن الأوّلين. وقد صنف في ذلك كتباً تضاف إلى أطروحتيه الجامعيَّتيْن. منها كتابه الرائد» محاضراتٌ عن الشعر الحديث في فلسطين و الأردن». و» الاتجاهات الأدبيّة في فلسطين والأردن» . وكتابه « محمد روحي الخالدي رائد المنهج التاريخي « و «كتاب خليل بيدس رائد القصة العربية في فلسطين «. فقد كشف في هاتيك الكتب عن مقدرة لافتة في سبْر غوْر القصة القصيرة، والميْز بين الجيد منها والمضطرب، الذي تعْتورُه مظاهر النقص، والقصور، سواءٌ في التشخيص، أو في اختيار الحدث، أو في السَّرْد المَحْبوكِ حبْكًا جيّدًا، أو مختلا لا يخلو من تفكّك، واضطراب. مبدياً رأيه في كتّاب معْروفين، منهم: محمود سيف الدين الإيراني، وعيسى الناعوري، وخليل بيدس صاحب مجلة [النفائس].

وفي نقده للشعر يبدى ميلا واضحا لغير المباشر منه، الذي يُعْنى بفنيّة القصيدة أكثر من عنايته بالموضوع، مفرّقا بين نظم الفقهاء والإبداع الشعري الرقيق. مفضلاً القصيدة التي تتجلى فيها الوحدة الشعورية الوجدانية على القصيدة المُفكّكة التي تفتقرُ إلى الوَحْدة.

وفي التحقيق قدم للمكتبة العربية مُصنفات حُقّقتْ تحقيقاً علميّا جيّداً، تلفت النظر بما فيها من إتقان الضبط ، ومقابلة النسخ بعضها ببعض ، وتحرّي الصحيح ، وتخريج الأبيات الشعرية تخريجًا دقيقاً يُغني المَخْطوط، فضلا عما يشفعه بهِ منْ شروح، وإيضاحات ٍ،تجعل الكتاب قابلا للفهم، والاستيعاب من المتخصِّصينَ، والشداة، على السواء.وتحقيقه لديوان قيس بن الخطيم، وديوان شعْر الحادرة ، وغيرهما، من الأمثلة التي تضعُه في الصفوَةِ المختارة من المحقّقين، ولا تقتصرُ تحقيقاته على المخطوطات، وإخراجها من أقبية المتاحف، ودور الكُتُب، إلى فضاء النشر والاطلاع، ولكنه أضافَ إلى ذلك بحوثاً هي – بمعنى من المعاني – نوْعٌ باهرٌ من التحقيق. وفي هذا المقام تجدُر الإشارة إلى كتابيه «تحقيقات لغوية» و « تحقيقات أدبيّة» ففي هذين السِّفْرين الجليليْن بُحوثٌ تجلو مَسائلَ لغَويَّة ، وأخرى أدبيّة، كثرَ فيها الخلط بين اللغويين، والباحثين، واضطربَ في بعْضها المُحققون. ومن يقرأ بحثه القيّم عن كتاب (الجَمْهرَة) لابن دريد الأزدي، في (تحقيقات لغوية) أو بحثه عن حذافة بن غانم في( تحقيقات أدبيّة) أو تفسيره لما يبدو في شعر بن زيدون من نقص يدعو للنظر، والتأمّل، أقول : من يقرأ ذلك بتدبّر، وطول تأمّل، يطمئنّ إلى صدق ما نقول في هذا الحَديث.

وبَعدُ، فإنّ للأسد الكثيرَ من البُحوث، والدراسات الموْسوعيّة، والأدبيَّة، واللغويَّة، التي تجْمَعُ بين الشمول، والتنوّع ، وتأصيل الدَّرْس اللغويّ، والأدَبيّ، ممَّا يجعل القولَ بأنّ الأسد – رحمه الله- وحيدُ عصْره، ونسيج وحْدهِ، قولا حريًا بالقبول، خاليا من التزيّد والفضول.



* ناقد وأكاديمي من الأردن

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش