الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الشعر عندما يصنع الحرية قراءة في شعر ناصر الدين الأسد

تم نشره في الجمعة 20 أيار / مايو 2016. 08:00 صباحاً

د. عماد الضمور *



..ويستكمل أيار أحزانه.. يقف الزمان عند منعطفات هذا الشهر ليعلن عن رحيل مَنْ نحبّ. ويعلن أيار نبأ رحيل مَنْ علمنا أبجديّة الشعر وحفر في ذاكرتنا الأمل المنشود بنهضة اللغة.

علق اسم الأسد شاعراً في ذهني عندما أعددت أطروحتي للدكتوراة عام 2003م والمعنونة « ظاهرة الرثاء في القصيدة الأردنية» من خلال القصائد التي جمعها أحمد المصلح في كتابه المعنون «ناصر الدين الأسد ناقداً وشاعراً» الذي عرّف ببراعة الأسد الشعريّة وقدرته على صياغة وجدانه شعراً.

لقد تميّز الأسد في إبداعه بتطويع الحروف الأبجدية بعدما جمعها نثراً وأدباً وشعراً زاد من عشق اللغة والتمسك بمعانيها، إذ يُبرز الأسد في شعره حالة الفقد بتشكلاتها النفسيّة ونوازعها الوجدانية التي تشعل الحروف وتلهب الأفئدة وبخاصة عندما يدخل الشعر في حالة صدام مع الموت الفاجع تسيطر عليه هواجسه وأحزانه» ويأخذ هذا الهاجس حالات متعددة من خلال الاستحضار والتمثّل والاستيعاب، والتعبير الشعري ضمن جدلية الغياب والحضور»(1).

ويرى ناصر الدين الأسد في ضياع فلسطين تكراراً لمأساة العرب في الأندلس، التي يستحضرها عند زياراته لقرطبة، إذ ينفتح الماضي على الحاضر، ليرسّخ فعل الفقد والهوان، ومرارة التجربة، مما سبّب انطلاق أحزان الشاعر متحفزة، ومشبّعة بالتحسّر، والوجع على الحاضر العربي(2):

«أشكو إليكِ هوانَ قومي في الورى/ وتحكُّمَ، السفهاءِ والأشـرارِ. حكمُ الطوائفِ لا يـزالُ بأرضـنا/ متجـلّلاً بالخِـزي والأوزار. خدعوا الشعوبَ وضيّعوا أوطانَها/ وتربّعوا فوق السّنى المنهارِ. لم يُجْدِهمْ ما أبصروا في حالِـكمْ/ من عِبْرةٍ للناس واستعبـارِ».

ومع تشابه تجربة العرب في فلسطين والأندلس، إلا أن العار الذي لحق بهم بضياع فلسطين أكبر، وأشد وطأة مما لحقهم بضياع الأندلس؛ لما تحتله فلسطين من مكانة دينية عند المسلمين، وعروبتها الموغلة في التاريخ (3).

وقد وظّف ناصر الدين الأسد الطاقة الإيحائية الكامنة للأندلس فنجدها حضرت بأبعادها المكانية والحضارية، كما في قصيدة ( يا أرض أندلس )، التي يرثي فيها الأندلس رثاءً حزيناً، مفعماً بالأسى على ما آلت إليه حالة الأمة من هوان وضعة، رابطاً الماضي بالحاضر(4):

«فترابُ هذي الأرضِ مِنْ أجسادكمْ/ ونباتُها طَلْعُ الدمِ المِعطـارِ. وهواءهـا متضمـّخٌ يأريجكــم/ وتراثُها من يَعربٍ ونـزارِ. إني لأسمـعُ صوَتكمْ في خلـوتي/ وأراكمُ عن يَمنَتِي ويَساري. وأكادُ ألْثَمُ كـلَّ موضـعِ خُطْـوةٍ/ شوقاً إلى من ضمَّ من أطهارِ».

وتزدحم ذاكرة الأسد بفعل الحبّ، وما يرافقه من نشوة عارمة، تعتري كيان العاشق  بعكس ما يحمله حاضر الشاعر، حيث فعل الفقد الذي أجهز على هذه السعادة،وجعلها جزءاً من ذكريات مستباحة للوجدان الحالم،كما في قصيدة  «حلم ضاع» لناصر الدين الأسد، يقول مستذكراً ذكريات الماضي،وراثياً حبّه الضائع (5):

«ذاكَ عَهْدٌ قَدْ تولّى ومَضى،/ كنتُ استعذبُ فيهِ الخـُدَعا. يومَ أنْ كنتُ أُساقيكِ الهوى/ وتُعاطِيني جَنـاهُ الأمتـَعَـا. وتُمنِّينـي مُنَـى باسِمَـة ً/ سَلبَتْ مِنّي فؤادي أجْمَـعَـا. حُلمٌ ضَاعَ مع الصُّبحِ  سُدىً / ومَضى عنّي، كأنْ قدْ رُوّعا.

إذ تتجلّى في الحبّ أوثق العلاقات الحقيقة مع الذات والآخر، ممّا يشكّل دافعاً قويّاً للشعراء أن يعبّروا عن أحزانهم انطلاقاً من تجاربهم العاطفية .

ونلمح في شعر الأسد مواجهة حادة مع الموت، الذي يسرق الأحبة، ويحيل الحياة حزناً وألماً، مما يعكس حالة عجز تامة أمام الموت، وسخط على قسوته، لكنها في النهاية تجعل من الموت قوة موّحدة، تربط الشاعر بالكون، وتجعله أكثر ديمومة مع تجارب الآخرين، كما في رثاء الأسد لضياء الدين الرفاعي، حيث يصيغ النظرة الوجودية للموت منذ بدء البشرية(6):

«ذهبَ الأحبّةُ راحلاً في إثرِ راحـلْ/ وتفرّقتْ آثارُهـم طـيَّ المجاهـلْ. ومَدَدتُ من نَظري أُسابقُ خَطوهمْ/ فإذا بهم سَبقوا.. فعُدتُ بغير طائلْ. قَدْ ساقهم عَجلانُ لا يُصغي لنـا/ وبكفّه تَهوي المناجـلُ والمعـاولْ. فتفرقَ الأحبـابُ بَعْـدَ تـَجمّعٍ/ وتَقطعتْ مهجُ الأرامـلِ والثّواكـلْ».

وتُظهر قصيدة الشاعر حيرة النفس الإنسانية أمام الموت، وسعيها الدؤوب لاكتناه أسراره، كما في رثاء الأسد لسليمان الحديدي(7):

«آيةُ الموتِ والحيـاةِ سـؤالٌ/ حائرٌ .. مُبْهَمٌ .. مـدى الأحقـابِ. وقفَتْ دُونَهُ البَريّـةُ عَجـْزاً/ وسَألْنا .. فلم نَجِـدْ مِـنْ جـوابِ. نحن فوقَ الترابِ أطيافُ وَهمٍ/ ليتَ شِعري ما نحنُ تحتَ الترابِ!».

وهو موقف يعكس كرهاً للموت، الذي يحطّم الآمال، ويسلب الأحبة سعادتهم، مما يكشف عن العجز الإنساني في مواجهة هذا العدو، والاستسلام لسلطته المطلقة.

وفي سياق التسليم بسلطة الموت القاهرة، وحتمية وقوعه، يلجأ الأسد إلى توظيف تراثي لهذه الفكرة، كما في رثاء صديقه(8):  

«كلُّ راثٍ لا بُدَّ يوماً سَيُرثى/ سُنّةُ اللهِ الآخذِ الوهّاب».

وهو تأثر واضح بموقف كعب بن زهير من الموت، وإذعانه لحتمية الفناء البشري، حيث يقول(9):

«كلَُّ ابن أُنْثَى وإن طالَت سَلامَتُهُ/ يوماً على آلةٍ حَدباءَ محمولُ».

إذ أراد الأسد أن يضع بين يدي المتلقي تجربة مشابهة لموقفه من فقدان صديقه، فلم يجد أصدق عاطفة من تجربة كعب بن زهير في صياغة ثنائية الموت.    

نلمس في شعر الأسد اقتفاءً لآثار القدماء في جزالة الألفاظ ورصانة التعبير والالتزام بالعروض الخليلي، فضلاً عن رشاقة الصور وبراعة التعبير وشفافية المعنى، أمّا من الناحية المضمونية فإنّ الثقافة التراثية واضحة تعمّق من البعد التاريخي ذي الصلة الوثيقة بأمجاد العرب، إذ يبرز البعد القومي الذي يجعله الأسد محوراً مهماً في شعره فيرفض الفرقة والتشتت ويدعو إلى وحدة الأمة بوصفها عنوان التحرير والبناء.

إنّ إحياء اللغة العربية بفصاحتها وبلاغتها سمة بارزة في تراكيب الأسد اللغوية  فكانت الإفادة من المنجز الشعري العربي وتوظيف تقنية التناص المنفتح على التراث العربي بشكل واضح.

وهذا لا يعني أن الأسد لم يكن حداثيّاً في شعره، إذ استغلّ العنوانات بوصفها عتبات نصيّة وجزءاً عميقاً من بنية النص الشعري، يلج من خلالها إلى جوهر النص بلغة تزخر بالانزياحات اللغويّة والرمز الشفيف الذي يشعر من خلاله القارئ الواعي بحالة من الاتزان والاقتراب أكثر من فهم الواقع دون انغلاق للمعنى.

 الهوامش:

1 ـ أحمد المصلح، ناصر الدين الأسد ناقداً وشاعراً، ط1، وزارة الثقافة، عمّان، 2002م، ص54.

2 ـ أحمد المصلح : ناصر الدين الأسد ناقداً وشاعراً، ص103 .

3 ـ  انظر : كامل السّوافيري : الشعر العربي الحديث في مأساة فلسطين، ص646 .

4 ـ  أحمد المصلح : ناصر الدين الأسد، ناقداً وشاعراً، ص ص 102- 103 .

5 ـ أحمد المصلح: ناصر الدين الأسد ناقداً وشاعراً، ص96 .

6 ـ أحمد المصلح: ناصر الدين أسد ناقداً وشاعراً، ص112 .

7 ـ أحمد المصلح: ناصر الدين الأسد ناقداً وشاعراً، ص110 .

8 ـ  أحمد المصلح : ناصر الدين الأسد ناقداً وشاعراً، ص111 .

9 ـ  شرح ديوان كعب بن زهير : صنعه الإمام أبي سعيد السكريّ، د-ط، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، 1950م، ص19 .  



* أكاديمي وناقد من الأردن

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش