الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«الدستور» تنشره بالتزامن مع كبريات الصحف العربية * «الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة» * روبرت فيسك * الحلقة السابعة

تم نشره في الأربعاء 9 آب / أغسطس 2006. 03:00 مـساءً
«الدستور» تنشره بالتزامن مع كبريات الصحف العربية * «الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة» * روبرت فيسك * الحلقة السابعة

 

 
اكبر تظاهرة شعبية ضد الغزو الروسي في شوارع كابول
لماذا حث كارتر وتاتشر العالم على مقاطعة الالعاب الاولمبية في موسكو ؟
فأسعار اللحم والأرز زادت بنسبة 80% ، والبيض بنسبة 100%. وادَّعى أحد أصحاب الحوانيت الذي يلبس كنزة وسترة مع العمامة والسروال الأفغاني الفضفاض ، بأن حكومة كارمال لن تصمد ، إذا لم تلجم أسعار المأكولات

هؤلاء لم يكونوا مفوضي الشرطة الضخام المكتنزين كما يروى عنهم في الأسطورة ، بل كان معظمهم رجالاً صغار القامة محترمين بثياب الشغل الغبراء اللامعة ، وربطات العنق الرفيعة على خلاف "الموضة" ، وشعورهم المزيّتة الكثيفة: إنهم رجال مرتبطون بعائلاتهم ، وقادمون من جمهورية مستقلة لديها خطط إنمائية خمسية. كان الروس يلبسون في الصيف الخانق قبّعات عريضة الحوافّ.
ويعرقلون السير بشاحناتهم في شوارع كابول. وقد ولَّد "تدخّلهم المحدود" هجوماً ربيعياً ـ تلك الوسيلة التي يحبها جميع الجنرالات الذين يواجهون عصياناً مسلحاً ـ تطوّر الآن إلى حملة عسكرية على نطاق كامل.
المروحيات المسلحة
وكانت المروحيات المسلحة تقف صفوفاً في مطار كابول. وكانت طائرات "الإيليويشن" ذات المحركات الأربعة المتوجهة إلى طشقند ، تدور طول النهار فوق المدينة ، وتجر وراءها خطاً دخانياً بينما تميل جانبياً ميلاً حاداً فوق المطار الدولي لتتفادى صواريخ الأرض ـ جو. وفي المطار ، تمكن رؤية وجهي الثورة الأفغانية اللذين يبعدان أحدهما عن الآخر 800 متر. ففوق المبنى الرئيس للمطار ، يرتفع الترحيب الظافر الذي نصب في كانون الثاني ـ يناير: "أهلاً بكم إلى نموذج الثورة الجديدة". بحروف طولها متر ونصف متر: وقد بهتت ألوانها وتساقطت حروفها. وعبر مهبط الطائرات وعند نهاية المدرج الرئيس للمطار ، ينتصب الرمز الآخر لنزاع الثورة الأفغانية: صاروخ سوفياتي من طراز (SA-2) ، مع رأس حربي يزن 130 كيلوغراماً ، ومدى يصل إلى 50 كيلومتراً ، بارتفاع 000 50 قدم. كان هذا السلاح هو نفسه الذي كان له تأثير مدمًّر على قاذفات القنابل الأميركية (B-25) فوق هانوي أثناء حرب فيتنام.
وفيتنام كانت الكلمة التي تستخدمها أعداد أكبر فأكبر من الأفغان لوصف النزاع عندهم. وكان الرئيس كارتر والسيدة تاتشر يحثَّان العالم إذ ذاك على مقاطعة الألعاب الأولمبية في موسكو.
وضع الكبريت في الماء
وكان تلاميذ المدارس في كابول يرفضون الذهاب إلى المدرسة ومتابعة دراستهم ، لأن مئات منهم ألمَّ بهم المرض: فقد وضع المتمردون الكبريت في الماء الذي تتزود به المدارس ، بحسب قول الحكومة. وقد نُقل ألف ولد إلى مستشفى "علي أباد" لهذا السبب في أسبوع واحد.
وفي الليل ، كانت المعارك تحتدم حول المدينة ، عندما يهاجم المسلحون الدوريات الروسية ، وإذ يهاجم حزب "بارشام" وحزب "خلق" أحدهما الآخر. وقد أطلقت النار على طبيب عضو في حزب "بارشام" الذي يتزعمه الرئيس كارمال ، بينما كان يعود مريضاً في "بند غازي" ـ ضمن حدود المدينة ـ ولم تستطع الشرطة اكتشاف من قتله: المجاهدون ، أم وكلاء "خلق"؟ وكان أحد رجال الشرطة الذي عيًّن لمرافقتي من رجال "خلق". وقد صرّح في خلوة المصعد غاضباً: "إن الحالة سيئة هنا: وقد سئمت منها. نحن نريد المساعدة السوفياتية ـ إذ إننا نحتاج إليها. ولكن ، إذا بقي عندنا أيّ كان أكثر مما نريد ـ بما في ذلك الاتحاد السوفياتي ـ فإننا سنطلق النار عليهم". وبتاريخ 14 حزيران ـ يونيو أمر كارمال بإعدام 13 شخصاً من موظفي "خلق" السابقين بتهمة "تدبير مؤامرات ضد الدولة".
وكان أكثرهم موظفين ثانويين ـ مثل: "صادق علم يار" وزير التخطيط السابق ، و"صائب جان سهراي" المسؤول سابقاً عن شؤون الحدود ـ بينما لم يُمسّ نائب رئيس الوزراء "أسد الله سواري" الذي كان رئيس الجهاز السرًّي تحت حكم "طرقي". وقد ورد اسمه في رسالة الموت الليلية التي كانت تلقى ليلاً في المجمَّعات الدبلوماسية منذ أربعة أشهر.
كنت محظوظاً لأني اختلست 48 ساعة في كابول ، مع أني كنت تحت مراقبة الشرطة السرية. وعندما أُرجعت إلى المطار لأسافر ، كانت هناك طائرة "أيروفلوت" نفاثة واقفة في ساحة المطار ، وجسمها يؤيد سخرية السيدة تاتشر من السوفيات". كانت الطائرة تحمل بفخر على جانبيها شعار "أيروفلوت" باللغة الإنكليزية: "ناقلة رسمية للألعاب الأولمبية".
ولكن لم يلبث أن خرج منها جنود سوفيات بلباس الميدان ، كانوا شباباً ـ وبعضهم شُقْراً ـ يحملون رشاشاتهم تحت الشمس اللاهبة ، وينزلون إلى أرض المطار المزفَّتة. كانوا منشرحين سعيدين ـ ورفع أحدهم ذراعيه نحو الشمس ، وقال شيئاً أضحك رفاقه ـ لكن حظوظهم في العودة بالانشراح ذاته تضاءلت في الأسابيع الأخيرة. لقد أُدخل إلى مستشفى كابول العسكري أكثر من 600 من رجال الخدمة العسكرية السوفياتية أصيبوا بجراح بالغة ، كما أدخل 400 آخرون إلى العيادات السوفياتية قرب محطة الباص في "خاي خانة": ومات منهم 200 شخص ـ مع العلم أن هذا العدد يقتصر على الذين ماتوا بسبب جروحهم ، ولا يشمل أولئك الذين ماتوا في ميدان المعارك.
توابيت
وقد حُمًّل الأموات في توابيت خشب مربعة على متن طائرات "أنطونوف ـ "12 ، دون أن يعلم أحد بما تحويه تلك الصناديق ، حتى انبرى بعض الجنود لتحية أحدها: وحتى أن الشرطي السرًّي الموفد معي من "الخاد" ، والذي لازمني طول إقامتي ، أقرّ بأن الجيش السوفياتي كان يعاني من مشكلة كبرى. وإذا عدت الآن بالقارىء إلى شهر شباط ـ فبراير البارد عام 1980 ، فإنني أصف اليومين الأخيرين من إقامتي في أفغانستان قبل أن ينتهي أمد تأشيرة السفر بأنهما يومان ثمينان من الحرية المستوحدة. قررت إذ ذاك أن أكون جشعاً ، وأجرّب من جديد ركب الباص لمسافة طويلة إلى مدينة قيل لي عن سكانها في كابول إنهم عاودوا اكتشاف إيمانهم كجماعة في مجابهة غزاة بلادهم: إنها مدينة "قندهار". ركبت الباص قبل الفجر ، من المحطة ذاتها التي انطلقت منها في المرة الفائتة في رحلتي العقيمة إلى "مزار" ، لابساً الطاقية الأفغانية نفسها ، ومحدودباً تحت الوشاح الأسمر ذاته. كان الركاب عائلات فيها رجال ونساء يجلسون معاً. وحالما أعلنت عن جنسيتي ، انهالت عليّ الأطعمة من جبن ، وتفاح ، وبرتقال ، وخبز "نان" الذي يستعمله الأفغان كحاوْ للطعام. وعندما صرَّحت بلطف عن خوفي من أن يكون هناك أناس "غير طيبين" في الباص ـ أكَّدوا لي أني سأكون بأمان.
وهكذا أعطاني هؤلاء الركاب ، مع معرفتهم الضئيلة باللغة الإنكليزية ، حمايتهم على طول الرحلة البالغ 14 ساعة عبر المناظر الطبيعية المتجمدة الخلابة ، إلى قندهار. لقد كانت ملحمة لبلاد تخوض الحرب.
مرَّت حافلتنا بحطام ما لا يحصى من المركبات الملقاة على جانب الطريق. وعلى بعد 65 كيلومتراً من "غازني" ، البلدة التي هربت منها مع "غافين" وطاقمه الشهر الماضي ـ وكأنها كانت حياة أخرى ـ تعرّضت قافلة مدنية من الباصات والشاحنات لكمين ، مباشرة قبل وصولنا. وكانت تلك المركبات لا تزال تستعر فيها النار ، وترسل في السماء أعمدة من الدخان الأسود ، متسامقة فوق السهول المغطَّاة بالثلج. وبقرب الحطام أكوام صغيرة متفحمة: وكان ذلك كل ما بقي من المسافرين. مرَّت بنا قوافل سوفياتية في الاتجاه المعاكس ، وفي مؤخرة كل مركبة منها ، يقف جندي روسي شاهراً مسدّسه.
لقد كان السوفيات إذ ذاك مهتمين بتأمين سلامتهم أكثر مما يقلقهم الحفاظ على سلامة المدنيين ، الذين جاؤوا لإنقاذهم من قطَّاع الطرق.
وفي إحدى القرى ، صعد إلى باصنا ثلاثة جنود أفغان ، بمن فيهم أحد الضباط ، وحاولوا القبض على ساعي بريد هرب من الجيش. فجرت معركة وحشية بجمع الكف بين الجنود والمسافرين حتى ابرى مجندان إلزاميان كانا يدخنان الحشيشة في المقاعد الخلفية للسيارة ورفسا الضابط فعلاً خارج المركبة. يا لها من معنويات في جيش كارمال. وفي قرية أخرى استهجن المسافرون بالهسهسة لمرأى جنود طاجيك سوفيات كانوا يقفون قرب شريط شائك لمستودع عسكري. وربّت أحد المسافرين ورائي على كتفي بحدَّة قائلاً: أنظر ، أنظر، مشيراً إلى جبينه. لم أفهم أولاً ، ثم وضع يده على رأسه ، كما لو كان هناك قبعة. قبعة نعم ، كان هناك شيء مفتقد من قبعات الفرو الغبراء التي يلبسها جنود الطاجيك السوفيات. لقد أزالوا النجمة الحمراء عن قبعاتهم. وقفوا ينظرون إلينا بوجوههم الأكثر سمرة من وجوه رفاقهم الروس ، وهم مجرَّدون من شعار الأخوة الشيوعية الذي نشأوا في ظله.
سرطان أفغانستان
كان واجباً عليّ أن أفهم فوراً. إذا كان الجنود السوفيات المسلمون في أفغانستان قد نزعوا عن قبعاتهم شعار بلادهم ذاته ، ذلك الشعار الذي ارتداه آباؤهم بفخر في الحرب الوطنية الكبرى بين عامي 1941 1945و ، فذلك يعني أن أرواحهم قد تآكلت بفعل سرطان أفغانستان. لقد أُرسلوا ليحاربوا إخوانهم في الدين ، فقرروا أن لا يحاربوهم. وكان ذلك في أفغانستان أفضل نذير بانهيار الإمبراطورية الوشيك. لكن رحلتي الشاقَّة عبر بلاد الثلج كانت طويلة ، والأخطار المحدقة بي كبيرة ، وقد أخذ الإنهاك يسحقني ، فكتبت في دفتري أن الجنود نزعوا الشارات عن قبعاتهم لسبب من الأسباب. وبعد مسيرة عدة أميال ، لمحنا جندياً أفغانياً في الصحراء يطلق النار في الغَسَق من رشيشه على عدو لا يقدر أن يراه. وعندما توقف باصنا عند مقهى "شاي خانة" في الغسق المتجمد ، جاءنا رجل من القافلة المحروقة ، وأخبرنا أنه من الثلاثمئة مسافر الذين كانوا في الباصات ، قُبض على خمسين بواسطة مئة متمرّد مسلّح ، وأُخبروا ـ علناً ـ بأنهم قد يُعدمون ، لأنهم من رجال الحزب. وهكذا كان كل مشهد يتكلم عن نفسه ، وفهم المسافرون المرعوبون بوضوح وجود العنف البارز الصارخ وضعف الحكومة. وكان الوقت ليلاً عندما دخلنا قندهار ، العاصمة القديمة لأفغانستان. وسار باصنا عبر المزار الذي يقال إن فيه عباءة النبي محمّد (ص) ، ودار حول مدفع أثري من القرن التاسع عشر ، كان لجيش اللواء "روبرت" ، في الحرب الأفغانية الثانية. صرت قذراً وتعباً ، فدخلت فندقاً رثّاً في المدينة القديمة ، وهو مكان ينتشر فيه دخان السجائر ، وينضح بالعَرَق ، ويطهى فيه اللحم أكثر من اللزوم. كانت غرفة نومي صغيرة ، وشراشفها ملطخة ، وسجادتها مبرقعة بحروق من السجائر. ولكن كان فيها بابان تعلوهما قشرة من الصدأ يقودان إلى شرفة صغيرة ، أستطيع أن أرى منها القمر والنجوم التي تتلألأ عبر السماء في الشتاء. كنت مستلقياً على فراشي عندما سمعت الصوت: "الله أكبر". كان صوتاً رفيعاً مُدَوزناً شاكياً. "الله أكبر ، الله أكبر". نظرت إلى ساعتي فكانت الساعة التاسعة: ليس هذا وقت الصلاة المعهود. لقد بدأ منع التجول. "الله أكبر". جاء النشيد الآن من السطح المجاور ، على بعد أقل من 20 متراً من غرفتي. وكان صوتاً متنقلاً من طبقة عادية إلى طبقة عليا ، أكثر مما هو تضرُّع للعزة الإلهية. فتحت باب شرفتي. كانت الصرخة تنتقل وتتردد عبر الهواء: من عشر مرات "الله أكبر" إلى مئة مرة ، غير منسّقة ، ومتراكبة ، قائمة على الكلمات ذاتها ، بطبقة عالية وبطبقة الصادح ، وبسوبرانو الأولاد: إنه جيش من الأصوات يصيح من على السطوح في قندهار.
ثم تضخّم الصوت فحوى أكثر من ألف صوت: إنها جوقة ملأت أجواء السماوات ، وطفت تحت القمر والنجوم ، إنها موسيقى النجوم والكواكب. رأيت عائلة مؤلفة من الزوج والزوجة ومجموعة من الأولاد كلهم ينشدون: ولكن أصواتهم ضاعت في موجة الأصوات التي غمرت المدينة كلها. هذه الظاهرة غير العادية لم تكن مجرد احتجاج ، بل تفجُّعاً على فقدان الحرية. عندما دخل النبي مكة سنة 630 ميلادية ، تقدم من الحجر الأسود في الكعبة ومسَّه بعصاه وصاح بصوت قوي ذلك الابتهال الإسلامي الأسمى: "الله أكبر". فردَّد بعده حوالى عشرة آلاف مؤمن الكلمات ذاتها ، التي استقاها أعضاء قريش عشيرة النبي ، الذين تجمعوا على السطوح والشرفات في مكة. والآن تُنشد تلك الكلمات المقدَّسة ذاتها بعشرة آلاف صوت آخر ، من سطوح وشرفات قندهار ، هذه المرة. وقد يؤوًّل شخص غربي ـ أو روسي ـ هذا الأمر بأنه شبه تظاهرة سياسية ، أو كحَدَث رمزي. ولكن الحقيقة هي أن جوقات قندهار جاءت تأكيداً لا يقاوم للإيمان الديني ، وتكراراً مباشراً ومقصوداً للحظات مقدَّسة في الإسلام. وفي آخر سنوات حياة الرسول ، دخل الكعبة الجديدة المطهَّرة ، وكبّر سبع مرات "الله أكبر".
وفي قندهار كانت الأصوات يائسة ، وإنما جدّ قوية فاتنة آسرة ، لا تكاد تنتهي ، تصمّ الآذان ، لشعب صامت عاد فوجد وحدته في الله تعالى. إنها قوة لا يمكن إيقافها ، وتأكيد للهوية الدينية لا يستطيع مرزبان أو كرملين أن يخمدها.
ولكن احتجاجات قندهار السياسية المتمكًّنة كان لها تأثير بسيط. فأصحاب الحوانيت أقفلوا متاجرهم لمدة أسبوعين: ولكن فرقة من الجنود الأفغان ضغطت بالقوة لإعادة فتحها ، وهددت بسحق المتاجر التي لا تمتثل للأوامر.
«كالكي شريف»
وكان الجنود الأفغان يدخنون في شاحناتهم قرب مسجد "كالكي شريف". لكن مجموعات المتمردين الخمس الناشطة جنوبي قندهار توحَّدت ، وقال "الملالي" أي الشيوخ ـ الذين يكونون من نواحْ أخرى مطيعين ـ لسكان قندهار المسلمين بأن ينتبهوا للإحداث في إشارة ضمنية غير مسبوقة إلى الغزو السوفياتي. وخلال الأيام القليلة المنصرمة ، ظهرت على جدران السوق التي أعيد فتحها ، لافتات بسيطة الخط ، تحذر إحداها من أن "الناس نائمون" ، وتقول أخرى: "لماذا لا تستيقظون؟" ، وثالثة تتوجه إلى الجنود السوفيات: "يا أبناء لينين ـ ماذا تفعلون هنا؟". ولكن اللافتة الموجهة إلى الروس كانت مكتوبة بلغة "البوشتو" التي لا يعرفها الجنود الروس ـ وكان أهل قندهار قد شهدوا ، قبل خمسة أيام ، من تلك الشرفات والسطوح ذاتها قدوم قوافل الدبابات والمدرَّعات والشاحنات ومرورها عبر مدينتهم. ظهرت الدبابة الأولى حوالى الساعة التاسعة مساء ، ولم يغادر ذيل هذه القافلة قندهار إلا عند الرابعة صباحاً. وانتهى معظم هذه القافلة على طريق "سبنبولداك" عند الحدود الباكستانية. وفي قندهار ، تضاعفت أسعار الطعام ، وفتك التضخم النقدي بالأجور. فأسعار اللحم والأرز زادت بنسبة 80% ، والبيض بنسبة 100%. وادَّعى أحد أصحاب الحوانيت الذي يلبس كنزة وسترة مع العمامة والسروال الأفغاني الفضفاض ، بأن حكومة كارمال لن تصمد ، إذا لم تلجم أسعار المأكولات ، وقال: "تقول الحكومة كل يوم إن أسعار الأطعمة تنخفض ، وإن الأمور تتحسن بسبب التعاون مع الاتحاد السوفياتي. ولكن ذلك ليس صحيحاً". وخلص الرجل إلى الشتائم: "هل تعلم أن الحكومة عاجزة عن السيطرة على الطرقات ، وتتمسك بالمدن فحسب؟ اللعنة عليهم،". هذا ما كنت أعرفه.
وخلال رحلة عودتي إلى كابول ، التي قطعت فيها 450 كيلومتراً عبر برك الثلج والصحارى التي يغزوها المتمردون ، تأمَّلت في المستقبل الرهيب الذي ستضطر أفغانستان إلى تحمّله. وقد رأيت من نوافذ الباص قرية تشتعل بكاملها ويتصاعد لهيب الحريق ذهبياً على ثلج الجبال ، على بعد ثمانية كيلومترات: بينما كانت الطرقات أحياناً تحت قبضة مسلحين ـ بعضهم عرب يعتمرون الكوفيَّات ـ أو تتجول عليها شاحنات ملأى بالجنود الأفغان القابعين فيها بانكسار.
وصار الجنود الروس الآن يتوزعون على الطرق الفرعية ، وينشرون جيشهم عبر السهول ، ويدخلون دخولاً استبدادياً إلى القرى الصغيرة. وعند حوافّ مفارق الطرقات كانت ترابط دوريّات سوفياتية ، يظهر جنودها من مركباتهم المدرَّعة ، ويلاحظوننا دون اكتراث: إذ يعتبرون رسالتهم مسألة طبيعية. لقد أصبحوا الآن في هذا الموقع الذي يشكل جزءاً من حياتهم ، وكأن الأرض لهم على خطرها: لكنهم يقومون بواجبهم: مع أن الأمل مقطوع بنجاح مهمتهم الوهمية. لقد قال لي أحد رجال السوق الأفغان فيما بعد في كابول: "حتى لو قتلوا منّا مليوناً ، فإن مليوناً آخر مستعد للموت.
تظاهرة شعبية جماهيرية
لن نسمح لأحد بأن يبقى في بلادنا". وكان ذلك صحيحاً. ولم تمضً أيام على مغادرتي كابول ، حتى قمع الجنود الأفغان ورجال الأمن بوحشية تظاهرة شعبية جماهيرية قامت ضد الغزو السوفياتي ، وأطلقوا النار على مئات من المحتجين ، بمن فيهم نساء وأولاد ، في شوارع العاصمة. وسيقتل أكثر من مليون أفغاني في الحرب الدائرة ضد الروس خلال الأعوام التسعة القادمة ، وسيجرح أربعة ملايين وسيخرج من البلاد ستة ملايين نسمة كلاجئين ـ حتى قبل أن تدخل الحرب الأفغانية مأساتها الأخرى في النزاع المدني بين المجاهدين ، وحكم طالبان والقصف الأميركي التالي بالقنابل.
ولن نكتشف معنى تلك المعاناة إلا فيما بعد. وكانت الأفعل في القتل والفتك المقادير الهائلة من الألغام التي زرعها السوفيات عبر الجبال والحقول. وستكلف الحرب الروس ما يقدر بخمسة وثلاثين مليار دولار أميركي ـ فقد حصلت خسارة مليونين ونصف مليون دولار من قيمة الطائرات ، خلال عام واحد فقط ـ وادَّعى الأميركيون أنهم صرفوا عشرة مليارات دولار على هذا النزاع. وقالت المصادر الباكستانية فيما بعد أنه كان هناك ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف من المقاتلين العرب الفاعلين في أفغانستان في أي وقت من الأوقات خلال الحرب ، وأن 25 ألفاً منهم خدموا في القتال. ولكن في النهاية ، عندما أحرق الدب الروسي مخالبه ، وصار الاتحاد السوفياتي على طريق الضياع ، تراجع مقدًّمو العون الأميركيون ومن ساندهم من العرب والباكستانيين ، وهجروا أفغانستان ، وتركوها لمصيرها: كما تجاهلوا الآلاف من العرب الذين حاربوا هناك.
«جبال هندوكوش»
لم يتجرَّأ أيّ زعيم عربي أن يحارب في سبيل إخوانه المسلمين هناك ، حتى أن ياسر عرفات الذي عرف معنى طرد الناس من بلادهم ، لم ينتقد أبداً جيش الاحتلال الذي عاث خراباً في الأراضي المسلمة الواقعة بين "آمو داريا" وخط "دوراند". ولم يمثًّل العرب سوى بن لادن ورجاله فحسب. غادرت كابول بطائرة باكستانية ذات مراوح ، كادت تسقط في الجيوب الهوائية فوق جبال "هندوكوش" حتى حطَّت في مطار "بشاور" الحار كالفرن: ذلك المطار الذي انطلق منه "فرانسيس غاري باور" منذ عشرين سنة في طائرة التجسّس (U-2) الهالكة فوق الاتحاد السوفياتي. كنت أشعر بالخفَّة ، ويغمرني الشعور بأني شهدت التاريخ ، وبقيت حياً: وكأني تلميذ مدرسة قليل النضج. ولم يرد أيّ شيء من هذا القبيل في شريط "هيتشكوك" عن "المراسل الأجنبي" .
وفي فندقي ، تلقيت رسالة من رئيس تحرير الأخبار الأجنبية "إيفان بارنز" تنبئني بأني فزتُ بجائزة لتقاريري التي كتبتُها عن الثورة الإيرانية: ويقول فيها: "إشرب نخب ذلك على حسابي الليلة...". مثلما أعلن رئيس التحرير حصولي على علاوة إضافية مقدارها ألف دولار. كما وردتني رسالة من والدي الجندي المعمًّر يهنئني فيها ويقول إنه لم ينم عندما سمع الخبر. وفي اليوم التالي ، ركبت ببراءة الطفل القطار البخاري ، عائداً إلى ممر خيبر لألقي آخر نظرة على أفغانستان قبل أن أعود إلى بيروت. كان سائق القطار "محمد سليم خان" رجلاً رشيقاً من "الباثان" ذا شاربين كبيرين ، يضع طاقية على رأسه ، وله من الخبرة 18 سنة على خطوط الدولة الباكستانية. قام محمد خان بمسح مدخل الموقد بخرقة مزيَّتة لمحركه البالغ من العمر 60 سنة ، واستعمل بخبرته المًشْحمة ـ "ويكفيلد ـ EC4"المصنوعة في لندن ـ وانسل بقاطرته ذات الرقم 2511 من محطة "بشاور" الحارة الحافلة بالدخان. ولا شك في أن كل تلميذ مدرسة يكون مسروراً لركوبه في هذا القطار بقاطرته (SGS-Class No. )1152 ، ولقد سررت بذلك فعلاً. كان لهذه القاطرة دواليب ومدخنة مع غطاء لها مثل إبريق الشاي ، ومرجل صدىء يبقى دائماً قيد التصليح ، ومجموعة من الأربطة تنضح بالبخار ، ولها "دوّاسة" ترشح بالزيت ، ودخان برائحة الشاي المخمَّر.
وكانت ضجتها تشبه الرعد ، وقد جعلتني أتمسك بتجهيزات "الدوّاسة" التي يطأها السيد خان. وقد دفعت وزارة الدفاع في إسلام أباد أكلاف صيانة هذا الخط البالغ طوله 60 كيلومتراً ـ فقد يحتاجون إلى استعماله يوماً ما ، لاستقدام جيشهم هم إلى "لاندي كوتال" ، إذا تجاوزت القوافل الروسية الحدود ـ وسرنا ندبّ في صعودنا المنحدر الشديد الانحدار بنسبة واحد إلى ثلاثة ، بل الأكثر انحداراً في العالم ، يحاصرنا الدخان في أكثر من ثلاثين نفق تقع على طريقنا ، مع صفَّارة حادّة تنفًّر الثيران ، والمعز ، والغنم ، والأولاد ، والرجال المسنًّين عن قضبان السكة الحديدية. وعندما وصلنا إلى علو 3000 قدم ، اجتازت القاطرة منعطفاً حاداً عند سلسلة من الصخور العالية وفوق نهر هادر ، فتقلقلنا إلى درجة جعلتني مع السيد خان ، نتمسك بالأبواب الحديدية حتى لا نُقذف إلى الخارج. وهكذا وصلنا إلى "لاندي كوتال" من قلعة "جمرود" ، وقاطرتنا تلفظ دخانها في النسيم الذي يلفّ هذه الأعالي. وعندما قفزت من موطىء القدم في القطار ، وشققت سبيلي عبر حجارة الطريق العام ، ألفيت نفسي أمام جبال أفغانستان الشاحبة الزرقة ، التي تومض إلى الشمال وإلى الغرب ، الغارقة في أشعة الشمس ، الباردة ، الغاضبة ، امألوفة ، والخطرة. نظرت إليها الآن بمودة ومحبة: كما ينظر المرء إلى أرض خطرة ، خرج منها حياً. هناك مع "غافين" ورجاله ، كنا على قمّة العالم. ولم أكن أتصوَّر ماذا أنشأنا في أفغانستان ، ولا ماذا يخبّىء القدر لهذه البلاد خلال السنوات العشرين القادمة ، ولا الألم ال
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش